القمة الصينية – السعودية مناكفات سياسية أم توجه جدي نحو الشرق.. أمريكا قد تنتقم.. والغرب يشعر بالتهميش!
د. ايمان شويخ
حدثٌ تاريخي شهدته المنطقة هذا الأسبوع، وهو القمة الصينية-السعودية التي مهما كثرت التحليلات التي تضعها في إطار المصالح المشتركة، إلا أن التوصيف الحقيقي للزيارة هو المناكفات السياسية، والانتقام من الولايات المتحدة التي بدأت الدول تخرج من عباءتها أولاً ومن عباءة الغرب ثانياً وتتجه نحو الشرق ثالثًا وقد يكون أخيراً.
إلا أن الحدث هو ليس القمم الثلاث التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض وسرقت أنظار العالم حيث حل الرئيس الصيني شي جينبينغ ضيفاً لطيفاً محببًا ومرغوبًا جداً من قبل السعوديين، في زيارة رسمية تستمر 3 أيام يعقد خلالها 3 قمم، بمشاركة 30 رئيس دولة ومنظمة، بل الحدث هو سبب كل هذه الحفاوة التي حظي بها الرئيس الصيني على عكس نظيره الأمريكي جو بايدن الذي حل ضيفًا ثقيلاً على الرياض في زيارته الشرق أوسطية التي قام بها منتصف حزيران الماضي وعاد خائبًا وكأن السعودية صارت غريبة، وكأن علاقات أكثر من ثمانية عقود بدأت تتحول إلى فتور سياسي واستراتيجي واقتصادي، بالرغم من كل التبريرات التي قدمها الجانبان السعودي والأمريكي لكن أوبك بلس فضحت النوايا وكشفت أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لم يعد يدلل أميركا كما في السابق.
غير أن هذه الزيارة سبقها عدة زيارات ولقاءات صينية-سعودية على مدى التاريخ، فقد عُقد أول لقاء رسمي في عام 1955، وجمع ولي العهد السعودي آنذاك – الملك لاحقاً – الأمير فيصل بن عبد العزيز، ورئيس مجلس الدولة الصيني شو إين لاي.
وفي عام 1988 قام الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز بزيارةٍ إلى الصين، حين كان ولياً للعهد، وفي عام 1999 قام الرئيس الصيني بزيارة رسمية إلى السعودية التقى خلالها ولي العهد – الملك لاحقاً – الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ونوّه بكون السعودية أكبر شريك تجاري للصين في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا.
وكرّر الملك عبد الله بن عبد العزيز زيارته إلى الصين، عندما اختار العاصمة بكّين لافتتاح جولاته الخارجية بصفته ملكاً على البلاد عام 2006
لكن هذه القمة تأتي في وقت يشهد فيه العالم تغيرات قد تمهد لولادة نظام عالمي جديد، وقد يكون عالم جديد يقوم على الأقوى اقتصادياً، ويبدو أن هذه المواصفات تنطبق على الصين المنشغلة اقتصاديًا والتي لم تنخرط بحروب وجبهات كما فعلت وتفعل أمريكا اليوم، فالأخيرة تترك شعبها في أزمات مالية كالتضخم والبطالة لتنفق على الميزانيات العسكرية بمليارات الدولارات كما تفعل في دعم أوكرانيا، بينما الصين تنشغل في كل مايعزز اقتصادها مع بقائها على أهبة الاستعداد دفاعياً في حال تعرضت لهجوم ما، وخاصة من قبل الجارة تايوان التي جربت أمريكا تحريضها على الصين.
ولكن لماذا اختارت الصين السعودية لتعزز اقتصادها ؟
تعد الصين إحدى أكبر الدول الصناعية المصدِّرة للسلع الاستهلاكية، والسعودية مستورد مهم لمثل هذه السلع، كما أن الصين تحتاج إلى كميات استثنائية من النفط الخام، والسعودية تلبّي جزءاً كبيراً من هذه الاحتياجات المتنامية، وهذه المعادلة لطالما لعبت دوراً في جعل العلاقات التجارية بين البلدين منطلقاً أساسياً لما بعدها.
هذا على الصعيد الاقتصادي، أما سياسياً فقد بدأت تتوطد العلاقات السياسية عام 2004، حين زار وزير الخارجية الصيني لى زاو زنج السعودية، واتفق الجانبان على بدء حوار سياسي منتظم، وتشكيل لجنة سعودية صينية مشتركة برئاسة وزيري الخارجية في البلدين.
ويبدو بعد هذا العرض أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تدفع ضريبة ماتقوم به خاصة في عهد إدارة بايدن حيث أشاحت بوجهها عن المنطقة، وتراجع الاهتمام بها بدرجات متفاوتة، وكأنها تركت فراغاً بدأ يملأه الآخرون ومنهم الصين.
وربما على أمريكا اليوم أن تتنبه لحقيقة تقول أن العلاقة السعودية الصينية تشهد تطوراً كبيراً خاصة أن البلدان عضوان فاعلان في إطار مجموعة العشرين التي تضم أقوى وأضخم اقتصادات العالم، وبكين تعتبر أكبر عميل للنفط السعودي حيث تستورد ربع الصادرات النفطية السعودية.
لكن ماذا عن روسيا ودول الغرب حيث الأولى استفادت من سيف العقوبات عليها والثانية وقعت ضحية رغبات الولايات المتحدة ببيع نفطها بأربعة أضعاف سعره، فما كان من دول أوروبا إلا تحديد سقف لسعر النفط ما أثار غضب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وزاد في صرامته بما يتعلق بالغاز الروسي، فهل سيشعر الغرب بالتهميش بعد القمة الصينية- السعودية هذه وبالتالي يعيد النظر والتموضع وربما الاتجاه شرقًا أيضًا بعدما تخلت عنه الولايات المتحدة؟
لا شيء واضحا حتى الآن، لكن الواضح ولا نبالغ إذا قلنا شبه المؤكد أن السعودية تحرّرت من أمريكا، و بدأت تعرف قيمة نفسها ومكانتها الاستراتيجية في العالمين العربي والإسلامي والثقل الاقتصادي في المنطقة والعالم ما يمنحها فرصة أن تكون البوابة الرئيسية لمد جسور التعاون مع الشرق كما الغرب، لكن ذلك قد يزعج الولايات المتحدة كثيرًا وقد تتخذ إجراءات غير مباشرة للنيل من السعودية، لكن ذلك رهن الأقطاب الجديدة التي بدأت تلغي الهيمنة ولو بالحد الاقتصادي وهو كفيل بإنهاء الهيمنة السياسية والعسكرية، بانتظار أن تضع الحرب أوزارها ل “يذوب الثلج الأمريكي، ويتبين المرج الجديد.
2022-12-10