من إدِّعاء حماية الثوابت الوطنية إلى تنعيج المقاتل والسياسي الفلسطينيين!
د. عادل سماره
تطرّّق كثيرون لما قاله عضو الكنيست الإسرائيلي عزمي بشاره في مؤتمره في الدوحة مؤخراً عن فلسطين ً، حيث تمكن من أخذ من أحضرهم/ن وكثيرين من الوطن العربي بما قال بل وأبعدهم عن أمرين أساسيين بل مؤسِّسَيْن لفهم شخصه وما يكمن خلف ما قال:
في أي مناخ نبت وتربى
وفي أي مناخ هو بعد إعارته من الكيان لكيان قطر.
وعليه، فإن تناول دوره وما يفعله بمعزل عن هذين الأمرين هو خداع وإغواء الكثيرين لقراءة الجدار دون معرفة معمارية الأساس.
المرحلة الأولى التربية والتأهيل:
تربى بشاره في ثقافة الحزب الشيوعي الإسرائيلي كحزب صهيوني أُقيم بالتعاقد بين قيادته وخاصة جناحه الفلسطيني مع السلطة الصهيونية وهي التربية التي بقي على وفاء لها سواء في فترة بقائه في الأرض المحتلة أو خارجها حتى اليوم، والتعاقد هو إستنتاج الرفيق الراحل أحمد حسين. وجوهر هذه التربية هو الإقرار حد اليقين بأن:الكيان وجود موضوعي على أرض “إسرائيلية” وبأن لا جدال في هذا ومن يود العمل السياسي أو الثقافي مع الحزب الشيوعي هذا وضمنه بشاره سواء بقي فيه أو غادره فعليه أن يشترط على مجادله القبول بألاعتراف الصريح بالكيان ومن ثم يغدو النقاش فقط في ما بعد هذا الإعتراف.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن معظم الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي تعاملت بهذا المضمون مع الكيان ومن ثم هكذا في علاقتها بالحزب الشيوعي “الإسرائيلي”. وهذا يعني في ما يعنيه أن الحزبية الشيوعية سبقت البرجوازية العربية في التطبيع المعلن مع الكيان.
أما الطور الثاني في حياة بشاره بعد تأهيله فهو إنتقاله إلى مجال أرحب وهو الوطن العربي كي يلعب دورا في تطبيع الثقافة وحتى السياسة العربية، ولذا، صار لا بد أن يطرح نفسه كقومي عربي وناصري ولكن دون أن يخفي إعترافه الصريح بالكيان أي حتمية الجمع بين نقيضين. وهذا يُسجل له بمعنى قدرته على تمرير موقفه الخطير، أو أن المشكلة في هشاشة موقف وقناعة والتزام من يقبل به كما هو.
لذلك عبر بشارة جغرافياً مرحلة إنتقالية في الفترة التي زعم انه قومي عربي وناصري وذلك في مستويين:
الأول: داخل المحتل 1948 و 1967 حيث تمكن من خداع حركة أبناء البلد فاتخذت قرار التصويت للمرة الأولى والأخيرة في انتخابات الكنيست مما مكَّنه من الحصول على عضوية الكنيست.
والثاني: تنقله من الأرض المحتلة إلى عمان والشام وبيروت والقاهرة خلال عضويته في الكنيست حيث تم استقباله ووصفه ب “المفكر العربي”. وخلال تلك التنقلات لم تتورع لا دمشق ولا الضاحية الجنوبية عن إستقباله ناهيك عن محمد حسنين هيكل وأمثاله الأمر الذي مرَّر موقفه التطبيعي على كثير من الحركة الثقافية العربية.
وخلال زيارات لهذه العواصم وتلك اللقاءات كانت لعبة الكيان الزعم بملاحقة ومحاكمة عزمي بشاره لتشجيع العرب على الاهتمام به مما أبرزه كما لو كان مناضلا لا يخشى الاحتلال.
على هذه الأرضية تأهَّل الرجل للإنتقال إلى قطر.
