نداء للرئيس التركي….!
وليد عبد الحي
صاحب السيادة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان
من بين صفوف الاكاديميين العرب أخاطبك كرئيس اراه-وبكل صدق- حريصا على مصالح بلاده ، وكرئيس رسخ الممارسة الديمقراطية في بلاده ، دون أن أواري قلقا يساورني في بعض السياسات التركية ، ولن اقف عند ما هو شأن تركي بل عند ما هو شأن تتداخل فيه المصالح العربية والاسلامية والتركية.
لقد عرفت العلاقات العربية التركية ملابسات تتشابك فيها الأبعاد المحلية والاقليمية والدولية،وشكلت مناسبتان في التاريخ المعاصر مضمون هذه العلاقة، أولهما ما اصطلح على تسميته ” الربيع العربي” ، والثانية تجسدت في تداعيات طوفان الاقصى، والفارق بين المناسبتين أن الاولى ساهمت في خلق صدع عميق بين تركيا الرسمية والعديد من الدول العربية التي رأت في الموقف التركي ” انحيازا لحركة سياسية هي الاخوان المسلمين والتي تتوجس منها انظمتنا العربية في معظمها خيفة”، واتسع الفتق في العلاقات التركية العربية على الراتق ، حتى وصل لعلاقة سيطرت فيها الادوات الخشنة على غيرها من أدوات إدارة العلاقات الدولية، ورافق ذلك حربا اعلامية قاسية، ناهيك عن فتح المجال لخلق الفرص للقوى الكبرى لمزيد من التغلغل في المنطقة، وبدلا من انجاز ما تم الاتفاق عليه مع سوريا قبل الربيع من تطوير كبير للعلاقات التجارية بين البلدين ، بدأ حشد القوات والتدخل والوعد بالصلاة في الجامع الاموي .
اما المناسبة الثانية- طوفان الاقصى- فقد دفعت الى بعض التقاط الأنفاس في التدهور في العلاقات التركية العربية ، وأبدت تركيا اشارات متلاحقة لرأب الصدع بدءا بقرار القيود على التجارة مع اسرائيل وصولا الى البيانات الهامة المنسوبة لوزير الدفاع التركي عن “الانسحاب من الاراضي السورية” بخاصة بعد أن اضطربت صفوف المعارضة السورية ومن ضمنها بعض اجنحة التنظيمات التي كانت تتلقى الدعم من تركيا.
ولعل القضية الكردية تمثل هما مشتركا لكل من تركيا وسوريا والعراق وايران، واتضحت عمق الهواجس لدى الدول الاربع من النزعة الانفصالية الكردية،وبخاصة عندما جرى الاستفتاء الكردي في كردستان العراق في سيبتمبر 2017، وتمكنت الدول الاربع من “لجم” هذا التوجه لأنها رأت فيه خطرا على الوحدة الاقليمية لكل منها.
سيادة الرئيس:
ان استراتيجية صفر مشاكل- التي روجتم لها في البداية- مع دول الجوار انتهت الى خلافها، وإن الاخوان المسلمين الذين ساندتهم في كل العالم العربي “لا يؤيدون الاعتراف باسرائيل” خلافا لتمسكك بتراث تركي يعترف باسرائيل منذ نشوئها ، وبدأ العرب –المقربون من نهجك الفكري- يتساءلون باستهجان وحرج عن فلسفتكم السياسية التي أدت الى تراجع التجارة مع العالم العربي من ناحية ولتكون تركيا من ناحية ثانية هي الشريك التجاري الاول لاسرائيل في الشرق الاوسط حتى فترة الشهور الاولى لما بعد الطوفان .
سيادة الرئيس
كنت في كتاباتي أؤكد دائما على حرصك على مصالح بلادك، لكني أظنك لم تحاول إدارة العلاقة مع العالم العربي على اساس “المعادل الاخلاقي للحرب” كما تصوره نورمان انجيل لا كما تصوره وليم جيمس، فراينا جنودا أتراك في ساحات سوريا وفي الشمال العراقي وفي ليبيا وفي قواعد عسكرية في قطر ..الخ، وأصيحت المدن التركية مراكز اعلامية لنمط محدد من المعارضات العربية بخاصة ذات التوجه الديني، لكن اتفاقات تركيا الأمنية مع اسرائيل تحدد وبشكل كبير للغاية حدود المساندة التركية للمقاومة الفلسطينية.
