من أجل بناء تيار وطني ديمقراطي عراقي!
علي رهيف الربيعي
إن الحقيقة الجلية هي ان التيارات السياسية المهيمنة على الساحة السياسية العراقية داخل العراق فاشلة، هي تيارات فئوية بمعنى أنها لاتخاطب بل ولا تتعلق إلا بجزء من الشعب العراقي فقط وليس بمجموعه، فهي إما تيارات أثنية اي قومية ، عربية، كردية ، تركمانية ، آثورية ، أو تيارات إسلامية طائفية، شيعية ، سنية وربما مستقبلا سلفية اي وهابية وربما أيضا أحزاب سياسية تمثل هذه العشيرة أو تلك أو هذه المحافظة أو تلك ، أو تيارا طبقي اممي كالتيار الماركسي. بالتالي صار التيار الوطني العراقي الذي هو بالتعريف تيارا لا أثنى بمعنى لا قومي ولا طائفي ولا طبقي ولا أممي هو التيار النادر الوحيد ، لابل المفقود من بين التيارات السياسية العراقية ومنذ عام 1963 إن إستمرار تلك الحالة من التشوه السياسي يهدد جديا العراق بالتقسيم ثم بأبتلاع اجزاءه من قبل الدول المجاورة التي تنظر جميعها إلى العراق الآن نظرة جمع من الضباع إلى فريسة محتملة وتقوم من أجل تحقيق مطامعها في العراق بدعم وتشجيع التيارات السياسية الفئوية العراقية وربطها بعجلة دوائر مخابراتها وأجهزتها الأمنية وتهيئتها للقيام بدور الوكيل لمصالحها في العراق . على عكس التيارات الفئوية فإن التيار الوطني العراقي هو التيار الذي يرى العراق على أنه الحقيقة الكاملة وليس جزء من طوبائية قومية، دينية أو اممية. فهو التيار الذي يرى ان للعراقيين كافة حق واحد في الحياة والسعادة ومهما إختلفت هوياتهم الأثنية والمذهبية والطبقية. إنه التيار الوطني الذي يضع الولاء للعراق فوق كل ولاء وأولا وقبل كل شيء.
إن بناء تيار وطني ديمقراطي عراقي سيكون من أصعب المهام الفكرية والتنظيمية والسياسية لاسيما في الوقت الحالي بسبب عملاء الاحتلال وفي ظل الدستور الطائفي الحالي.
وبارغم من أن هذا التيار كان قد تواجد في العراق اصلا ومنذ عقد الثلاثينات من القرن الماضي ممثلا بالحزب الوطني الديمقراطي العراقي وقبل ذلك في جماعة الأهالي وقبل ذلك في الحزب الوطني العراقي وكذلك كافة الآراء والأفكار الوطنية العراقية التي كانت تدعو وتعمل على نشر الثقافة الوطنية الديمقراطية ومنذ تأسيس الدولة العراقية كالحزب الوطني العراقي الذي أسسه جعفر ابو التمن . إلا أن الحزب الوطني الديمقراطي لم ينجح في مهمة خلق الثقافة والوعي الوطني الديمقراطي في العراق ، بل راح وعلى العكس من ذلك يدخل في تحالفات جبهوية مع حزبين أنقلابيين هما الحزب الشيوعي وحزب البعث اللذان لابد وان الحزب الوطني الديمقراطي كان مدركا بأنهما حزبان لايؤمنان لا بالوطنية العراقية ، فالأول هو أمميا والثاني هو قومي عربي ، كمالا يؤمنان بالديمقراطية علنا وصراحة. لقد تكررت والأكثر من مرة سلوكية سياسية تكتيكية غير ديمقراطية أبداها الحزب الوطني الديمقراطي تجلت في إشتراكه في حكومات إنقلابات عسكرية، بل وفي التحضير لتلك الأنقلابات ، وفي عدم المطالبة العلنية والصريحة وبعد نجاج تلك الأنقلابات بالعودة الفورية إلى الحياة الدستورية والبرلمانية. إضافة الي تسلل وتغلغل بعض الماركسيين في صفوفه من أمثال كامل قزنجي في محاولة شيوعية لحرف الحزب الوطني الديمقراطي عن طريقه الديمقراطي، مما افقد الحزب ولسوء حظ العراقيين الكثير من مصداقيته فتقوقعه تاركا الساحة السياسية العراقية للحزب الشيوعي وحزب البعث وحلفائه من القوميين وليبدا بذلك الصراع السياسي الدموي الذي عرفه العراق منذ تموز عام 1958 . إلا أن تراث الحزب الوطني الديمقراطي الفكري والسياسي لابد وان يشكل اللبنات الضرورية والأولى لبناء التيار الوطني الديمقراطي العراقي ومن أجل أن يكون هنالك تواصل ثقافي وسياسي بين ماضي العراق وحاضره ومستقبله. فلقد اثبتت التجربة العراقية القطعية بأن فكر الحزب الوطني الديمقراطي العراقي كان هو الفرصة الوحيدة الممكنة لبناء الدولة العراقية على أسس سلمية، إلا أن تلك الفرصة قد أضاعها الجيل السابق من العراقيون، لذلك فإنه وعندما ستبرز فرصة جديدة لأعادة بناء الدولة العراقية من جديد فيجب عدم تركها تضيع ثانية .
ان مهمة التيار الوطني الديمقراطي العراقي هي لست اقل من بناء عراق جديد بمنأى عن مآسي ومعاناة الماضي القريب والبعيد وماقد يجلبه المستقبل من معاناة إضافية. قيام وطن عراقي جديد ولكل العراقيين وليس حقل تجارب آيديولوجية من هذا النمط البالي أو ذلك والتي لم تجلب على العراقيين غير الموت والدمار.
2025 /10 /03