والمرحلة الثانية المرحلة القطرية:
قلة من المثقفين والمناضلين الذين تساءلوا قبل خروج بشاره من الكيان وعدم رجوعه في الترويج أنه منفي، مع أنه إضطر للقول أنه لم يُنفى وهذا يطرح السؤال :لماذا خرج إذن لا سيما وأن الاحتلال لم يحاكمه رغم توجيه تهمٍ له بزياراته لسوريا ولبنان والمشاركة في جنازة حافظ الأسد وحماسته للنظام السوري وتلقي فلوساً من حزب ذي العمامةالسوداء وإرسال رسائل أمنية لهذا الحزب وزياراته لبنان والحزب نفسه وعلى مدار سنوات! فهل كان يخشى الاحتلال التعرض له! أم أن ضخ هذه التهم ليُبرزه! وإن كان ذلك كذلك، فهل راهن الاحتلال بأن الرصيد الذي وُضع له قد غطاه بغمامة دخانية حالت دون الشك فيه وبأن أطراف المحور مأخوذة به رافعة إياه ما فوق الشك!
في دفاع أحدهم عن إستقبال سوريا حافظ الأسد لبشاره بأن بشاره شرح للأسد ما هي “إسرائيل”! طبعاً هذا تبرير سطحي. فهل يُعقل أن نظام عربي بأكمله لا يعرف “إسرائيل” حتى يشرح له شخص ذلك؟ وتبرير آخر أن محمد حسنين هيكل هو الذي قدمه للأسد الأب…الخ.
بل إن السؤال أو الأسئلة كان يجب ان توجه للذين كانوا يستقبلون عزمي بشاره وخاصة في الشام وبيروت:
· كيف يمكن لفلسطيني أن يترشح كعضو كنيست ويبقى وطنياً وعروبياً
· كيف يمكن لناصري وعروبي ان يترشح للكنيست
· كيف يمكن لعربي هدفه تحرير فلسطين استقبال عضو كنيست أقسم يمين الولاء للكيان.
ماذا وراء كل هذا غير وجود قناعة تطبيعية غير معلنة سواء خجلا أو خبثا أو إستسلاما.
غادر بشاره فلسطين المحتلة إلى القاهرة وهناك سلَّم جنسيته الإسرائيلية للسفارة الإسرائيلية وبعدها عاد ليتجول بين دمشق وعمان وبيروت…الخ.
أما كيف إنتهى في قطر فأمر مضحك، أي حدث كما روى هو نفسه أنه إلتقى حمد حاكم قطر بالصدفة واقتنع بالإستقرار في قطر! قول يراهن على غباء الاخرين، وذلك تماما كإجابته على سؤال: لماذا لا توجد ديمقراطية في قطر ؟ كان جوابه: “لأن الناس لم يطلبوا ذلك”! ولو كان صاحب السؤال على درجة من الوعي أو الصلابة العروبية لقال له: وهل إفتتحت لهم صفوفا لتعليم الديمقراطية!
إنما، هل تعرُّفه وقرار ذهابه إلى قطر مجرد صدفة؟ أم ترتيب من الأعلى؟ وعلى فرض أنه بريئ وليس عليه أعلى، فهل يقبل قومي عربي ناصري الاستقرار في كيان:
· قاعدة أمريكية ضد الأمة العربية
· قاعدة قوى الدينسياسي المعادية للعروبة
· كيان تحكمه عشيرة بدوية التفكير والثقافة
· كيان بلا برلمان ولا أحزاب ولا حرية صحافة بينما بشاره أكثر من يلهج بالديمقراطية والحريات،
· كيان به مكتب إرتباط مع “إسرائيل” منذ 1991، أي اسبق في التطبيع من الإمارات وغيرها.
وطبقاً لأطروحاته ومدحه للنظام السوري كان بوسعه الإستقرار في سوريا او لبنان أو الأردن أو حتى ألمانيا التي تخرج منها…الخ.هذه الأمور تؤكد مشروعية نظرية المؤامرة بمعنى أن خروجه كان محسوماً إلى هناك بلا مواربة.
بوسعي القول تمت إعارته إلى قطر ضمن مخطط تطبيعي، ولذا كان ولا يزال الكثير من عمله ضد م.ت.ف ، مستغلا الكوارث التي ألحقتها بنفسها وبالقضية ولكن مدخله، بل هدفه المغطى بأُكذوبة “الهيئة الوطنية لحماية الثوابت” كان تقويض المنظمة لإحلال بديل محلها وُلد تطبيعيا وليس من رحم نضالي.