فهل لنا سيادة الرئيس الإتكاء على تصريحات وزير الدفاع التركي كركيزة توحي “بحل عقدة العلاقة مع سوريا”، وهل يمكن أن تزداد الضغوط التركية على اسرائيل لاسيما ان لتركيا رصيد غير بسيط من أدوات الضغط، ومن الضروري سيادة الرئيس التساؤل لماذا تقف تركيا على رأس الدول الاسلامية في عدد المظاهرات الشعبية فيها تأييدا لفلسطين بعد طوفان الاقصى من ناحية ولكن اداء حزب العدالة والتنمية لم يكن بذات القوة كما ظهر في الانتخابات المحلية الاخيرة من ناحية أخرى، فهل يمكن لنا أن نستشف من ذلك اية دلالات نشتقها من التباين بين مستوى التاييد الشعبي التركي لفلسطين وبين جوهر السياسة الرسمية التركية تجاه اسرائيل؟
ان استراتيجية حليفك السابق وأحد خصومك حاليا داود أوغلو “صفر مشاكل” تستحق التطبيق ليتسع الفضاء التركي الى اعماق الشرق الاوسط، وإن مساندة “صفر مشاكل ” مع الجوار العربي بالمعادل الخلاقي للحرب ضمن منظور غير صفري للعلاقات العربية التركية سيجعل الفضاء التركي أرحب واقوى.
سيادة الرئيس:
هل من قمة عربية تركية ايرانية تكون سندا فعليا –بمقدار ما تتيحه المعطيات الراهنة- لمساندة من تطحنهم ألة الحرب في غزة لا سيما وأن عدد الضحايا من القتلى والجرحى والمفقودين جعل معدل القتل اليومي هو الأعلى بين كل الحروب المعاصرة منذ بداية القرن؟ وهل يمكن أن ينحاز الثقل التركي الى التوجه الدولي المتزايد في الضغط على اسرائيل ، فلماذا لا تكون الخطوات الدبلوماسية الاسبانية والايرلندية والنرويجية والتشيلية والجنوب افريقية وغيرها الكثير مجالا لتركيا لاستغلاله؟
سيادة الرئيس:
بحكم تخصصي العلمي لما يقارب نصف القرن في ميدان العلاقات الدولية،أعلم درجة التعقيد الهائل في العلاقات الدولية المعاصرة، فهل يمكن أن نرى ابداعا تركيا لبناء علاقة عربية تركية أكثر استقرارا؟ ..ربما.
2024-06-03
نداء للرئيس التركي….!
وليد عبد الحي
صاحب السيادة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان
من بين صفوف الاكاديميين العرب أخاطبك كرئيس اراه-وبكل صدق- حريصا على مصالح بلاده ، وكرئيس رسخ الممارسة الديمقراطية في بلاده ، دون أن أواري قلقا يساورني في بعض السياسات التركية ، ولن اقف عند ما هو شأن تركي بل عند ما هو شأن تتداخل فيه المصالح العربية والاسلامية والتركية.
لقد عرفت العلاقات العربية التركية ملابسات تتشابك فيها الأبعاد المحلية والاقليمية والدولية،وشكلت مناسبتان في التاريخ المعاصر مضمون هذه العلاقة، أولهما ما اصطلح على تسميته ” الربيع العربي” ، والثانية تجسدت في تداعيات طوفان الاقصى، والفارق بين المناسبتين أن الاولى ساهمت في خلق صدع عميق بين تركيا الرسمية والعديد من الدول العربية التي رأت في الموقف التركي ” انحيازا لحركة سياسية هي الاخوان المسلمين والتي تتوجس منها انظمتنا العربية في معظمها خيفة”، واتسع الفتق في العلاقات التركية العربية على الراتق ، حتى وصل لعلاقة سيطرت فيها الادوات الخشنة على غيرها من أدوات إدارة العلاقات الدولية، ورافق ذلك حربا اعلامية قاسية، ناهيك عن فتح المجال لخلق الفرص للقوى الكبرى لمزيد من التغلغل في المنطقة، وبدلا من انجاز ما تم الاتفاق عليه مع سوريا قبل الربيع من تطوير كبير للعلاقات التجارية بين البلدين ، بدأ حشد القوات والتدخل والوعد بالصلاة في الجامع الاموي .
اما المناسبة الثانية- طوفان الاقصى- فقد دفعت الى بعض التقاط الأنفاس في التدهور في العلاقات التركية العربية ، وأبدت تركيا اشارات متلاحقة لرأب الصدع بدءا بقرار القيود على التجارة مع اسرائيل وصولا الى البيانات الهامة المنسوبة لوزير الدفاع التركي عن “الانسحاب من الاراضي السورية” بخاصة بعد أن اضطربت صفوف المعارضة السورية ومن ضمنها بعض اجنحة التنظيمات التي كانت تتلقى الدعم من تركيا.
