هل يتفكك حلف الناتو؟
مصطفى السعيد
تعصف الخلافات بحلف الناتو. إدارة الرئيس الأمريكي تنتقد حلفاءها الأوروبيين، بل تصفهم بالضعف، وتؤكد أنهم سيتلقون الهزيمة برفضهم مبادرة السلام الأمريكية، وتقديم بديل لها، لم تكن مجرد تعديلات محدودة على مبادرة ترامب، بل جاءت لتنسف كل خطوطها الرئيسية، ولم تتوقف الدول الأوروبية الرئيسية عند معارضة خطة ترامب، بل دفعت الرئيس الأوكراني زلينيسكي إلى التمسك بشروط لا يمكن أن تقبلها روسيا، ومنها إصراره على إنسحاب روسيا من المقاطعات الأربع، بالتزامن مع ارتفاع وتيرة الإعداد لخوض حرب ضد روسيا، والترويج بأن روسيا تنوي غزو أوروبا بأكملها، وأن الحرب الأوكرانية ليست سوى المحطة الأولى. موقف إدارة ترامب مخالف تماما للتحركات الأوروبية، ويرفض الإستمرار في دعم الحرب الأوكرانية، ولديه أكثر من سبب، في مقدمتها أنه لا يريد تحمل نفقات الحرب الطويلة والباهظة، ولا تحمل الهزيمة المرجحة أمام روسيا، والتي ستنال من سمعة وهيبة الولايات المتحدة، وتستنزف قدراتها بما يعجل تراجعها الإقتصادي والعسكري. أما الأهم فلأنه يرى أن الحرب الأوكرانية كانت جزءا من إستراتيجية إدارة الرئيس السابق بايدن “سلفه اللدود”، الذي يتبنى العولمة الرأسمالية، ومصالح الشركات العابرة للقومية، والتي يراها ترامب وبالا على الإقتصاد الأمريكي، وسببا رئيسيا في تراجعها، ويتبنى ترامب سياسة قومية، ترفع شعار “أمريكا أولا”، ودعم الإنتاج الوطني، وعدم تبديد الموارد من أجل دول أخرى، بل يضغط ترامب على أوروبا وباقي حلفاء الولايات المتحدة لتبني سياسات تحقق المصالح الأمريكية، حتى لو كانت متعارضة مع مصالح بلدانهم، وبلغ الأمر أن دعت الإدارة الأمريكية إلى إستبدال الحكومات الأوروبية التي تمثل اليمين الليبرالي بحكومات من اليمين القومي، ودعم أحزاب البديل في ألمانيا، والتجمع الوطني في فرنسا، والإصلاح في بريطانيا، والأخوة في إيطاليا، والحرية في النمسا. وكأن الرئيس ترامب لا يريد تغيير وجه أمريكا فقط، بل أوروبا أيضا، ويرى أن الأحزاب التقليدية الحاكمة تفرط في إرث أوروبا وقيمها ومواطنيها الأصليين لصالح المهاجرين. الفجوة تتسع بين أمريكا وأوروبا، وإدارة ترامب تنفض يديها من الحرب الأوكرانية، وبدأت بطلب ثمن ما تقدمه من أسلحة، وانتقلت إلى التهديد بوقف تصدير أسلحتها ودعمها اللوجيستي بالمعلومات وصور الأقمار الصناعية، فهل يمكن لأوروبا المضي في الحرب الأوكرانية بدون أمريكا؟ يقول بعض قادة أوروبا أن بإمكانهم تشكيل قوة خاصة، والإستعداد لمحاربة روسيا، لكن ينقصهم المال والعدد، وكذلك ليس لديهم مجمع صناعي عسكري قادر على منافسة إنتاج السلاح في روسيا، وتحتاج أوروبا سنوات وتمويل ضخم لتكون قادرة على مواجهة روسيا بدون أمريكا، في وقت تعاني فيه من أشد الأزمات الإقتصادية، بما فيها ألمانيا، أكبر قوة إقتصادية في أوروبا، لكنها الآن في وضع يزداد سوءا، وتفلس شركاتها بواقع شركة كل 22 دقيقة، وتنتقل شركات أخرى إلى حيث الطاقة الأرخص والضرائب الأقل والأسواق الأوسع. وأخطر ما تواجهه أوروبا أنها مفككة من الداخل، فألمانيا المؤهلة للقيادة بحكم قوتها الإقتصادية ليست لديها أسلحة نووية، ولا حق الفيتو في مجلس الأمن، ولهذا ترى فرنسا أنها الأجدر بالقيادة، وتنافسها بريطانيا التي خرجت من الإتحاد الأوروبي، بينما تعارض دول أخرى دعم الحرب أو استمرارها. ويزداد الأمر سوءا داخل أوروبا مع الرفض الشعبي الآخذ في الإتساع لخوض حرب من أجل أوكرانيا، وفتور الحماس في دعمها تحت وطأة الأزمات الإقتصادية، وتفجرت مظاهرات في مدن ألمانيا رفضا للتجنيد الإجباري وزيادة الإنفاق العسكري، بل أظهر استطلاع للرأي أن 16% فقط من شباب ألمانيا يقبلون التضحية بحياتهم حتى في حالة تعرض ألمانيا للغزو. لهذا تشهد أوروبا حملات دعائية مكثفة عن غزو محتمل، وضرورة الإستعداد للحرب، وتقبل الخسائر، بدءا من تحمل التراجع في مستوى المعيشة، وحتى فقدان أرواح الأبناء، وهو ما يثير الشكوك بأن الحكومات الغربية تريد تعليق الفشل الإقتصادي على شماعة الحرب الوشيكة. وأحد تبعات اتساع الفجوة بين توجهات الإدارة الأمريكية وأوروبا أن كلا من الطرفين يسعيان إلى إعادة تشكيل التحالفات، زار الرئيس الفرنسي ماكرون الصين، وكذلك سعت ألمانيا إلى عقد إتفاقيات إقتصادية مع الصين، لكن لا يبدو أن محاولات إبعاد الصين عن روسيا قد حققت أي نجاح. لم تصمت إدارة ترامب على سعي أوروبا لاستمالة الصين، وخرجت تسريبات إعلامية حول رغبة الإدارة الأمريكية في إعادة تشكيل تجمع الدول الكبرى، وبفرض أن تلك التسريبات مجرد تلويح لا أكثر، فإنها تزيد من اتساع الفجوة وفقدان الثقة بين الولايات المتحدة وأوروبا. وهكذا يتضح أن الحرب الأوكرانية قد كشفت عن هشاشة حلف الناتو، وأن روسيا بمفردها تمكنت من إلحاق هزيمة استراتيجية بحلف تمتع بالهيبة طويلا، لكنه بدأ يتهاوى، ليتأكد أننا دخلنا مرحلة إعادة تشكيل عالم جديد.
مقالي في الأهرام
2025-12-15