عالم متعدد الأقطاب ومكانة روسيا فيه في ظل محاولات أمريكية غربية لإشعال حرب طاحنة!

د. نواف إبراهيم*
التقلبات العالمية الحالية تبرز بشكل واضح دور روسيا البنّاء والصادق في البحث عن مستقبل أفضل في عالم متعدد الأقطاب.
أصحاب العقول السليمة يرون أن مستقبل المجتمع العالمي معقد للغاية وهو على أعتاب مرحلة جديدة من الحياة في كافة مناحيها، الوضع في العالم صعب للغاية وسيحدث هذا التغيير بنفس الطريقة أو بالمقارنة مع العديد من دول العالم التي لم تعد قادرة على تحمل العواقب الوخيمة وهي تتخبط في عالم القطب الواحد، والذي بسبب سياساته ومعاملته غير العادلة توسعت دوائر الحروب، وتطورت الصراعات الدامية، وانتشر الإرهاب، فضلا عن محاولات اختراق الشعوب والبلدان من أجل تغيير أسلوب حياتهم بما يتوافق مع معايير الدول الغربية ومحاولات فرض ثقافات تتنافى مع الأخلاق والسلوك لتلك الشعوب وللجنس البشري عموماً، تدمير ممنهج للقيم والمبادىءالإنسانية، وهذا في حد ذاته كارثة تهدد مستقبل البشرية جمعاء عندما يتحول المجتمع إلى غابة يأكل فيها الجميع بعضهم البعض دون أن يردعهم أي رادع .
ad
ما الذي جعل جميع الدول التي تريد العيش بسلام وحسن جوار ووئام تتجه لتجد لها مكانا في العالم الجديد…؟؟؟، قبل التفكير بذلك هنا تطرح عدة أسئلة ….. من هي الدول التي ستدرك هذا الهدف؟ وأين روسيا من هذا ؟، نحن مضطرون إلى أن نسأل أنفسنا نفس السؤال عدة مرات، ولكن بما أن روسيا عادت إلى الساحة الدولية كأحد أهم اللاعبين في العالم، وهي الأكثر صدقاً وصواباً، لاعب تعلق عليه آمال ترتيب البيت العالمي المفجوع بالكوارث والدمار. نعم أمل العالم معلّق على روسيا ومعها كثير من الدول الخيرّة لبناء عالم هادىء مستقر يحيا فيه الجميع بسلام، في وقت يؤجج فيه الغرب الجماعي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية الحروب، من أفغانستان إلى أوكرانيا مرورا يآسيا وأفريقيا وصولاً إلى الشرق الأوسط ، هنا إن لم يظهر من يضع حدا لجنون هؤلاء فإنهم لن يوقفوا هذه السياسة بينما يشعرون بالارتياح ويكسبون المال على حساب دماء الشعوب الأخرى وتدمير دولهم.
وهكذا، فإن أحد ألمع الأمثلة الحية هو الشرق الأوسط، حيث على مدى السنوات الـ 12 الماضية، خلال ما يسمى بـ “الربيع العربي”، تعيش شعوب المنطقة بأكملها تقريبًا بشكل رهيب خاصة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وسورية ،كما في المناطق المزدهرة أيضا في المناطق الأكثر فقراً يعيش الجميع بقلق على المستقبل وخوف من المجهول، ولا يمكن لقادة هذه الدول الاستغناء عن هذا الخوف الذي يجبر الجميع على التفكير في ما هو قادم، وأن يتيقن الجميع أنه بسبب التحديات الخطيرة للغاية، لن يتمكن أحد حتى من حل المشكلات الحاسمة بمفرده أو بطريقته الخاصة، كما يحدث الآن مع البعض من هذه الدول، لايمكن لكل دولة تفعل ذلك بطريقتها الخاصة لابد من بوصلة تحدد طريق المستقبل ويلتف حولها الجميع. هنا يبرز الدور الكبير الذي لعبته روسيا وستلعبه في تحقيق العدالة الدولية، واحترام القوانين والأعراف، وحقوق الإنسان، وسيادة الدول واستقلالها، وهي دفعت ثمناً باهظاً من أجل ذلك. ولنشر العدالة والدفاع عن الحق، وقبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة، أنقذت روسيا دولاً بأكملها من الإختفاء عن الخارطة السياسية العالمية،لكن كيف سستطيع روسيا فيما بعد إيقاف طوفان رد الفعل على الظلم القائم على شعوب العالم خاصة في منطقة الشرق الأوسط ؟.
