العلاقات الصينية التركية: تداخل المصالح الاقتصادية والمنافسة الجيوسياسية!
هاني المصري
بعد لقاء رجب طيب أردوغان مع وانغ يي، عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، مدير اللجنة المركزية للشؤون الخارجية ووزير الخارجية المعين حديثاً،
أصدرت إدارة الاتصالات التركية إعلانًا عامًا عبّر عن رغبة الرئيس التركي في تسريع الجهود الرامية إلى تنسيق مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI) مع مبادرة الممر الأوسط التركية (MCI)،
وعقد أول لقاء الأول لمجموعة العمل الرفيعة المستوى التي أُنشئت لهذا الغرض. بدا بذلك أن محادثات أردوغان – يي ركزت بالفعل فقط على القضايا الاقتصادية.
لا يخفى أن حجم التجارة الصينية – التركية زاد بأكثر من الثلث بين عام 2015 (27.27 مليار دولار) و2021 (35.9 مليار دولار)،
وفقًا لإحصائيات وزارة الخارجية التركية. تبدو تركيا، التي أرادت يوماً ما أن «تصبح مثل الصين»، أشبه بمصدر شبه متطور للمواد الخام إلى بلد أكثر
تقدماً: فهي تصدر إلى الصين الرخام والحجر الجيري وخامات ومركزات المعادن النفيسة الأخرى،
والرصاص والكروم والنحاس والحديد والزنك وخامات البورات الطبيعية وأكاسيد البورون وأحماض البوريك،
وفي المقابل، تستورد من الصين الهواتف العالية التقنية للشبكات الخلوية / اللاسلكية الأخرى،
وآلات ووحدات معالجة البيانات الأوتوماتيكية، وأدوات لتلقي وترجمة وتصدير الصوت والفيديو وغيرها.
رغم ذلك، فإن التوصيفات التي أعطتها وسائل الإعلام الصينية للاجتماع تشير إلى أن المحادثات سلكت منحى تحول جيوسياسي. وفقاً لما أوردته شبكة تلفزيون الصين الدولية (CGTN)،
أبلغ أردوغان يي أن تركيا لا تدعم حملة الناتو المكثفة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ،
ومستعدة للحفاظ على التواصل والتنسيق مع الصين بشأن القضايا الدولية والإقليمية كالأزمة الأوكرانية.
وفي إشارة إلى التوترات الأخيرة بين الولايات المتحدة والصين، شدد أردوغان على أن تركيا تتمسك بمبدأ صين واحدة،
وتعتقد أن «نمو الصين ليس تهديداً».
الصين وتأمين الحزام والطريق
لذلك، تتزامن مبادرتا الحزام والطريق الصينية والممر الأوسط التركية مع توطيد العلاقات الاقتصادية الصينية – التركية من خلال إعادة ترتيب جيوسياسي أوسع.
يعتقد شاويو سين، المحلل الاستراتيجي المقيم في شنغهاي، أن الصين يجب أن تعتمد على القوى الإقليمية لربط
وتطوير مبادرة الحزام والطريق، والتي لا يمكن أن تؤمنها بكين وحدها.
وقال «ستكون الصين سعيدة طالما أن تركيا تساعد في استقرار هذه المنطقة وتعزيز التواصل وتلعب دورًا مهمًا كقوة إقليمية.
وسيكون الأمر أفضل إذا كان ذلك يحقق توازناً مع الولايات المتحدة في بعض القضايا».
مع ذلك، عندما يتعلق الأمر بآسيا والمحيط الهادئ، فإن مصالح الناتو وتركيا «تفترق». أوميت ألبرين، الأستاذ الزائر في جامعة تشنغتشي الوطنية في تايوان وفي المعهد العالي لدراسات شرق آسيا،
يعتقد بأن مقاربة تركيا تجاه منطقة المحيطين الهندي والهادئ اقتصادية أكثر منها سياسية أو أمنية.
ويؤكد أن التفاعل المتزايد للناتو مع «المجموعة الرباعية» (QUAD) (الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان) و«أوكوس» (AUKUS) (أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة)،
وكذلك اليابان وكوريا الجنوبية في المحيطين الهندي والهادئ لا يخدم «بشكل مباشر» مصالح تركيا.
