منظمات التمويل الأجنبي أضرت حقوق الإنسان ورسخت الفساد والإستبداد!
مصطفى السعيد
عندما ظهر التمويل الأجنبي في أواخر الثمانينات سحبت البساط من لجان الحريات في النقابات المهنية وأحزاب المعارضة، بل سحبت مناضلين وحولتهم إلى نشطاء .. وكانت لجان الحريات في النقابات والأحزاب نشطة للغاية، تتابع كل إنتهاكات، وتتمتع بنزاهة لا يمكن التشكيك فيها، وكل من فيها متطوعون، وتعتمد على الجهود الذاتية، وكانت بحق سندا قويا للحريات. لكن البعض وجدوا في منظمات حقوق الإنسان الممولة مكانا أفضل ورواتب ومكافآت كبيرة، ويتمتعون بتغطية إعلامية وأصبحوا نجوما. كانوا يبررون التمويل الأجنبي بأنه لا يفرض عليهم أي أجندات ولا شروط، وأنه الخير المطلق، لكن من يقرأ ما نشرته وكيليكس ومناضلون تتبعوا أهداف تلك المنظمات، عرفوا حقيقة ما تستهدفه، فالشروط تأتي رويدا رويدا، خطوة خطوة، بدأت بشرط عدم العداء للسا مية، ثم تحولت لعدم العداء للكيان، لتتحول إلى عدم مناصرة كل من يتصدى للكيان.
لا تقف خطورة تلك المنظمات عند هذا الحد، بل تسرق الثورات وتحرفها عن مسارها، وتفرغها من مضمونها، فيما أصبح معرفا ب”الثورات الملونة”، التي الأمريكي جين شارب أحد أهم منظريها ورعاتها، وكتب جزءا من آليات عملها، في عدة كتب بعنوان “الثورات اللا عنفية”، والتي تبدأ بانتحال وسرقة أحلام وآمال ووضعها في شعارات تفود إلى طريق معاكس، وتختص كل منظمة أو مجموعة منظمات بشريحة إجتماعية، لتبدو كأنها تمثل كل فئات الشعب، وتحرفها عن مسارها بشعارات عامة فضفاضة، وليس برنامجا ثوريا، ويمكن أن تقود أو تؤثر على مسارات أي انتفاضة، تحدث بسبب أزمة سياسية أو إقتصادية أو حادث أو جريمة مؤلمة لتنطلق في شعارات عامة، ويشرح الأمريكي جين شارب باسهاب كيف تتمدد التحركات، وما هي الشعارات الجذابة، وكيف تنهك النظام. لكنه لا يشير إلى الجزء الأخير الذي تنقض فيه جماعة معدة سلفا لتتسلق وتسيطر بعد تهز الجماهير مؤسسات الدولة، لتستولي تلك الجماعات على أحلامها، ولا يتبقى للشعوب إلا الحسرة واليأس. وعلى كل مهتم أن يقرأ جين شارب ليتعلم ويعرف كيف تنجح الثورات الملونة.
إن تلك المنظمات الممولة أصبحت جاذبة للمهتمين وبعض المثقفين، ومن تركوا أحزاب المعارضة، لكنها لم تقدم نموذجا للديمقراطية والحريات داخلها، فمؤسسوها لا يتغيرون، ولا تجري إنتخابات حقيقية، فكل من ينشئ منظمو، يضع في جمعيتها العمومية أقاربه وجيرانه وأصحابه ومعارفه، ليظل على رأس الغنيمة، وبينما يستأثر بمعظم التمويل لنفسه وبعض المقربين، يمنح الباقين الفتات، ولا شفافية في أوجه الصرف ولا توزيع الأموال. هذه المنظمات التي ادعت أنها ضد الإستبداد والفساد مارست الإستبداد والفساد، فكيف تتمتع بالمصداقية؟
التمويل الأجنبي لم يخترق الأحزاب والنقابات فقط، ولا شلل تنظيمات كانت نضالية وتفككت، وإنما امتدت إلى مؤسسات في الدولة، ومراكز بحوث ودراسات وغيرها، وأصبحت رقما مؤثرا في الحياة السياسية والعامة، ولهذا لم تتدخل الدولة لمنع أو الحد من تلك المنظمات رغم خطورة أدوارها، وبعد يناير 2011 جرى تعديل القانون، فهل منع أو ضيق على التمويل الأجنبي؟ لم يحدث، فبقي التمويل الأجنبي مباحا، واقتصر التجريم على نص مطاط عن استخدامه في الإضرار بالدولة، والأخطر في التعديل أنه ساوى بين التمويل الوطني والأجنبي، أي أن أي تبرع لنشاط سياسي أو قانوني أو غيره يمكن التعامل معه كجريمة.
كانت روسيا قد انتبهت لخطورة التمويل الأجني الذي إنتشر كالجراثيم في دول شرق أوروبا وغيرها من البلدان التي تحظى باستقلال نسبي أو حتى الصديقة، وبلغ عددها في روسيا 23 ألف منظمة في التسعينيات، وعندما جاء بوتين، صدر قانون يلزم المنظمات المتلقية تمويل أجنبي بأن تضع شعار “عميل أجنبي” على كل مكاتباتها، وأن تخضع للرقابة على إنفاقها وما تحصل عليه، وحدثت إحتجاجات على هذا القانون الذي أسموه “قانون بوتين”، لكن الحقيقة أن بوتين استعاره من الولايات المتحدة الأمريكية. هناك دول أصدرت قانون مماثل، منها جورجيا، التي شهدت مظاهرات ترفع لافتات “لا لمنع التمويل الأجنبي”، فهناك مئات آلاف المستفيدين.
تقييد التمويل الأجنبي نجح في الحد من تأثير وقدرات الثورات الملونة، التي كلن يشعلها الغرب في البلدان غير الخاضعة بشكل كلف لهيمنته، أو التلويح بها كأداة ردع لتلك الأنظمة.
كانت هيلاري كلينتون من أشهر المتحمسين لتلك المنظمات، ودعت إلى إيجاد سبل غير مباشرة وملتوية للتغلب على تقييد وصول التمويل لتلك المنظمات والشخصيات المتلقية للأموال، والتي تشمل دور نشر ومهرجانات فنية وجوائز ةغيرها.
الخلاصة أن المنظمات والجهات المتلقية للتمويل كانت أداة مخابراتية غربية، وأحد أدواتها الناعمة في إختراق المجتمعات والهيمنة عليها.
2025-01-01