موقف ماركس من الدين .( القسم الأول )
علي رهيف الربيعي
ان فكر ماركس ، الذي حطم الحاجز القديم بين الميدان النظري والميدان العملي ، وأزال كل الفواصل بين التأمل والممارسة ، لابد أن يثير في نفس من يريد أن يحكم عليه ، اتجاها إلى الرفض العنيف أو القبول المتحمس . لا ترجع أسبابه إلى قيمة هذا الفكر بالمقاييس العقلية وحدها . فأنت قد تقبل فكر افلاطون أو ديكارت أو حتى سارتر أو ترفضهم بعقلك ولا تشعر بأن قبولهم أو رفضهم يؤثر عليك عمليا في شيئ . أما ماركس فينفرد بأنه يرغمك ، سواء كنت معه أم عليه ، على التخلي عن موقف الحياد العقلي .
ذلك لأن فكر ماركس ، الذي تجسد في القرن العشرين على شكل ثورة اجتماعية شاملة ، احرزت نجاحا في جزء غير قليل من العالم ، وما زالت تشق طريقها بنشاط في أجزاء كثيرة أخرى ، قد اصبح يهدد مصالح قوية يخشى عليها الكثيرون ، ويسعى غيرهم إلى الانقضاض عليها . وفي وضع كهذا لا يستطيع كل من الفريقين أن يفكر بطريقة محايدة : إذ أن الفريق الذي يشعر بأن ماركس يهدد مصالحه يستخدم كل الاساليب من أجل تشويه فكره وعرضه بطريقة ممسوخه ، ويسئ فهمه عمدا ، على حين أن الفريق الذي يتخذ من فكر ماركس أداة للثورة يتحمس له تحمسا مفرطا ، ويتخذ منه موقفا تبريريا ، لأنه يعمل حسابا لتطبيقاته العملية قبل كل شيئ ، وهكذا يعجز كل فريق عن أن يزنه بميزان النقد المحايد ، أو أن ينظر اليه بطريقة موضوعية خالصة .
وأنا اعترف بأن الحياد التام والموضوعية المطلقة ، ازاء أي مذهب فكري ، مستحيلان عمليا ، ولكن العوامل التي تخرجنا عن حيادنا ، تعمل في حالة المذاهب الأخرى بطريقة خفية مستترة ، أما في حالة ماركس فهي صريحة واعية ، لا يحاول أحد اخفاها ، وحتى لو حاول فلن يستطيع .
ولقد كانت نتيجة هذا الوضع ، الذي ينفرد به ماركس عن سائر المفكرين ، هي ضرب نطاق من التحريم على فكره ، بحيث ابتعد الكثيرون عن محاولة فهمه ، حتى أولئك الذين تسمح لهم امكانياتهم الثقافية بأن يفهموه .
وهكذا اقتصرت معارف الغالبية العظمى من قراء الكتب غير المتخصصة ، فيما يتعلق بماركس ، على مجموعة صغيرة من التعبيرات المحفوظة المتكررة ، وحتى هذه التعبيرات تعرض في جميع الاحيان بطريقة مشوهة أو محرفة أو مقطوعة من سياق أوسع ، له معنى مخالف .
ومن بين هذه التعبيرات جملة ربما كانت تشكل الحصيلة الوحيدة المعروفة عن ماركس في عقول عدد غير قليل من الناس ، فضلا عن انها هي السلاح الاقوى ، وربما الوحيد الذي يستخدم في محاربة ماركس في البلاد النامية التي يغلب عليها طابع التدين .
ومنها بلادنا العربية ، تلك هي الجملة المشهورة : ” الدين أفيون الشعوب ” .
يتبع
2019/01/19