ويؤكد: «لم يعد سرا أن الهدف الرئيسي للنشاط المتزايد لحلف شمال الأطلسي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ هو الحدّ من نفوذ الصين في المنطقة.
لا تريد تركيا أن تكون جزءًا «مرئيًا» من الناتو الذي يتجاوز مجاله كقوة تضيّق على الصين».
ويضيف أنه في وقت لم تصلح تركيا علاقاتها مع الغرب بعد، من الطبيعي أنها لا تريد أن تواجه مشاكل مع الصين في مناطق ليست في مجال اهتمامها المباشر.
تداخل بين الحزام والممر؟
يصل الممر الأوسط، الذي أقيم بمعظمه على خط سكة حديدية، إلى أوروبا عبر الصين وآسيا الوسطى والقوقاز وتركيا.
تصف وزارة الخارجية التركية الممر الأوسط بأنه «ممر بحر قزوين بين الشرق والغرب والشرق الأوسط والغرب،
يبدأ من تركيا إلى منطقة القوقاز ، ثم عبر بحر قزوين إلى آسيا الوسطى وجمهورية الصين الشعبية بعد تركمانستان وكازاخستان،
ويشكل أحد أهم مكونات مشروع إحياء طريق الحرير التاريخي».
وبالتالي، من ناحية، يبدو أن مبادرتي الممر والحزام والطريق تؤسس كلاً
غير قابل للتجزئة ومن ناحية أخرى، تجعلان الصين وتركيا في مواجهة إزاء التجارة الأوروبية.
وفقاً للبروفيسور ألبرين، «بالنسبة الى السوق الأوروبية، المنتجات الصينية والتركية لا تكمّل بعضها بعضاً، بل هي بدائل لبعضها البعض.
لذلك، كما يدّعي، تؤدي زيادة حصة الصين من السوق في أوروبا إلى انخفاض حصة تركيا،
والأمر نفسه ينطبق على أسواق شمال إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى».
بالنسبة لمبادرة الحزام والطريق، يعد هذا الممر طريقاً تكميلياً. لكنه، بالنسبة لتركيا،
يمثل أيضاً تحقيقًا لحلم التركي القديم: ربط تركيا بآسيا الوسطى عبر القوقاز.
تركيا المستقلة جيدة للصين
من وجهة نظر سين، ليس لدى الناتو في الواقع أي «خطط جادة» في آسيا. الدول في هذه المنطقة ليست غبية حتى تعتقد بأن حلف الأطلسي سينخرط في أي صراع مع الصين في المنطقة «المحاذية للعملاق».
بحسب سين، بعض الأعضاء مندفعون بدافع من «هستيريا مناهضة الصين»، لإيجاد «أمر ما يمكن القيام به بالقرب من الصين». ويضيف: «من الحكمة تمامًا أن تبتعد تركيا عن مثل هذه الهستيريا»،
فيما يلفت ألبرين إلى أن «الصين لا تمثل مشكلة واضحة لأنقرة في القضايا الرئيسية التي تضعها تركيا في صدارة اهتماماتها،
مثل قبرص وبحر إيجه وشرق البحر المتوسط وسوريا».
رغم ذلك، فإن رفض تركيا أن تكون رجل الغرب المطيع أمر ثمين للغاية بالنسبة للصين.
ويضيف سين: «بصفتها قوة إقليمية مستقلة ومؤثرة، ستكون تركيا صديقاً ثميناً للصين. حسنًا ،
هذا جيد بما فيه الكفاية. في النهاية، لا تريد الصين نفسها الإطاحة بالنظام العالمي الحالي أو الصراع مع الولايات المتحدة والغرب».
لكن ألبرين يعتقد أن النفوذ المتزايد للناتو في منطقة آسيا والمحيط الهادئ سيعطي نفوذاً لتركيا في ما يتعلق بالصين، و«سيجعل هذا من تركيا لاعبًا أكثر أهمية».
2023-08-09