روسيا – بحثا عن مستقبل أفضل
اليوم نرى الواقع يتغير بتسارع واضح فأصبحت العديد من القوى والدول الإقليمية والعالمية مقتنعة بأن روسيا على حق وتمتلك القوة والحجة للدفاع عنه، وتؤمن بقدرتها على الوقوف في وجه غطرسة المصانع العسكرية الغربية، والقادة العسكريين والمسؤولين الحكوميين والسياسيين العنصريين والنازيين الذين لا يهمهم عدد الدول التي تم تدميرها وكم عدد الارواح التي زهقت مقابل تحقيق مصالحها الضيقة،ومنع روسيا والدول الطيبة معها من المساهمة في بناء عالم عادل.
بمساعدة روسيا، بدأت الدول المتضررة تنضم الواحدة تلو الأخرى لتدعم النهج الروسي الذي يقوده الرئيس فلاديمير بوتين على مستوى التحالفات الناشئة. إن منظمة شنغهاي للتعاون والمنظمة الاقتصادية الأوراسية ومجموعة دول بريكي وغيرها جميعها تنتظر منذ زمن طويل ظهور قوة دولية صادقة تريد السلام العالمي يتزعمها قائد يتحصن بقوة الموقف والموقع، حتى تتمكن من الاتحاد معها ومعارضة كل هذا الظلم وغطرسة الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، التي لم تدرك بعد أن العالم قد تغير وليس لديها ماينقذها إن لم تصحى على نفسها في الوقت المناسب، مازالت الولايات المتحدة تتعامل على أساس “عندما تمتلك القوة لاداعي للعقل” ويجب على الجميع أن يكونوا مع العالم الأحادي القطب، ولم تقتنع بعد واشنطن ومن معها بحقيقة أنه لا يُسمح لأحد أن يكون شرطي العالم بعد الآن، وإلا فإن مسار العالم يستمر نحو المجهول أو نحو الهاوية.
من هنا نرى الدور الكبير الذي لعبته وتلعبه روسيا في تحقيق العدالة الدولية، وفي احترام القوانين الدولية وحقوق الإنسان وسيادة الدول واستقلالها، وقد دفعت روسيا ثمناً باهظاً وحتى الدماء في سبيل تحقيق العدالة الدولية. دافعت روسيا عن الحقيقة، وأنقذت دولاً بأكملها كانت مهددة بالزوال عن الخارطة السياسة العالمية والأمثلة كثيرة.
الآن حازت روسيا على ثقة معظم دول العالم بمشاركة دول كبيرة مثل الصين والهند ودول آسيوية أخرى ودول أمريكا اللاتينية معهم إيران وصولاً إلى كل الشرق الأوسط وأفريقيا، فكيف يمكن لهذه الدول الغربية و أمهم العاقر، الولايات المتحدة، لها أن تطلق على نفسها- المجتمع الدولي الذي يدير عجلة تقرير مصير الأمم والدول الأخرى!!! هذه المرة إنتهى الأمر وبشكل لا رجعة فيه. وبدأت فعلياً الخطوات الأولى نحو عالم متعدد الأقطاب تحديداً عندما أعلن الرئيس بوتين ذلك في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، فقال إنه لم يعد من الممكن التسامح مع ما يحدث في ظل سياسة القطب الواحد التي تقود العالم إلى المجهول، وانتقد علناً كل السياسات الغربية التي دمرت العالم سياسياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وحتى إنسانياً.
وعمل الرئيس بوتين طوال الفترة التي تلت ذلك على تحقيق هذا الهدف حتى يتمكن العالم أجمع من العيش بسلام، ومع الحقوق المتساوية لشعوب كل الدول واحترام سيادتها واستقلالها، في فترة مضت لم يعد العالم يبحث عن مستقبل أفضل لأنه فقد الأمل.لكن بفضل روسيا ومعها عدد كبير من الدول والحلفاء، بدأت مرحلة تحول عالمي كبير نحو عالم متعدد الأقطاب يضمن السلام والأمن والاستقرار للجميع.
