السودان ليس آخر أحزان العرب!
نبيه البرجي
حال من أحوال العرب . النار بالنار . أخذاً بعنوان المسلسل الذي يختزل حال جمهوريتنا . جمهورية دراكولا !
كان الانكليز , وقبل أن يجرهم الأميركيون , كما سائر الأوروبيين , وراءهم , يتصورون , أو يصورون لنا , أن الانقلابات العسكرية التي شاعت في العالم العربي , انما هي لمرحلة انتقالية يعقبها ـ جدلياً ـ الدخول في الديموقراطية .
كم كنا نهلل للبلاغ رقم واحد , يعلن لنا , ككائنات تطل على القرن من ثقب الباب , أن زمن الثورة والعدالة بدأ . أحد تلك البلاغات , وبنكهة رومانسية , وعدنا بـ “صناعة الحياة” . صناعة المستقبل مسألة مؤجلة . ولكن كم نحن بحاجة الى صناعة الحياة , وقد احترفنا صناعة الموت !
هوذا السودان . في أكثر من مؤتمر التقيت ساسة , ومفكرين , سودانيين . مثال للدماثة وللثقافة . ولطالما فتنتنا روايات الطيب الصالح (موسم الهجرة الى الشمال) وقصائد محمد الفيتوري الذي قال لجمال عبد الناصر يوم رحيله “أنا محض جوهرة بين يديك” قبل أن يصبح “ديك البلاط” , وبكل تفاهات الأرض , بين يدي معمر القذافي …
السودان بمساحته الهائلة (2.481.229 كيلومتراً مربعاً ) قبل انفصال الجنوب (619.745 كيلومتراً مربعاً ) , ابتلي بذلك النوع من العسكريين , باستثناء عبد الرحمن سوار الذهب , الذين عرضوا ظهورهم للايجار لكل عابر سبيل .
جعفر النميري نصّب نفسه أميراً للمؤمنين , بعد ليل الحشيش , كان يظهر في الصور متعبداً ويقرأ القرآن . عمر حسن البشير بلغت به البشاعة ذروتها . لكي يتخلص من ملاحقة محكمة الجنايات الدولية له , بعصا الماريشال , الأقرب الى عصا رعاة الماعز , وقّع على وثيقة انفصال الجنوب . وكان جاهزاً للتوقيع على انفصال اقليم دارفور لولا الانقلاب الذي وضعه وراء القضبان .
الدبابات التي طالما تلطخت بدماء السودانيين أتت بالثنائي عبد الفتاح برهان , بالخلفية الصوفية , ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) . منذ البداية , بدا واضحاً أن هذا الأخير , بالملامح العصبية , وقد انتقل من ظهر الناقة الى ظهر الدبابة (كان قائداً لقبائل الجنجويد في دارفور) , ينتظر اللحظة الذهبية لازاحة البرهان الذي يفتقد الحد الأدنى من الكاريزماتية , وقد أتي به للالتحاق بقافلة التطبيع مع اسرائيل , وهو الجاهز ليبيع نفسه بالمزاد العلني …
السودان , بثرواته الزراعية , والحيوانية , والمعدنية , الهائلة (قبل انفصال الجنوب , وحيث حقول النفط ومناجم الماس والذهب واليورانيوم والكروم والمانغانيز والحديد) كان يفترض أن يكون الفردوس على ضفاف النيل فاذا به على حافة المجاعة .
الدبابات ضد الدبابات . المشهد تكرر في أكثر من بلد عربي , كما لو أن المفكر المغربي عبد الله العروي الذي بحث في دهاليز السياسة منذ أفلاطون وحتى اليوم , لم يقل أن مهمة الحاكم لا تقتصر على ادارة الدولة . بالدرجة الأولى ادارة الزمن . عندنا ادارة … ما تحت الزمن !
كل الحروب الداخلية أخذت منحى قبلياً , أو طائفياً . دائماً بخلفية مكيافيلية , لتنتهي بحدوث تصدعات بنيوية في التركيبة السوسيولوجية , لا تلبث أن تتحول الى “خلل جيني” قابل للانفجار أمام أي هزة , كما لاحظ عالم الاجتماع الشهير بيار بورديو .
مجتمعات , بالرغم من انغلاقها الديني الذي فرض عليها البقاء على تخوم القرون الوسطى , عارية أمام كل الرياح الخارجية . كل ما يحدث في السودان مبرمج بدقة ولأغراض جيوسياسية , أو جيوستراتيجية . لاحظوا كيف يختلف المحللون السياسيون السودانيون . هل روسيا وراء ما يحدث من أجل اقامة قاعدة على البحر الأحمر أم هي أميركا التي يعنيها كثيراً الموقع الجغرافي للسودان ؟
غرنيكا سودانية , اذا ما تسنى لكم أن تشاهدوا لوحة بابلو بيكاسو الشهيرة . ساسة وجنرالات مبعثرون على رقعة الشطرنج . هاجسهم الشبق الى السلطة , واجترار فوضوي للأزمات . هل هو قدر المجتمعات العربية أن تتعايش مع الأزمات . العروي اياه يسأل ما اذا كان وجودنا نفسه , ككائنات بشرية , أو شبه بشرية , اشكالية فلسفية في السياق التاريخي للعالم ؟
ما يحدث في السودان ليس خاتمة أحزان العرب . أساقفة الغيب قالوا لنا (بلغةالسواطير) اننا خلقنا للأحزان . لن نضحك , ولن نبكي , كما ينبغي سوى في يوم القيامة . شيخ أزهري قال لنا “هناك البكاء العظيم” . يا رجل , من نصّبك ظلاً لله أو ظلاً للشيطان ؟
2023-04-19