ولعل القضية الكردية تمثل هما مشتركا لكل من تركيا وسوريا والعراق وايران، واتضحت عمق الهواجس لدى الدول الاربع من النزعة الانفصالية الكردية،وبخاصة عندما جرى الاستفتاء الكردي في كردستان العراق في سيبتمبر 2017، وتمكنت الدول الاربع من “لجم” هذا التوجه لأنها رأت فيه خطرا على الوحدة الاقليمية لكل منها.
سيادة الرئيس:
ان استراتيجية صفر مشاكل- التي روجتم لها في البداية- مع دول الجوار انتهت الى خلافها، وإن الاخوان المسلمين الذين ساندتهم في كل العالم العربي “لا يؤيدون الاعتراف باسرائيل” خلافا لتمسكك بتراث تركي يعترف باسرائيل منذ نشوئها ، وبدأ العرب –المقربون من نهجك الفكري- يتساءلون باستهجان وحرج عن فلسفتكم السياسية التي أدت الى تراجع التجارة مع العالم العربي من ناحية ولتكون تركيا من ناحية ثانية هي الشريك التجاري الاول لاسرائيل في الشرق الاوسط حتى فترة الشهور الاولى لما بعد الطوفان .
سيادة الرئيس
كنت في كتاباتي أؤكد دائما على حرصك على مصالح بلادك، لكني أظنك لم تحاول إدارة العلاقة مع العالم العربي على اساس “المعادل الاخلاقي للحرب” كما تصوره نورمان انجيل لا كما تصوره وليم جيمس، فراينا جنودا أتراك في ساحات سوريا وفي الشمال العراقي وفي ليبيا وفي قواعد عسكرية في قطر ..الخ، وأصيحت المدن التركية مراكز اعلامية لنمط محدد من المعارضات العربية بخاصة ذات التوجه الديني، لكن اتفاقات تركيا الأمنية مع اسرائيل تحدد وبشكل كبير للغاية حدود المساندة التركية للمقاومة الفلسطينية.
فهل لنا سيادة الرئيس الإتكاء على تصريحات وزير الدفاع التركي كركيزة توحي “بحل عقدة العلاقة مع سوريا”، وهل يمكن أن تزداد الضغوط التركية على اسرائيل لاسيما ان لتركيا رصيد غير بسيط من أدوات الضغط، ومن الضروري سيادة الرئيس التساؤل لماذا تقف تركيا على رأس الدول الاسلامية في عدد المظاهرات الشعبية فيها تأييدا لفلسطين بعد طوفان الاقصى من ناحية ولكن اداء حزب العدالة والتنمية لم يكن بذات القوة كما ظهر في الانتخابات المحلية الاخيرة من ناحية أخرى، فهل يمكن لنا أن نستشف من ذلك اية دلالات نشتقها من التباين بين مستوى التاييد الشعبي التركي لفلسطين وبين جوهر السياسة الرسمية التركية تجاه اسرائيل؟
ان استراتيجية حليفك السابق وأحد خصومك حاليا داود أوغلو “صفر مشاكل” تستحق التطبيق ليتسع الفضاء التركي الى اعماق الشرق الاوسط، وإن مساندة “صفر مشاكل ” مع الجوار العربي بالمعادل الخلاقي للحرب ضمن منظور غير صفري للعلاقات العربية التركية سيجعل الفضاء التركي أرحب واقوى.
سيادة الرئيس:
هل من قمة عربية تركية ايرانية تكون سندا فعليا –بمقدار ما تتيحه المعطيات الراهنة- لمساندة من تطحنهم ألة الحرب في غزة لا سيما وأن عدد الضحايا من القتلى والجرحى والمفقودين جعل معدل القتل اليومي هو الأعلى بين كل الحروب المعاصرة منذ بداية القرن؟ وهل يمكن أن ينحاز الثقل التركي الى التوجه الدولي المتزايد في الضغط على اسرائيل ، فلماذا لا تكون الخطوات الدبلوماسية الاسبانية والايرلندية والنرويجية والتشيلية والجنوب افريقية وغيرها الكثير مجالا لتركيا لاستغلاله؟
سيادة الرئيس:
بحكم تخصصي العلمي لما يقارب نصف القرن في ميدان العلاقات الدولية،أعلم درجة التعقيد الهائل في العلاقات الدولية المعاصرة، فهل يمكن أن نرى ابداعا تركيا لبناء علاقة عربية تركية أكثر استقرارا؟ ..ربما.
2024-06-03