ماركس و ” المسألة اليهودية ”
علي رهيف الربيعي
ألف ماركس منذ وقت مبكر رسالة معروفة بأسم ” المسألة اليهودية ” عبر فيها عن الرأي القائل أن للديانة اليهودية أساسا دنيويا هو الحاجة العملية والسعي إلى تحقيق المصلحة الذاتية ، فقال :
” لو وجد تنظيم للمجتمع يلغي الشروط الضرورية للمساواة ، وبالتالي يقضي على امكانها لأصبحت اليهودية مستحيلة . وعندئذ ينقشع الوعي الديني اليهودي كما لو كان ضبابا كئيبا بدده هواء المجتمع المنعش ” . وفي موضع آخر من هذه الرسالة نفسها يقول : ” إن المال هو الإله الغيور لاسرائيل ، الذي لا يمكن أن يوجد إله قبله . والحق أن المال ليحط من قدر كل آلهة البشر ، ويحيلهم إلى سلع . إن المال هو القيمة العامة ، المكتفية بذاتها ، لكل شيئ ، ومن ثم فقد سلب العالم كله ، يستوي في ذلك العالم الانساني والعالم الطبيعي قيمته الحقيقية ” .
ولقد بلغ من من قسوة الهجوم الذي وجهه ماركس إلى اليهودية في هذه الرسالة أن البعض قد اتهمه برغم انتمائه العائلي إلى اليهودية بالعداء للسامية ، وهي تهمة لا تعقل في مثل هذه الظروف . وحقيقة الأمر هي أن ماركس قد انشق نهائيا ، وإلى غير رجعة ، عن العقيدة التي ورثها من أجداده ، وكثيرا ما يكون ابناء اليهود الذين يرفضون عقيدتهم ( مثل الفيلسوف الكبير اسبينوزا ) أشد قسوة في مهاجمتهم لليهودية ، واقدر على كشف اخطائها ، حتى من نقادها العنصريين . ومن المؤكد أن العامل العنصري لا يكون له أي دور في هذه الحالة بل يسعى اليهودي المنشق إلى تحرير اليهود من أنفسهم ، ومن جمود عقائدهم حتى يمكنهم أن يسيروا مع الانسانية كلها في موكب التحرير . أما أولئك الذين يصرون على أن ماركس كان ، برغم كل شيئ يهوديا ، وعلى أن الماركسية كلها جزء من مؤامرة يهودية على العالم ، فهم عنصريون قصار النظر . لا يتصورون أن من الممكن للمرء التحرر من تراثه الديني فضلا عن أنهم يعطون اليهودية أهمية تفوق ما تستحق ، ويمجدونها من حيث لا يشعرون .