وكما نعلم جميعا فإن أصعب مشاكل التنمية في كثير من دول العالم وخاصة في أفريقيا والشرق الأوسط هي مشاكل العدالة الاجتماعية، إضافة إلى أن أسوأ ما في الأمر هو انتشار الإرهاب تحت شعارات حقوق الإنسان و الحرية والديمقراطية على يد دول معينة،أرادوا إزالة روسيا من جذورها،وطردها من جميع مناطق مصالحها الجيوسياسية والإقتصادية بأسلوب جداً وقح وغير محترم، هذه ليست نكتة أو حكاية، هذه بالفعل حقيقة واضحة ومرة لكن خابت آمالهم أمام الدب الروسي، وقد رأينا ماحدث وما زلنا نرى ما يحدث في العراق وليبيا واليمن وسوريا وغيرها من دول المنطقة نسبيا، فعلا في هذه الحالة لم يعد من الممكن السكوت، ومن كان يستطيع وبجرأة أن يقف بوجه كل هذا باستثناء روسيا وتلك الدول المتقدمة والمنظمات الدولية مثل الصين وبركس ومنظمة شنغهاي للتعاون التي تعي أن العالم بحاجة إلى العمل الجاد حتى يصبح العالم مسالمًا يعمه الهدوء والإستقرار.
روسيا ودول العالم علاقات صداقة تقليدية اجتازت امتحان الزمن
بالعودة إلى بعض التاريخ روسيا في الحقيقة أثبتت أنها المركز الجديد للعالم متعدد الأقطاب الناشئ مشاركة مع الصين . لكنها لم ولن تفعل كما فعل الغير في إستئثار السيطرة على العالم واالتحكم فيه وحدها بل هي تقول على لسان مسؤوليها ومنذ زمن بعيد وعلى رأسهم الرئيس فلاديمير بوتين بأن هذا العالم في خطر وعلينا أن نسير به نحو الأمن والإستقرار بمساعدة بعضنا البعض، من خلال تقوية دولنا واستثمار مشترك للمصالح لتغدو بلداننا قوية ومزدهرة وآمنة، وتوسيع التعاون في كافة المجالات بما يحقق التنمية السيادية لصالح الإنسانية.
مرات عديدة أكد الرئيس فلاديمير بوتين أن روسيا ترتبط مع دول العالم بعلاقات صداقة تقليدية اجتازت امتحان الزمن. وكان يشير في مناسبات عدة إلى أن تطوير وترسيخ هذه العلاقات ضمن أولويات السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية، مع الدول الصديقة والحليفة، حتى مع الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة رغم كم العداء الذي تتعامل به مع روسيا، لم يكن المسؤولون الروس يسمون الغرب بالعدو بل يسموهم الشركاء في الوقت الذي كان هذا الغرب الجماعي يضع روسيا في أولى قائمة الأعداء والدول التي تهدد أمنه القومي والإستقرار العالمي على حد زعمهم .
لايمكن أن ننسى الدعم الإنساني من قبل الشعب الروسي منذ قديم الزمن لكثير من شعوب العالم وهذا شهدناها سابقا في عهود مضت في المساهمة في تأمين الأمن الغذائي في تقديم المنح التعليمية لأبناء هذه الدول وتحريرهم من الجهل والأمية، في التدريب والتاهيل ورفع الكفاءات في كافة المجالات ، في بناء المشاريع والطرق والسكك الحديدية والمنشآت الحيوية في هذه البلدان، وسد أسوان في مصر وسد الفرات في سورية ومشاريع كثيرة في بلدان عربية أخرى أكبر شاهد على الدور الذي تلعبه روسيا في العالم كله مروراً بافريقيا وأسيا وصولاً إلى أبعد نقطة على وجه الأرض في إحياء العالم، شاركت روسيا دائما في دعم الشعوب المظلومة ودعمت الدفاع عن استقلالهم وسيادتهم وتحررهم وتكوين البنيان المؤسساتي للدول ووضع أسس الاقتصاد القومي وتشكيل القوات المسلحة ذات القدرة القتالية. كما قام الخبراء السوفييت وبعدهم الروس بتشييد منشآت هامة للبنى التحتية بما فيها المحطات الكهرومائية والكهروذرية والطرق والمصانع. وتلقى مئات آلاف من الإختصاصيين من دول العالم تدريبا مهنياً عالي الجودة في المعاهد والجامعات الروسية. والعديد من الزعماء المعاصرين في بلدان العالم يعلمون هذا جيداً ويقدرونه لروسيا ويعلمون أن هذه صفحات لا تنسى من التاريخ.