وفي هذا المجال يُشهد له، أو لمن يخططون له أنه تمكن في “مبادرات” عدة من حشد كثير ممن لهم دور سياسي ونضالي وناقدين للمنظمة في أكثر من تشكيله بديلة رغم أنه كان يتعامل معهم من فوق وخاصة عدم إخفاء موقفه المعترِف بالكيان علانية وبإصرار. بل تمكن عام 2010 من الحصول من ليبيا القذافي على 400 الف دولار من أجل هيئة حماية الثوابت تحت تبرير تصحيح المنظمة، واختلف معه البعض على الإعتراف ب “إسرائيل” واعتكف ثم عادوا ودعوه لترؤس التجمع. وبالطبع فشلت المحاولة ولم يتراجع عن الإعتراف. وربما يسمح الشرفاء منهم لنا بالسؤال:هل إعتذر اياً منكم عن تلك الخطيئة؟ أليس عدم الإعتذار مثابة مواصلة تغطية دور هذا الرجل؟
ولكن كان لا بد من كشف الغطاء مع بداية العدوان الدينسياسي الإرهابي ضد سوريا، حيث صار عليه إظهار حقيقة دوره وإرساله إلى قطر، فكان مثابة خاروف العيد، لكنه خاروف محمي بعديد الكلاب و/أو محمي لأن المحور من السذاجة بحيث لم يشك في هذه الشخصية المصنوعة أو لأن في عقل المحور خانة تؤمن بالتطبيع!
بعد التوضيح المقتضب
كان لا بد من هذا التوضيح لفهم ماذا وراء عزمي بشاره، بل بدون هذا لا يمكن فهم لماذا تجرَّأ على الإفتخار بالهزيمة والتأستذ بترويجها والإفتآت على تضحيات الشعب والوعظ بخيانة دم الشهداء وتبخيس معاناة الشعب بأسره والوعظ بالتنازل عن الوطن! فهذه هي الكبائر، ولذا كيف يكون لشخص إعلان تحطيمها وخرقها علانية وبافتخار وأستذة؟
صحيح ان الرجل في داخله هش ومضطرب ولكنه تدرّب ، كما يبدو، جيدا، على تمثيل شخصية المتماسك والمفكر والواعظ ايضاً.
نعود لما قاله في منبره الجديد وليس الإخير لوراثة النضال والدم الفلسطيني والعربي، وإلى من لا يعرفه، فمن يعرف خلفيته وتاريخه لن يُفاجىء قط.
صحيح أنه أطلق هذه القنبلة على تراث الشعب الفلسطيني، ولكن هذا لم يحصل أيضا بلا مقدمات، فكما اشرنا إمتطى كثيرين كانوا ضمن العمل الوطني ودجنهم لصالحه، كما اخترق المحور وتم استقباله بحفاوة، وحتى تجاه طوفان الأقصى لم يهاجم الحدث في البداية بل أبدى إعجاباً به ثم أخذ يدس بعض الجمل بمحتوى القلق والتشكيك إلى أن ألقى ما في جعبته أو ما شُحن به.
يقوم خطاب العرش النفطي الذي قدّمه الدكتور عزمي بشارة في محاضرته الأخيره في الدوحة «المنتدى السنوي لفلسطين/المنتدى خاصته وليس خاصة فلسطين» أن «طوفان الأقصى» انتهى، بل هو أفضى إلى نتائج عكسية، وبالتالي انتهت معه التجارب الفلسطينية الثلاث: الكفاح المسلح، سلطة أوسلو (حل الدولتين)، ال.م.ق.ا.و.م.ة… والمخرج بإعادة قراءة الصراع على أن ما يميّز الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عن باقي الاحتلالات أنه نظام فصل عنصري، وبالتالي الحل هو في التحشيد الدولي لتفكيك هذا النظام.”
واضح تماما، أنه على تربيته وموقفه بأن الآحتلال قائم في أرضه هو أي الاحتلال لا أرض الشعب الفلسطيني، وبأن المطلوب مجرد تعديل بسيط في بعض سياسته أي التمييز العنصري وليس رفض وجوده كاحتلال إقتلاعي سواء فورا أو تدريجيا طبقا للإمكانات والفرص. أي لا وجود لقضية وطنية فلسطينية وقومية عربية. وبكلام آخر، فإن الحل سهل بمجرد أن نشرح نحن ويشرح العالم للكيان بأن التمييز العنصري أمر ممجوج، فلماذا أيها الفلسطينيين كلفتم أنفسكم كل هذا الجهد والنضال والدماء بينما الحل بجملة! أي ها هو بشاره العبقري يحل المعضلة بسطرين! لعل هذا إستشراق من درجة وضيعة حيث يُطرح والإبادة على قدم وساق!
