موقف ماركس من الدين ” القسم الثاني ”
علي رهيف الربيعي
وسوف أحاول في هذا المقال أن القي الضوء على هذه العبارة المشهورة ، دون أية محاولة للدفاع أو الهجوم . فمن المفيد ، في رأيي ، أن يعرف القارئ في بلادنا بوجه خاص المعنى الذي استخدم به ماركس هذه العبارة .
والظروف التي قيلت فيها . وأن يتضح له الخلفية التي حددت موقف ماركس من الدين ، حتى يتسنى لهذا القارئ أن يحدد لنفسه موقفا مبنيا على علم ومعرفة ، تجاه أولئك الذين لا يقدمون إليه ماركس إلا من خلال جملته المشهورة عن الدين.
ولأبدأ أولا بالسياق الذي وردت فيه هذه العبارة : ففي كتاب ” مقدمة لنقد فلسفة الحق أو القانون عند هيجل ” ( وهي من كتابات ماركس المبكرة ) يقول :
” ان العذاب الديني تعبير عن العذاب الفعلي وهو في الوقت ذاته احتجاج على هذا العذاب الفعلي ، فالدين هو زفرة المخلوق المضطهد ، وهو بمثابة القلب في عالم بلا قلب ، والروح في أوضاع خلت من الروح . انه أفيون الشعب ” ( لاحظ أنه استخدم كلمة ” الشعب ” بصيغة المفرد لا الجمع كما هو شائع ) .
هذه الفقرة هي أطول الفقرات التي تحدث فيها ماركس عن الدين . وهي تكشف بوضوح عن السياق الذي قيلت فيه عبارته الشهيرة . فلم يقل ماركس هذه العبارة على سبيل النقد أو التحامل أو التشنيع ، بل انه ، بعكس ذلك ، قالها في سياق يعد فيه الدين تعويضا للانسان عما فقده في العالم الفعلي المحيط به . وتخفيفا لما يعانيه من بؤس . إن الدين في هذا النص عزاء لانسان مطحون ، وهو يظل ضروريا مادامت الاوضاع التعسة التي يحياها الانسان قائمة : إذ أن من القسوة المفرطة أن تحرم المظلوم المضطهد حتى من الأمل في حياة أخرى أفضل من حياته التعسة ، أو أن تسلبه الايمان الراسخ بأن في الكون نظاما عادلا ، وبأن هذه العدالة إذا تمهلت أو تأخرت قليلا ، فانها لا تهمل .
لأن السياق بأكمله يتحدث عن الاضطهاد والظلم الذي يقع على الناس ويجعل الدين عزاء ضروريا لهم في عالم لا يرحم .
فهناك اذن مغالطة واسعة الانتشار في الطريقة التي تقدم إلى الناس بها عبارة ماركس المشهورة عن الدين . وعلى حين أن من الشائع تفسير هذه العبارة بأن ماركس قصد بها ابعاد الناس عن الدين مثلما يبتعدون عن مخدر ضار كالافيون ، فان المعنى الحقيقي الذي استخدمها به هو أن الناس لن يجدوا مفرا من الالتجاء إلى الدين للاحتماء به من الظلم الاجتماعي المحيط بهم ، والذي يعجزون عن أن يفعلوا ازاءه أي شيئ . فعبارة ماركس تنطوي ضمنا على المعنى القائل أن الدين عزاء لا بد منه ما دامت المظالم الاجتماعية قائمة ، وسيظل ضروريا إلى أن يصبح المجتمع البشري منظما على نحو تسوده العدالة ويختفي فيه ظلم الانسان للانسان . ولما كان التنظيم الاجتماعي العادل ما زال بعيدا عن التحقق في مجتمعات كثيرة ، فان ماركس لا يستطيع أن يدعو شعوب هذه المجتمعات إلى التخلي عن أدينها .
يتبع
2019/01/20