اسأل جدك الثالث!

محمد الوزيري

عاش عباس محمود العقاد أربعة و سبعين سنة، قرأ خلالها سبعين ألف كتاب إلا قليلا أو زد عليها. إذ منذ نُقشت الأبجدية في ذهنه، و طبعت الضاد في وجدانه بدأ يقرأ من ثلاثة إلى خمسة كتب في اليوم دون أن يلتفت إلى غيرها..

كان كلما زاد علمه ضاق بيته، لأنه تحول إلى معلمة تاريخية تكاد تجمع علم الجن و الإنس. فما من موضع في بيت العقاد إلا و فيه كتاب، حتى إنه لم يتبق له مكان فارغ إلا الذي ينام فيه..

قرأ العقاد أكثر مما يستطيع أن يتذكر، و ألف أكثر مما نستطيع أن نقرأ. و دافع بقلمه عن الأمة و مصيرها أكثر مما دافعت خمسة جيوش عربية مجتمعة ببنادقها. و ما دخل مناظرة قط إلا و سحق خصمه.. في الشعر، السياسة، التاريخ، الدين، اللغة، الأيديولوجيا…

لم يكن له وارث ، لأنه لم يتزوج قط. فكان وارثه الأمة، و إرثه الكتاب، فخلا مضجعه من النساء، و لكن ضج بالأفكار العويصة التي تستنفذ الليالي الطوال لحلها.

على ضوء الشموع المحترقة في الظلام الحالك  بزغ فجر الرسالة التي ما انفكت تحوم كلها حول الهوية و المصير، و الكينونة و الضمير العربي و الإسلامي، المخطوطة بأنامل العقاد و المبثوثة في روحه.

لقد مات العقاد و ظلت ملايين الأفكار و المشاريع التي ما فتئ يهرول و يسابق الزمن لبثها في روح الأمة و يدافع عنها. و كأن ترحيل القدر له أراد أن يقول لنا بأن الطريق الأمثل لنهضة الأمة و الموازي لقوة العسكر و الاقتصاد هو تمام طريق العقاد إلى النهاية.

فإذا كان نتاج العقاد و الحال هكذا، فلم لا يخجل المتنطعون و الطفيليون الذين يخوضون في ما لا يفقهون، و يجدفون على ما لم يحيطوا به علما، طلبا للشهرة الزائفة و تحقيقا للعمالة و الخسة و السفه.؟! .

كيف يجدف على العلوم من لم يزد رأس ماله الفكري عن بضعة قصص لجحا و ابن الجوزي و نكت الظرفاء؟!! . و لماذا يتاح للغوغاء و الرويبضة ما لا يتاح لمن شق الفكر رأسه و القلم ورقه ليوقد نور اليقظة في نفوس الجمهور ؟!!!.

__________

22-7-2022