ولكن، كي لا ننسب لبشاره ما ليس من عندياته، فهو في هذا تلميذ الراحل إدوارد سعيد الذي طرح منذ 1996 حلاً للصراع بعبارة: “إن على الفلسطينيين أن يتخذوا تفكيراً آخر”. أي التوقف عن ا.ل.م.ق.ا.ومة والنضال من أجل التحرير وحق العودة. هذا ما ورد في حديثه في الناصرة 1996 حيث أتى ليدعو الفلسطينيين لانتخاب بشاره للكنيست. وطبعاً، لا بد أن دوراً ما كبيراً وأمرا ما جللاً هو الذي ساق إدوارد من جامعة كولومبيا إلى الناصرة لدعم بشاره.
أما المهزلة التي تم إخفائها، فهي أن بشارة رشح نفسه لرئاسة الكيان حينها ثم إنسحب لصالح إيهود باراك باعتبار الأخير حمامة سلام، والمضحك أن باراك قد لمع مؤخرا كأحد أصدقاء جيفري إبستين! فهل التعليمات من العزيز جيفري! ولا شك أن بشاره في دعمه لباراك قد تذكَّر بمتعة أن باراك هو الذي في نفس دعايته الانتخابية وضع عبارة بخط بارز على بروشوره الإنتخابي تقول:”واصلت إطلاق النار عليه حتى تطاير بياض عينية على سترتي” يقصد الشهيد أبو يوسف النجار عام 1993 حين أُغتيل في بيروت مع الشهيدين كمال ناصر وكمال عدوان. كيف لا، وهذا النضال الذي إعتبره بشاره فاشلاً. فويل لشعب يتحدث هذا الرجل باسمه ما لم يُمطر المتحدث بالأحذية هو ومن جلسوا يستمعون له ويصفقون في طرب جنسي ناجم عن دفىء دولاري تحت مؤخراتهم.
وبنفس نهج إدوارد سعيد كان ما طرحه د. سلام فياض حيث نشرت له جريدة القدس قبل سنوات قوله: “إن اكثر ما ألحق ضرراً بالقضية الفلسطينية هو الكفاح المسلح” .
وبالمناسبة فإن بشاره خبير في سرقة آراء غيره كما كشفت ذلك الراحلة حياة حويِّك عطية.
وهكذا، بلور بشاره عبقريتي سعيد وفياض في الإتكاء والإرتكاز على تفكيك دولي للكيان!
عجيب هذا الميكانيكي الذي لديه المعدات التي يفكك بها موتور الكيان بما هو طائرة صنعها هذا النظام العالمي! ولا شك بأنه ميكانيكي يلبس أوفرهول العار.
لسنا بحاجة لاستعراض قرارات ومواقف النظام العالمي من فلسطين خاصة. بل إن القضية الفلسطينية وحدها التي أجمعت مختلف اقطاب العالم عام 1948على الإنحياز حينها للكيان على حساب شعبنا الفلسطيني بغض النظر عن عدد الأصوات وتقارب من هو مع و/أوضد:
· وقفت الكتلة الشيوعية لصالح الكيان
· والكتلة الإمبريالية
· وتيار الإشتراكية الدولية /الديمقراطية،
· والأنظمة العربية التابعة والأنظمة الإسلامية التابعة.
وباختصار، كان موقف العالم هو نفسه يوم 8 تشرين أول أكتوبر 2023 حيث جمع الغرب قضة وقضيضه ودخل الحرب ضد غزة، وأقعت بقية أنظمة العالم وخاصة العربية والإسلامية، وكانت قمة نذالة الحكام العرب والمسلمين يوم11-11-2023 بترجي أمريكا ان تتوسل “إسرائيل” كي تُدخل بعض الماء لغزة! فأي نظام عالمي سيسعف شعبنا بينما وقفت نفس ال 57 مجددا يوم 11-11-2024 ليكرر نفس الرجاء المُذل.
