رياضة كرة القدم “أفيون الشّعوب”؟
الطاهر المعز
كرة القدم – بطولة كأس إفريقيا للأمم
انطلقت بطولة الدّول الإفريقية لكرة القدم، سنة 1957، قبل ست سنوات من تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، وأصبحت هذه التظاهرة تجتذب جماهير غفيرة من المُشجّعين في مدارج الملاعب، وقُدِّرَ الإتحاد الإفريقي لكرة القدم عددهم – خلال دورة ساحل العاج سنة 2023 – بنحو 1,10 مليون، بمعدّل 21340 متفرجا لكل مباراة، فضلا عن أكثر من مليار مُشاهد على شاشة التلفزيون في 180 دولة، ويمنح الاتحاد الأفريقي لكرة القدم جائزة أفضل مشجع في كل مباراة من مباريات المرحلة النهائية لهذه البطولة، بينما تستغل النّوادي الأوروبية مثل هذه الأحداث الرّياضية “للتَّسَوُّق” واختيار اللاعبين اللامِعين لشرائهم بأسعار منخفضة، وتستغل الأنظمة القائمة في البلد المُضيِّف هذا الحدث لإلهاء المواطنين عن المشاغل الحقيقية كالبطالة والفقر وانخفاض الإنفاق على الرعاية الصحية والتعليم، وخصخصة المرافق والخدمات…
تُعتَبَرُ بطولة كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم حدثًا هامًّا يتطَلَّبُ الإستعداد له عدة سنوات للدّول المُضيّفة، وعدّة أشْهُرٍ للجمهور لتأمين الموارد اللازمة لتغطية نفقات إقامة المُشَجِّعِين لبضعة أسابيع في الخارج أو في المُدن التي تستضيف المباريات، ولاستقطاب مشجعين قادرين على خلق أجواء حماسية في المَدارج بالرقص والغناء والعزف…
استضاف المغرب بطولة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، من 21 كانون الأول/ديسمبر 2025 إلى 18 كانون الثاني/يناير 2026، وقبل أسابيع من بدايته، تظاهر شباب “جيل زد 212 ” في الشوارع احتجاجاً على وفاة ثمانية نساء في قسم التّوليد بمستشفى أغادير ( جنوب البلاد) خلال أسبوع واحد من شهر آب/أغسطس 2025، بسبب نقص التجهيزات والرعاية الصحية، واحتجاجًا على التكلفة الإقتصادية والإجتماعية لهذه البطولة، التي يعتبرونها غير ضرورية مقارنة بالأزمات التي تعاني منها البلاد، وكانت هذه التّظاهرات أكبر حركة احتجاج اجتماعي منذ احتجاجات سُكّان منطقة “الريف” شمال البلاد، سنة 2016، واستمرت المظاهرات قرابة ثلاثة أسابيع، للمطالبة بالكرامة والعدالة الإجتماعية وبوضع حدّ للفساد، وللتنديد بالتكلفة المرتفعة على المشاريع الضخمة للبنية التحتية الرياضية التي تهدف إلى استضافة بطولة كأس الأمم الأفريقية ( نهاية 2025 وبداية 2026) وكأس العالم لكرة القدم سنة 2030، والتي يتم تنظيمها بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال. أما النظام المغربي فإنه يعتبر استضافة كأس الأمم الإفريقية سنة 2025 ثم كأس العالم لكرة القدم سنة 2030 فُرْصَةً لتبرير الإنفاق المُرتفع على البُنْيَة التّحتية وتطوير شبكة النقل وبالخصوص السكك الحديدية والمَطارات والطرقات السريعة وعروض السياحة، حيث يتفاخَرُ الإعلام الرّسمي باستقبال 17,4 مليون سائح سنة 2024، وتتوقع الحكومة أن يجتذب كأس العالم ما يصل إلى مليُونَيْ زائر إضافي، فضلا عن مزايا البث التلفزيوني لمباريات كأس العالم وما تُوفّره هذه التّغطية من إشْهار سياحي وسياسي، ومن اجتذاب للإستثمارات…
كتبت بعض وسائل الإعلام عن مظاهرات شباب “زد 212” وأشارت إلى الفوارق الطّبقية المُجْحِفَة وإلى الفقر ونقص الرّعاية الصّحية، وإلى الإنفاق الضّخم على شبكة السكة الحديدية والقطارات فائقة السّرعة والطرقات السيارة، وأدّى تنفيذ هذه المشاريع إلى تهجير عشرات الآلاف من السُّكّان (16 ألف عائلة في الدّار البيضاء لوحدها)، ولذلك دعت حركة “جيل زد 212 ” – منتصف تشرين الأول/اكتوبر 2025 – إلى ” مقاطعة مباريات كأس إفريقيا وعدم تجاهل أولويات الوطن ومخاوف شعبنا المشروعة (…) يجب ألا تُلهينا كرة القدم، مهما بلغت أهميتها، عن نضالنا المشروع والمستمر”…
