هل ستستطيع اميركا النجاة من الانهيار اقتصادي الذي يلوّح في الأفق!

رنا علوان
اعتمدت الحكومة على الاستدانة منذ نشأتها ، والبداية كانت في عام 1917 ، حيث تم وضع سقف الدين لتمويل الحرب العالمية الأولى من خلال تجميع السندات المختلفة ، وقد بلغ دين الولايات المتحدة حينها زُهاء 10% من الناتج المحلي الإجمالي
وفي عام 1939 مع اقتراب الحرب العالمية الثانية ، أنشأ الكونغرس أول سقف إجمالي للديون
وبعدها اصبح “الكونغرس” هو الذي يحدد سقف الدين ، وتم رفع السقف 78 مرة منذ عام 1960 ، بما في ذلك 20 مرة منذ عام 2001 ، وعادة ما يرفع الكونغرس (أو يعلق) سقف الدين قبل الوصول إليه
وقد بلغ الدين زُهاء 40% من الناتج المحلي الإجمالي لدى دخولها الحرب العالمية الثانية
بعدها خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب العالمية الثانية بدين يبلغ 130% من الناتج المحلي الإجمالي ، والآن، وبدون أي حرب ، يبلغ دين الولايات المتحدة 130%
وفي مفارقة جليّة ، نجد انه في الحرب العالمية الثانية ، كان هناك انكماش مالي في الولايات المتحدة ، أي أن الأسعار كانت تنخفض ، أما الآن ، فقد طبعت الولايات المتحدة الكثير من النقود غير المغطاة ، حتى أنها بالكاد تتجنب التضخم المفرط
وقد تم رفع حد السقف في 2021 ليصل إلى 31 تريليون دولار، وهو ما يعني أنه لا يجب أن يزيد إجمالي قروض الحكومة الأمريكية عن هذا الحد
بمعنى أن الولايات المتحدة لا تستطيع في الوقت الراهن تحمل زيادة إنفاق الميزانية عدة مرات على أي شيء ، سواء كان ذلك زيادة في ميزانية الجيش ، أو حربًا كبرى ، أو حتى تحديثًا للبنية التحتية للبلاد وهذا أقله
ففي حال بلوغ سقف الدين الحد الأقصى ، يعني ذلك أن الحكومة الفيدرالية لن تستطيع الحصول على قروض جديدة وهو ما يجعلها تتخلف عن تنفيذ التزاماتها التي تتضمن سداد الديون السابقة
وبحسب تقرير لمعهد “بروكينغز” الأمريكي ، بلغت الحكومة الأمريكية سقف الدين في يناير/ كانون الثاني من العام الفائت 31.4 تريليون دولار ، فاضطرت للتخلي عن بعض الالتزامات التي كان يجب تنفيذها ، مقابل توفير المال اللازم لسداد الديون حتى لا تتخلف عن السداد ، متجاوزة سقف الدين الذي تم تحديده في 2021 ، ومنذ ذلك الحين أصبح إنفاق أمريكا يسجل عجزًا سنويًا لأسباب مختلفة بعضها مرتبط بالقرارات السياسية التي يتم اتخاذها
كما أشار التقرير إلى أن فكرة إلغاء سقف الديون واردة ، لأن معارك الكونغرس المتكررة حوله تزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي
ويرى الاقتصاديون أن هناك أفكار باتت مطروحة للتحايل على هذا السقف من بينها سك ” عملات بلاتينية بقيمة تريليون دولار ووضعها في خزائن الاحتياطي الفدرالي ، أو الإعلان أن سقف الدين يمثل انتهاكا للتعديل الـ14 الذي يحظر التشكيك في الديون الفدرالية” ، وكذلك يمكن أن تصدر وزارة الخزانة سندات مميزة من خلال تقديم أسعار فائدة أعلى بكثير ، ومن ثم يقبل المستثمرون على شرائها ، وبذلك يوفرون السيولة النقدية اللازمة للحكومة ، لكن مع تقليص القيمة الإسمية للدين بغرض الإفلات من تجاوز السقف
ومع الدخول في عام الانتخابات الرئاسية الأميركية ، يلعب الاقتصاد دورًا هامًا في توجيه بوصلة الناخبين ، ورغم إظهار الاقتصاد قوة أكدتها تقارير التضخم والتوظيف الأخيرة ، إلا أن وسائل إعلام أميركية عدة رصدت اتساع الفجوة بين المزاج العام المتشائم حيال الاقتصاد ، ووضع الاقتصاد على أرض الواقع