إن ما تعامى عنه بشاره ومختلف مخاصيه وجواريه من المثقفين هو أن يوم 8 أكتوبر كان يجب أن يكون يوم الوقوف مع فلسطين وليس مع “إسرائيل”. ولذا فإن التغطية على مواقف كل المذكورين أعلاه هو خطاب يبارك العدوان ويلامس الخيانة.
فهل هؤلاء الذين سيفككوا النظام الصهيوني؟ ربما باسنانهم؟ أو بالتفكيكية الكلامية اللغوية للفرنسي ديريدا الذي احترف تفكيك النظرية الثورية خدمة للإمبريالية! وأحد فلاسفة “التسامح” المطلوب من ضحايا الإمبريالية على جرائمها الدموية من جهة وعلى فائض القيمة التاريخي ، كما شرح أنور عبد الملك، الذي نهبته وقشطته من شعوب بلدان المحيط.
عزمي بشاره يطالب بتوقف ال.م.ق.ا.و.م.ة! واعتبارها فاشلة. ذلك لأن عزمي بشاره ليس من الشعب، ولذا لا يفهم أن المقاومة هي قوة كامنة شعبيا تظهر حين يكون هناك تحدِ وجودي، وعليه ليست جيشا نظاميا عساكراً قُم واقعد وانتهى الأمر. لن تتوقف المقاومة بأمر أحد ولا تقوم بأمر أحد هي خيار شعبي. لعلها قد أصابت ليلى علوش بقولها:”يستفزني الجنود، فهم مطايا كل عصر وحمير كل عصر”. ليس الجنود يا ليلى بل الجنرالات.
ذات يوم عام 1985 كان د. سري نسيبه محاضرا في جامعة بير زيت وطرح على الطلبة أن يتوقف الفلسطينيون عن النضال وأن يتقدموا إلى “إسرائيل” بطلب الجنسية”، وكان الرد أن أذاقوه علقة، وبقدرة لا شعبية، اصبح بعدها رئيسا لجامعة القدس وأعلن التزامه بالتطبيع الأكاديمي، تماماً كما تمسك بشاره بالتطبيع الكنيستي. “رب أخٍ لك لم تلده أمك! ترى، لو قال بشاره هذا القول حينما عمل في جامعة بير زيت هل كان سيكون رد الطلبة بغير خلع الأحذية؟ تماما كما فعل به شباب مخيم الوحدات في عمان.
ولكن، أما وبشاره وعساكره لم يقاوموا ولم يدفعوا أي ثمن تضحوي، وليسوا حتى داخل الوطن، فلماذا مواعظ التدمير النفسي هذه!. أليسوا الأجدر بالقول العربي: مكانكِ تُحمدي أو تستريحي”
يرى بشاره بأن لا فرصة لحل الدولتين، وهو لا ينطلق من موقع الرفض بل من موقع أن لا فرصة لدولة حتى في أجزاء من الضفة الغربية، ولكن بشاره كان ممن يحجون إلى مكان ياسر عرفات بعد كارثة أوسلو! فهل أدرك أن لا فرصة لدولة فلسطينية أم أنه يرقص على لحن نتنياهو؟
إن الإستدوال مرفوض فلسطينيا وليس فقط من العدو، فهذا ليس جديداً من بشاره ومن معه، ولكن موقفه من حل الدولتين هو باتجاه الإستسلام والترجي المعولم.
وحيث يرفض بشاره ال.م.ق.ا.و.مة بتنوعها، فمن الطبيعي أن يرفض الكفاح المسلح، بل يجب أن لا يُصدم أحداً إذا قال بشاره ذات يوم يجب محاكمة كل من شاهد بندقية تماما كما يفعل جيش الاحتلال، أو كما فعل الإستعمار البريطاني قبيل تسليم فلسطين للعصابات الصهيونية. بقي عليه أن يُهاتف نتنياهو من الخط الأحمر ليقول له: السلطة في رام الله تدفع رواتباً للمخربين/الأسرى”!
دعنا نقول لبشاره وحوارييه، قاتلوا على صعيد الترجي الدولي، واتركوا للشعب اختيار ما يراه. ألستم ديمقراطيين؟ دعوا الناس تتصرف كما ترى وتطيق.