روسيا ساهمت مع المجتمع الدولي بتقديم الدعم المتكامل للدول الضعيفة عن طريق تخفيض عبء الديون مثلا قامت بتنفيذ برامج «الدين مقابل التنمية» مع بعض البلدان الأفريقية،وأعفت بعض الدول منها العربية من ديون سابقة مثل سورية بمليارات الدولارات، روسيا تساعد في مكافحة انتشار الأمراض المعدية (بما فيها مرض فيروس إيبولا وغيره من الأمراض المصنعة في الوقت الحالي مثل فيروس كوفيد 19 ومتحوراته) وساهمت في تجاوز عواقب الكوارث الطبيعية وتسوية النزاعات القائمة وفي منع ظهور أزمات جديدة في مناطق مختلفة من العالم. وتساهم بكل طاقتها في دعم مكافحة الإرهاب في مناطق عديدة.
كثير من شعوب وقادة العالم يرون ويقدرون عاليا الطابع الإنساني البنّاء لسياسة روسيا الخارجية، بما في ذلك تجاه القارة الأفريقية ساحة صراع الجبابرة القديمة الجديدة، ويثمنون دور روسيا كدولة عظمى في العالم لها وزنها وثقلها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي كونها تدعو دائما إلى تحقيق الديمقراطية الحقيقة في العالم وتدعم جميع المساعي العادلة للدول في ممارسة سياسة مستقلة وحرة وتحديد مستقبلها بأنفسها دون املاءات مفروضة عليها من أطراف أخرى. في نفس الوقت روسيا لم تربط يوما من الأيام دعمها ومشاريعها التنموية لأي دولة أو شعب في العالم بأية اشتراطات سياسية أو أخرى أو بما يسمى بالإمتيازات الاقتصادية والتجارية الحصرية، روسيا لا تتبع سياسة الإسترقاق التي تتبعها دول أخرى كالغرب الجماعي وروسيا ولا تفرض موقفها، وهي تدعم فكرة بأن كل دولة وكل منطقة يمكنها أن تجترع الحلول كما تراها تخدم مصلحتها ومصلحة شعوبها.
روسيا ودورها في محاولات إنقاذ البشرية بالقوة الناعمة
هذا ياسادة جزء من الدور الروسي في العالم ، لم تكن روسيا يوماً من الأيام دولة محتلة أو دولة معادية لأي من الدول والشعوب، بل كانت دائما سنداً للسلم وعدواً للحروب والقتل والتدمير، وهناك شواهد كثيرة على ذلك وليس الحرب على العراق وسوريا ودول منطقة الشرق ألأوسط أو دول أفريقيا ليست الأمثلة الوحيدة على دور روسيا الإيجابي ومحاولاتها الدائمة في سبيل إنقاذ البشرية من كل ما يحيق بها طبيعياً أو مايجرى لها بشكل إصطناعي من قبل بعض دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة والغرب الجماعي ، هذا الغرب الذي دمر دولاً عن بكرة أبيها وشرد شعوبها ونهب أموالها وثرواتها ونشر الإرهاب فيها والأمراض والأوبئة، وكان سخياً جداً في دعم النزاعات والحروب والإقتتال بين شعوب الدول كانوا ومازالوا يدعمون بالمال والسلاح هذه الحروب والنزاعات ،وهم يتحدثون عن شعارات الديمقراطية والإنسانية، وعندما حدثت كوارث طبيعية وزلازل في سورية وليبيا وغيرها من دول أخرى أغلقوا عيونهم أصموا أذانهم وكأن شيئاً لم يكن، في هذا الوقت كانت روسيا كما تعودنا عليها أولى الدول التي تقدم كل إمكاناتها لدعم وإنقاذ السكان والبشر في المناطق المنكوبة.
