ما اشبه تظاهرات اميركا اليوم بأمسها!
رنا علوان
منذ ستينيات القرن الماضي لم تشهد الجامعات الأميركية حركات احتجاجية مشابهة ، فلقد تم احياء الماضي بما يحصل اليوم من تظاهرات في باحاتها مُطالبة بوقف الحرب على غزة ، مثلما حدث في الماضي خلال حرب فيتنام ، ولقد استعادت الكثير من الصحف العالمية تلك الذكرى ، مشبهةً ما يحدث اليوم بالأمس
سلطت صحيفة نيويورك تايمز الضوء على ذكرى الاحتجاجات الطلابية المناهضة لحرب فيتنام عام 1968 ، في ظل الاحتجاجات الحالية في الجامعات الأميركية على حرب غزة ، خاصة مع استدعاء الشرطة لتفريق المعتصمين في كلتا الحالتين ، بُغية لفت الأنظار الى خطورة هذا الحدث على اميركا ومدى تأثيره
أما واشنطن بوست أبدت تركيزًا كبيرًا على سرد احداث عام
1968 ، حيث ان تشابه الظروف ساقها إلى وضع مقارنة بين ما جرى بالأمس خلال حرب فيتنام وبين ما يجري اليوم في حرب الاميركو-صهيونية في غزة ، لِمَ فيها من أحداث مُشابهة
وإذا كانت صحيفة واشنطن بوست اكتفت بالإشارة إلى الاحتجاجات في جامعة كولومبيا في نيويورك اليوم واعتبرتها كنوع من رد الإعتبار عن احتجاجات التي جرت عام 1968 ، فإن نيويورك تايمز ، ذهبت في المقارنة إلى أبعد من ذلك ، حيث رأت الأخيرة ان الحركات التي بدأت في “حرم الجامعات” اخذت منحنى كبير ومؤثر حيث انها نجحت في لفت الأنظار بشكل اكبر وأهم من الاحتجاجات الشعبوية العادية
كما ذكرت الصحيفة مفارقة بين حرب فيتنام وحرب غزة وكيفية متابعتها ، ففي السابق لم يكن الإعلام بهذا الصخب كما كان يخلو أيضًا من وسائل التواصل الاجتماعي المؤثرة ، ومع هذا إنساق جيل 1968 في حركة بدأت في حرم الجامعات ونمت وراء اسس وقناعات أخلاقية تبلورت فيها رفضه وغضبه مما يجري بشأن حرب فيتنام ، ويُذكَر انها الحرب التلفزيونية الأولى التي تمكن الأميركيون من رؤية أهوالها في الوقت الحقيقي تقريبًا ، والتي جند لها خلال عامين مليون أميركي ، فما بالكم بجيل يشاهد ما يجري اليوم ، في وسائل اعلامية وعالم افتراضي متعدد يحاولون فيه كم الافواه ومنع عرض الحقائق من خلاله قدر المستطاع
كما حذّرت الصحيفة من ان يحصل نفس ما حدث عام 1968 ، فبعد انتهاء الفصول الدراسية ، لم ينتهِ حراكهم ومعارضتهم في ذلك الوقت ، وان هذا ما سيحدث اليوم أيضًا إذ تخطط الجماعات المناهضة للحرب لتنظيم احتجاجات كبيرة أثناء المؤتمر الوطني الديمقراطي ، وان الزمن يُعيد نفسه بطريقة اقوى وأشد وطأة
وفي استطلاع رأي للطلاب تبين ان هناك دعم كبير للقضية الفلسطينية ، والنتائج جميعها تصب في هذه الخانة حيث انه يوجد من بين كل 6 اشخاص هناك 5 يدعمون وقفًا دائمًا لإطلاق النار في غزة ، كما وجِد استطلاع آخر قامت به جامعة كوينيبياك ، تبين أن 53% من الديمقراطيين يعارضون إرسال المزيد من المساعدات العسكرية للعدو الإسرائيلي
أما صحيفة “أوبزيرفر” عنونت الآتي (إن أصداء فيتنام تتردد وسط احتجاجات الطلبة المؤيدين لفلسطين التي انتشرت في جامعات الولايات المتحدة)
وقالت الصحيفة في تقرير لها ، ( إن الدعوات لسحب الاستثمارات الجامعية من “إسرائيل” مستمرة رغم مئات الاعتقالات ، في وقت يوجه المنظمون نظرهم نحو المؤتمر الوطني العام للحزب الديمقراطي هذا الصيف)
وأكد الطلبة المتظاهرون أنهم لن يوقفوا احتجاجاتهم ، إلا بعدما توقف الجامعات استثماراتها مع الشركات التي تساهم في الحرب على غزة
ان ما يحدث اليوم يُعيد إلى الأذهان الحماسة النضالية التي عمت الولايات المتحدة في تلك الفترة السابقة ، حيث كان لبعض تلك الاحتجاجات ، منحنيات عنيفة في بعض الأحيان بحسب ما وصفتها الصحف ، إلا انه تمخض عنها تأثيرات عميقة على المجتمع الأمريكي والمشهد السياسي ، وأحدثت تحولات في نضال الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية
لكن بايدن ومن يناصره ينتظرون اليوم ببساطة خروج المتظاهرين من هذه الموجة ، ويعوّلون على أن المشاعر ستتلاشى في النهاية وأن الناخبين الديمقراطيين سوف يصطفون عندما يقترب يوم الانتخابات ويصبح الاختيار بين بايدن والمرشح الجمهوري دونالد ترامب أكثر وضوحًا ، وهذه مقامرة مُميتة منه ، خاصةً انه لا زال يؤيد نتنياهو في تصعيده نحو رفح الذي يضم اكثر من مليون وثلاث مئة ألف مواطن بريء يعيشون ابشع الظروف في ظل هذا الحصار المُطبق ، وان ما يحاول خداع الجميع به من مساعدات انسانية لهؤلاء الأبرياء بات مُثير للسخرية لأنه يدُل على استغباء تام ، فمن يريد المساعدة لا يدعم استكمال الحرب ويزيد في تمويلها ويسعى للمشاركة فيها فعليًا والتواجد على ارض المعركة بطرقه المُلتوية
ختامًا ، لقد حاولت بعض الأبواق شيطنة هذا الحراك الآخذ بالتمدد ، والذي نأمل ان يصل الى الدول العربية المُتصهينة واللإسلامية ، لأن ذلك يصب في مصلحة الكيان الغاصب ان لم يكن عسكريًا فسيكون عقائديًا لأن نجاح الحراك قد يُجنب العالم حرب كبرى يريدها العدو ويسعى لها كي يَظهر ربهم المُخلص (الذي سيعطيهم الأرض بعد انتظارهم الطويل له وتوبتهم المزعومة) إلا ان الحقيقة “المُثيرة للضحك فعلاً” ان امتداد آمد الحرب واتساع رقعتها لن تُخلص سوى بيبي نتنياهو من المحاكمة ، كما انها سترسم نهاية هذا الكيان الحتمية [فما جمعهم الا بدد ، وايامهم الا عدد ، يوم يُنادي المُنادي ألا لعنة الله على الظالمين ]
2024-04-30