ما يطرحه بشاره في التحليل الأخير، ولو إستبطاناً هو إحالة القضية لترامب، فلم يتبقى غير ذلك، أي أخذ القضية من كل الفلسطينيين وترؤس تجمع صهيوني من الأنظمة العربية والإسلامية لتقرير مصير شعب باسره. ولكن، هل يتطابق هذا مع عقود من حياة بشاره قضاها وهو يغني للديمقراطية وحق الإختيار والتحريض ضد الأسد وصدام والقذافي؟ ولكن من اين؟ من مستوطنة قطر!
من تابع تطور أطروحات اكاديميين صهاينة، يلاحظ أنهم يتقدمون على بشاره وأكاديمية الدوحة وخاصة بسبب إبادة غزة. ففي حين توقف هؤلاء عند مسألة التمييز العنصري والإبرثايد، تطور موقف أحد أبرزهم أي إيلان بابيه ليستقر على الإقرار بان الكيان إنتقل من التطهير العرقي للإبادة. أما لو قارننا المواقف الواضحة والمبدئية للأكاديمي نورمان فنكلشتاين بموقف بشاره لعرفنا الفارق بين العقل النقدي الحر والعقل المُباع وحاملي/ات الطيب له فريق التعزية بموت ال.م.ق.ا.و.م.ة.
إن إصرار بشاره على ثلاثيته المرفوضة”الكفاح المسلح والدولة و.ا.ل.م.ق.ا.ومة” تقود إلى الإقتناع بأن العقل التابع والمأجور ليس عقلا تاريخياً، فهو يتنكر لروح ال.م.ق.ا.و.و.مة زاعماً أنها قد رحلت أو يمكن لجمها بل وقراءة تعاويذ الوفاة عليها.
لقد أغلق عقل بشاره اللاتاريخي على صاحبه الدائرة حيث حصره في لحظة الفجيعة العربية بالصمت والتدجين، دون أن يرى بأن هذه الأمة، وإن كانت مدجنة اليوم، قدمت التضحيات في فترة النهوض القومي، وبالتالي لم يُغلق التاريخ أمامها. والحقيقة فإن من لا يرى حقائق التاريخ هو مثابة الفلسطيني الصهيوني الأخير.
مهما يكن وراء بشاره من تخطيط صهيمريكي وتحت فرشته من أموال، فإن إستعادة الشارع العربي ومن ثم النهوض أمر لا جدال فيه، مهما كانت اللحظة غارقة في قِطَع الليل السوداء. فالأمم لا تموت، ولكن تمر في فترات تراجع وهكذا قوانين الجدل فالتغيير يقابله ويتجاوزه التطور .
كومبارس الندب والنعي …لا النقد
بقدر ما لديك من مال تكون لك ظلالاً، وبقدر إنتفاخ معدتك المتخمة يكون لهوائها الفاسد طريقاً يتخيل مطلقه أنه يعزف لحنا موسيقيا. أو كما كتب ساندرز في كتابه “من يدفع للزمار”؟ فطالما حكم عزمي بشاره على الشعب الفلسطيني بمذلة التشكي والمظلومية والبكاء، كان لا بد لبطانته أن تنعى الشعب والقضية في صورة نعي المناضلين الفدائيين. هكذا كتب أحدهم وافتخر بفريق الندب.
والحقيقة، فإن مشروع قطر كقاعدة للإمبريالية والصهيونية معاً، وقوى الدينسياسي، وتمفصلاتهم اللبرالية مجسدة في عزمي بشاره قد سلّح؛ نفسه بمختلف الأسلحة وصولا إلى سلاح الندب والنعي فكان فريق النعي جاهزاً حيث إستنتج من روث عزمي بشاره أن النضال الوطني الفلسطيني قد فشل بفريقيه”التسووي والمقاتل”.
وعليه، لم يبق سوى الفريق المخاتل وافتتاح بيت العزاء كبديل إلى جانب تدبيج الشكاوى للأمم المتحدة ، لكن ضدنا.
وإذا كان هؤلاء متحدثين باسم فلسطين، فما هي رسالتهم عن الأمة العربية وإليها وحتى للعالم غير أن هذه أذلَّ أمة أُخرجت !.
أمَّا ولدى بشارة التمويل لافتتاح مراكز أبحاث وفضائيات، وجرائد، ومواقع إلكترونية وكليات في السياسة والتاريخ، واللغة والفن، وفي جميعها يُغدق، فلا غرابة أن يقيم مركزاً للنعي والندب يتوكىء على دماء الشعب ويدعوه لخيار للموت!
2026-02-13