دور روسيا لن يقف عند هذا الحد وخاصة بعد العملية الخاصة في أوكرانيا لإستكمال إنهاء ماتبقى من النازية بعد الحرب العالمية الثانية، وللقضاء على النازيين الجدد، الذين جعلوا من أرض أوكرانيا ساحة حرب على روسيا والعالم كله من خلال تدريب وتجميع الأرهابيين، ومن خلال تجارة السلاح، والأخطر من ذلك المخابر البيولوجية التي كان يستكمل فيها تصنيع أمراض وفيروسات قاتلة للبشرية، فعلت روسيا هذا كله في سبيل تحقيق التوازن في العالم و العدالة الدولية ومنع أي قوة و مجموعة قوى من العالم أن تتحكم بمصير الدول والشعوب الأخرى، وفي هذا الطريق باتت تنضم الكثير من دول العالم سواء في الشرق الأوسط كإيران وسورية ومصر ودول الخليج ، وايضا في أفريقيا بجل دولها، وأمريكا اللاتينية ، وصولاً إلى الصين وكوريا الشمالية والهند وغيرهم الكثير من البلدان أصبحت بشكل علني تدعم دعوات روسيا إلى تغيير العالم نحو عالم متعدد الأقطاب يحترم الجميع فيه مصالح الآخرين، بتطوير استخدام العلاقات الودية والإحترام المتبادل والقوة الناعمة كالدبلوماسية الشعبية التي تمتلك فيها روسيا خبرة كبيرة. روسيا لديها من الإرث الإنساني والثقافي والعملي والحضاري مايكفي لأن تكون رائدة بين دول العالم في تحقيق السلام للإنسانية جمعاء من خلال التعاون والتشاركية وتبادل الافكار البناءة مع الدول والشعوب الأخرى لا بالحروب والقتل والتدمير كما فعل الولايات المتحدة ومعها دول الغرب الإستعماري على مدى قرون عديدة.
شمال القوقاز في منظور التعاون الدولي الروسي
هذا المؤتمر الذي تنظمه “الأكاديمية الرئاسية” الأكاديمية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة للدولة”خدمة الدولة” لدى رئيس الاتحاد الروسي، معهد شمال القوقاز – فرع الاكاديمية الرئاسية، بإشراف ديوان مفوض رئيس الاتحاد الروسي في إقليم شمال القوقاز الفيدرالي وصندوق دعم الدبلوماسية العامة تحت عنوان “شمال القوقاز في منظور التعاون الدولي الروسي ” ، في إقليم مينيرالني فودي من 13 إلى 14 شهر تشرين أول أكتوبر 2023 ،وتشارك فيه نخبة من المسؤولين والخبراء والإختصاصيين من روسيا وآسيا وأفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، يعتبر لبنة هامة في تدعيم بناء صرح العالم الجديد رغم الفوضى القائمة حالياً، وفرصة جديدة تخلقها روسيا من أجل أن يلتقي عقلاء العالم من كل الدول للبحث والتفكير في كيفية بناء عالم يملؤه الخير والسلام والأمن والإستقرار وتوجيه وتصويب عمل المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرهما من المنظمات الدولية التي تتحكم بها دول بعينها خدمة فقط لمصالحها الخاصة دون كل دول العالم الأخرى،وهذا يعزز دور روسيا في تحقيق التعاون الدولي ويظهر صورتها الإيجابية التي يحاول البعض شيطنتها خاصة في ظروف الاضطرابات الدولية وتحول النظام العالمي الذي نعيشه هذه الأيام من خلال مفهوم القوم الناعمة وتحقيق الأهداف الخلاقة في بناء عالم متجدد ومتعدد الأقطاب بالتراضي وليس بالإكراه،بل عن طريق الإقناع وجذب إهتمام وتعاطف الجهات الفاعلة الأخرى من هذا العالم، والأهم من ذلك يساعد في محاولات الإضاءة على ما تسعى إليه الولايات المتحدة وحلفائها من تخريب بناء العالم الجديد وحتى لو أشعلت حرب إقليمية على الأرجح تخطط لها في منطقة الشرق الأوسط لتخلط الحابل بالنابل وتقطع الطريق على مسار تلاقي دول العالم الجديد، والتي قد تتحول إلى حرب شاملة في المنطقة والعالم وكالعادة الولايات المتحدة تحاول التحكم بها وإدارتها بالريمونت كونترول وعن بعد يحقق لها أكبر الأرباح وأقل الخسائر كما فعلت إبان الحربين العالمية الأأولى والثانية، لكن على مايبدو حسابات الحقل الأميريكي لن تنطبق على حسابات البيدر كما يقول المثل العربي.
بالفعل إن أهم عنصر في “القوة الناعمة” لروسيا هو تنوعها الثقافي والعرقي والطبيعي (اندماج فريد من نوعه للثقافات، وتجربة غير مسبوقة من التفاعل السلمي بين مختلف المجموعات العرقية والشعوب، والحوار بين الأديان الذي يعود تاريخه إلى قرون، والحجم الشاسع للأراضي ذات الجمال الطبيعي المذهل). إن صورة روسيا في الخارج لا تعكس بشكل كامل عمق هذه اللوحة وتنوعها، لكن نحن أصحاب العقول السليمة علينا جميعا أن نسهم في هذا الدور وأن نعي أن هذه الحرب التي تخوضها روسيا هي حرب كل الأحرار ضد الظلم والطغيان.
