تثير اتفاقية بكين تساؤلات حول نوعية ردة الفعل الأميركية عليها، وهذا الأمر لفت نظرنا منذ الإعلان عن التوصل الى اتفاقية بكين. مهما يكن ان ردة الفعل تتطلب امتلاك قدرة على الفعل. أعني قدرة الولايات المتحدة الأميركية على الفعل في الظروف الراهنة، حيث هي غارقة في الحرب على روسيا، ومهددة في الوقت نفسه بأزمة مالية قد يكون مردها إلى زعزعة مكانة الدولار الحصرية على الصعيد العالمي، ولكن هذه مسألة مالية لا نستطيع التعمق في أسرارها.
يستوقفنا في متابعة المقالات والتعليقات في وسائل الإعلام، إغفال الأسباب التي دفعت السعوديين، في أغلب الظن، الى السير في نهج جديد، ودفن سلاح “الهيمنة ـ والولاية ” باسم الإسلام.
ليس مستبعداً في أن يكون فشل الحملات العسكرية، هو من أسباب تغيير النهج نحو الاهتمام بالشؤون الداخلية، ناهيك بالأثمان الباهظة التي دفعت في هذه الحملات. وفي المقابل، يمكننا القول ان مرد النجاحات الإيرانية في مواجهة الاعتداءات التي تعرضت لها منذ سنة 1979، وانتصار الثورة، إلى السياسة المزدوجة التي مارستها، حيث اتسمت بالرجعية الدينية والثورة العلمية على الصعيد الداخلي من جهة، وبالتقدمية ودعم الشعوب في نضالها ضد الاستعمار والاحتلال من جهة ثانية. بكلام آخر، اتسمت هذه الثورة بالعقلانية، على عكس السلطات الانقلابية العسكرية خاصة في الأقطار العربية.
أما عن السلطات السعودية، فكما أشرنا، ان فشل الحملات العسكرية كان في الأغلب عاملاً رئيساً، يضاف إليه في تقديري، الاتعاظ بالمواقف التي سار عليها نظام الحكم التركي، والتي تجسدت إلى درجة ما، في الحذر من الاندفاع وراء الراعي الأميركي في سوريا وفي أوكرانيا، ما جعل السعوديين يميلون إلى تقليده، والاصغاء لنصائح الصينيين.
مهما يكن، فإن انتصار الثورة الإيرانية في سنة 1979، كان دليلاً على أنه بالإمكان الإفلات من القبضة الأميركية، شرط امتلاك العقل والحنكة، وهما شرطان لم يتوافرا لدى السلطة في الأقطار العربية دون استثناء، ولعل إنتاج سلطة أمراء الحرب في لبنان، خير دليل على الانحلال السياسي الوطني والأخلاقي في الأقطار العربية عامة. هذا من ناحية، اما من ناحية ثانية، فإن إيران لن تمارس من وجهة نظري ضغوطاً على حلفائها في الأقطار العربية، ولكنها قد تكون مضطرة الى تخفيض مستوى دعمها في إطار تسوية على شاكلة “اتفاقية بكين” التي ليست في جوهرها انتصاراً لها، وانما هي حدٌ للإزعاج والإقلاق، لكي تتفرغ للمشاركة في عالم متعدد الأقطاب إقليمياً ودولياً.
يبقى أن نقول في الختام، ان الدول الخليجية هي دول مرتهنة للولايات المتحدة الأميركية، فلقد ظهر ذلك بوضوح في عهد الرئيس الأميركي السابق من خلال الضغوط السياسية التي مورست عليها في مجال العلاقات والتعاون مع الدولة الصهيونية من جهة، ومن خلال الابتزاز المالي من جهة ثانية.
ينبني عليه، أن الكلام عن قدرة هذه الدول في الدفاع عن النفس وصيانة كينونتها، ما يزال غير واقعي. فلا ننسى في هذا السياق، أن الإيرانيين يحققون أيضاً كما يبدو ثورة علمية وتكنولوجية تؤرق أعداءهم كما هو معلوم.