تستغل النوادي الأوروبية لكرة القدم الأحداث الرياضية الإفريقية لتشتري لاعبين ماهرين، مثل جورج ويا، الحاصل على جائزة الكرة الذهبية وصامويل إيتو وساديو ماني وديدييه دروغبا وغيرهم من اللاعبين الدّوليين، غير إن المباراة النهائية ( بين المغرب والسنغال) أكّدت السّمعة السّيّئة لقارة إفريقيا في مجالات الرّشوة والمستوى الهابط للتّحْكيم وتغاضي الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)عن فضائح الدّور النهائي، لأن ميزانية الإتحاد الإفريقي لكرة القدم تعتمد على مخصصات الإتحاد الدّولي لدعم مسابقاتها واتحاداتها ودورياتها، مقابل أصوات الإتحادات الإفريقية في انتخابات الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) الذي يتلاعب بأجندة ومستقبل كرة القدم الأفريقية لصالح أجندة مدفوعة بالمكاسب المالية وطموحات رئيس الفيفا ( جياني إنفانْتِينو – Gianni Infantino ) الذي يتملّق الرّئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي رَفَع من دَوْر قطاع الأعمال والسياسة في الإتحاد الدّولي لكرة القدم، بإطلاقه” جائزة السلام ” التي ابتكرها وسَلَّمَهَا جياني إنفانتينو إلى دونالد ترامب لمواساته على خيبة أمله لعدم حصوله على جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها العديد من مجرمي الحرب واللصوص والخونة مثل أنور السادات وإسحاق رابين ومناحيم بيغن… وفي المقابل لم يتدخّل جياني إنفانتينو لدى “صديقه” دونالد ترامب الذي علّق إصدار التأشيرات للمواطنين الأفارقة أو فرض شروطاً ماليةً باهظةً تهدف إلى ردع أي محاولةٍ لزيارة الولايات المتحدة بمناسبة كأس العالم القادمة المقرر إقامتها في الولايات المتحدة…
المغرب – السنغال: مَوْجة عنصرية بعد المباراة
انهزم الفريق المغربي أمام السنغال في نهائي كأس الأمم الأفريقية، يوم 18 كانون الثاني/يناير 2026، رغم التّحيّز الواضح لحَكَم المباراة لصالح فريق الدّولة المُضَيّفة ( المغرب) وشابت المباراة أحداث عديدة تُوّجت – بعد ساعات قليلة من نهاية المباراة – بحملة عنصرية، تجاوزت ميادين الرياضة، لتنتشر في الفضاء العام وفي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تم بث المئات من أشرطة الفيديو المُعادية للسُّود والتي تُظهر رجالًا ونساءً يدلون بتصريحات عنصرية صريحة ويوجهون تهديدات عنيفة للغاية ضد الأفارقة من جنوب الصحراء المقيمين في المغرب، والذين يُشار إليهم بشكل عشوائي بكلمة “أفارقة”، ورَفَضَ بعض سائقي سيارات الأجرة نقل السُّود، ودعا البعض الآخر إلى عدم تأجير محلاّت السكن إلى السُّود الذي وصفهم البعض ب”ناكري الجميل” أو ب”المُستغِلِّين لكَرَمِنا”…
ندّدت المنظمات الحقوقية والعديد من منظمات المجتمع المدني المغربي بتساهل السّلطة السياسية إزاء الخطاب العنصري المعادي للأجانب ولمواطني قارّة إفريقيا بالذّات، وطالبت هذه الجمعيات والمنظمات بحمايتهم وأعلنت الشرطة المغربية في بيان لها أنها ستفتح تحقيقات قضائية “لتحديد هوية المتورطين في نشر هذه المعلومات المضللة وتطبيق العقوبات المنصوص عليها في القانون”.
أصبح المهاجرون من دول إفريقيا جنوب الصحراء ضحية لصعوبة عبور الضفة الإفريقية للبحر الأبيض المتوسط (المغرب العربي) نحو الضّفة الشمالية بجنوب أوروبا، فتحولت بلدان المغرب العربي من مكان عُبُور إلى بلد إقامة بشكل غير إرادي ووقّع حكام هذه البلدان اتفاقيات مع الإتحاد الأوروبي لمَنْع فُقراء إفريقيا من الوُصُول إلى أوروبا، ومَوّلت أوروبا وسائل المراقبة والمُعتقلات وتفشّت العُنصرية بين فُقراء العرب وفُقراء إفريقيا…
أدّى تَوسّع رقعة التوترات والمُمارسات والأقول المعادية للإفريقيين وللسنغاليين بشكل خاص إلى عَقْدِ اجتماع مطول يوم الأربعاء 21 كانون الثاني/يناير 2026، بين رئيس الحكومة المغربية، عبد العزيز أخنوش، ونظيره السنغالي، عثمان سونكو، ودعا الطرفان مواطنيهما وجميع الأصدقاء إلى “عدم تسييس هذه القضية التي يجب ألا تتجاوز بأي حال من الأحوال السياق الرياضي البحت”، ودعا كل منهما إلى “سيادة روح الأخوة الأفريقية”…
2026-02-07