من يعتقد أن هذه الحرب هي حرب روسيا لوحدها فهو مخطىء
بالعموم كل من يعتقد أن هذه الحرب هي حرب روسيا وحدها خاطئ في حساباته. هذه حرب البشرية جمعاء ضد كل الظلم الذي عاشته طوال قرون، بل طوال آلاف الأعوام. والتاريخ سيشهد يوماً أن روسيا، وساندتها كل الدول والشعوب التي واجهت ورفضت أن تموت، تقود معادلة الخلاص كتفاً إلى كتف مع الصين، كدولتين كبريين، من الشرّ الأسود الجاثم منذ زمن على صدر هذا العالم.
حاليا تقود روسيا، ومعها حلفاء مخلصون، حرب الدفاع عن التاريخ والمبادئ والقيم والبشرية جمعاء، وحمايتها من كوارث مفتعلة، ومن تابع بعقل ما جرى ويجري خلال العقدين الأخيرين، يعي تماماً أننا لا ننفخ في الهواء دخاناً، ولا نرمي الكلام جزافاً. فروسيا، بقيادة الزعيم التاريخي فلاديمير بوتين، وبدعم الحلفاء القدامى الجدد، تحرّر نفسها رويداً رويداً من ثلاثين عاماً من التغريب ومحاولات القوى الخفية القضاء على كل القيم والمُثل والتاريخ في محاولة لتثبيت السيطرة الإمبريالية، في كل أشكالها التاريخية والسياسية والثقافية والاقتصادية والمالية والإعلامية، وإفشال تلاقي الدول المناهضة لها، وعلى رأسها روسيا والصين، نحو التحرّر من السيطرة والهيمنة لمن سمّاهم أحد منظّري التغيير في العالم الحديث، بأنهم “أناس من عالم آخر”، علينا مقاومتهم، وإلّا فلن نبقى ولن يبقى من البشرية أحد.
في المحصّلة، إنّ تحرّر روسيا هو تحرّر العالم بأمانه بعد القضاء على خمسة آلاف عام من سيطرة قوى خفية على العالم، عاثت فيه قتلاً ودماراً في كل مكان لإبقاء سيطرتها. هذه القوى ألمح إليها الرئيس فلاديمير بوتين في عدة محطات، وتحدّث عنها بصراحة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.
وإن كان هذا العالم يريد التحرّر فعلاً والعيش بشيء من السلام والاستقرار، فعلى جميع محبّي السلام في العالم شبك أيديهم بيد روسيا ومن معها، على وجه السرعة، وخصوصاً الحلفاء التاريخيين في منطقة الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. هذه البلدان وهذه الشعوب عانت وما زالت تعاني الويلات من هؤلاء الملاعين، واليوم يبدو أنه حان وقت الحساب، والفرصة قد لا تتكرّر.
في الوقت ذاته، لا بدّ من الانتباه إلى أن هؤلاء المجرمين، الذين يشكّل السلام والاستقرار العالمي أكبر تهديد لهم ولمصالحهم ، ما زالوا يلعبون بالنار، وسيحاولون ما استطاعوا، حتى آخر رمق فيهم، تنفيذ مخططاتهم غير الأخلاقية والمجنونة، ولن يسمحوا باستكمال ما يجري من تغيّر في العالم نحو الأفضل، لأنّ في ذلك فناءهم.
نحن البسطاء بتنا نعي أن الحرب الدائرة هي لإنقاذ البشرية ممّا كان وما زال مرسوماً. يعني هي حرب الجميع. لا نقول إنّهم ليسوا أقوياء وأصبحوا ضعفاء بما يكفي للجمهم، لكن نعلم بأن القدرة على الانتصار عليهم متوافرة حالياً، كما لم يكن من ذي قبل، وعلينا جميعا أن نساعد روسيا في البحث عن مستقبل أفضل لهذا العالم التعيس.
موسكو
كاتب سياسي ،إعلامي مختص بالشؤون الدولية
مدير مركز الموارد والتنمية المستدامة لبلدان الشرق الأوسط لدى المركز الحكومي الدولي للعلوم والمعلومات التقنية “icsti”
2023-11-07