ولعله من غير المهم لنا من سيفوز في الانتخابات ولكن استنادًا إلى المسارات الحالية ، يتمتع الجمهوريون بفرصة أفضل للفوز ، لكن الديمقراطيين قد يتلاعبون في الانتخابات مرة أخرى ، وبالنهاية الفائز ينتظره امران لا ثالث لهما ، إما انهيار اقتصادي او انقلابات في الولايات
والجدير بالذكر ، إن أدوات الإدارة الاقتصادية تقع في أيدي أنصار العولمة ، أي القوى التي تقف خلف الحزب الديمقراطي ، وإعلان حالة الطوارئ بسبب الانهيار الاقتصادي يعطي كل الصلاحيات للإدارة الحاكمة وقت الانهيار ، لهذا لن يكون من مصلحة الديمقراطيين التسبب في انهيار الاقتصاد ، كي لا تقع كل الصلاحيات في يد الإدارة الحاكمة التي ستتمثل انذاك بالحزب الجمهوري ، وإذا بقي الديمقراطيون في السلطة بعد الانتخابات ، فإن هذا البقاء نفسه لن يحدث سوى من تزوير نتائج الانتخابات واحتجاجات الجمهوريين وغيرها من الأحداث التي سيتم استغلالها
يشك العديد من الخبراء ، في توفر فرص للولايات المتحدة تمكنها من إنقاذ نفسها ، لكن احتمال وجود سيناريو القصور الذاتي خارج السيطرة مرتفع ، بل إنه أكثر ترجيحًا من السيناريو الذي يمكن التحكم فيه
لذا من المرجح ، انه [ لن تجرؤ النخبة الأمريكية على اتخاذ إجراءات عالية السقف في الوقت الحالي] ، بل ستؤجل اتخاذ القرارات حتى يبدأ كل شيء في الانهيار ويخرج عن نطاق السيطرة ، وقد تباينت توقعات بنوك الاستثمار العالمية لآفاق الاقتصاد الأميركي في عام 2024 ، فبينما رجح “جيه بي مورغان” أن ينمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 1.6% وأن ينخفض التضخم إلى 2.4%، يتوقع “غولدمان ساكس” نموًا بنسبة 2.2% وتراجعًا للتضخم إلى 2.7% ، وفي أقل توقعات النمو يرى “دويتشه بنك” تراجع نمو الاقتصاد الأميركي إلى 0.6% وتضخمًا عند 2.1% خلال العام الحالي
ومؤخرًا ظهرت “ازمة انفصال تكساس” مِما زاد الامر سوء ، ولعلكم سمعتم عبارة “كل شيء أكبر في تكساس” تعود هذه العبارة للدلالة على اهميتها من جميع النواحي ، فإن الاقتصاد متنوع بشكل ملحوظ جدًا ، في حين أن الصناعات البتروكيماوية وتربية الماشية والصناعات التابعة لها هائلة ، فضلاً عن أن هناك العديد من الصناعات القوية في الولاية
من “الزراعة والهندسة والتكنولوجيا والخدمات العسكرية والفضاء كلها مزدهرة ، ناهيك عن صناعة الموسيقى ، دون علم الكثيرين ، تتمتع تكساس بأهم مشهد موسيقي في البلاد وتعتبر أوستن عاصمة الموسيقى الحية في العالم ، وهنا سنتوقف قليلاً للإضاءة على اهمية هذا القطاع على الاقتصاد الاميركي ، حيث يسمى ” بالاقتصاد الناعم الذي لا يُستهان به ” ويدر سنويًا ما يفوق 700 مليار دولار
ولو كانت تكساس دولة ، لكانت في المرتبة التاسعة في قائمة أكبر الاقتصادات ، بسبب اقتصادها الذي يجعلها متقدمة على دول مهمة مثل روسيا وإسبانيا وأستراليا والمكسيك
كما أن تكساس هي موطن لثاني أكبر قوة عمل مدنية على هذا الكوكب ل(أكثر من 14 مليون شخص) وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية لوضعها الاقتصادي ، بالإضافة إلى العدد الهائل من الأشخاص ، وتتمتع تكساس أيضًا ببنية تحتية ممتازة تلبي احتياجات الشركات الوطنية والدولية عن طريق البر والجو والبحر
وحتى من الناحية السياسية ، فإن تكساس هي لاعب رئيسي في السياسة ، حيث تمتلك ثاني أكبر عدد من الأصوات الانتخابية ومقاعد في الكونغرس في الولايات المتحدة
ختامًا ، ان ما ينتظر الولايات المتحدة الاميركية ليس بالأمر السهل ، وبرأي انه في حال اشتد الخناق عليها اكثر فأكثر فقد تلجأ للانتحار ، لسبب بسيط ان الثعبان عندما يجوع يأكل نفسه ، وليس مستبعدًا ان تشعل فتيل الحرب العالمية في محاولة انقاذ نفسها
2024-01-30