رسالتان بين غانية ملحيس وغسان جابر حول الشراكة المسيحية في النضال التحرري الفلسطيني!
غانية ملحيس
الأستاذ العزيز غسان
مقالك المعنون ” المسيحي الفلسطيني… جذورٌ في الأرض، وبوصلةٌ للهوية، وشريكٌ في مسيرة الحرية” في 30/1/2026
ليس مجرد مقال توصيفي، بل شراكة في الوعي، واستعادة ضرورية لمكانة المسيحي الفلسطيني في قلب السردية الوطنية، ليس على هامشها ولا بوصفها حالة خاصة تحتاج تعريفا.
ما تطرحه ينسجم مع حقيقة أوسع في تاريخ المشرق: لم يكن المسيحيون العرب عبر التاريخ طائفة على هامش الصراع، بل فاعلين أصليين في مقاومة الغزو الأجنبي، لأن الصراع في المشرق لم يكن دينيا في جوهره، بل صراعا على الأرض والسيادة والمعنى.
وعليه، كل عربي، مسلما كان أم مسيحيا، يُقرأ أولا كإنسان سياسي كامل قبل أي دور رمزي أو أخلاقي.
منذ القدم دافع أهل البلاد – مسيحيون ومسلمون – عن عروبتها، وقاتلوا سويا إبان الحروب الإفرنجية /الصليبية/ باعتبارها أرضا عربية لا طائفة، وصولا إلى النضال التحرري في مواجهة الاستعمار الحديث. نحن أمام خيط واحد: الانحياز للأرض وللناس ضد كل مشروع استعمار أجنبي أو اقتلاع.
أهمية مقالك أنه يعيد المسيحي الفلسطيني إلى هذا السياق الطبيعي، كفاعل وطني تشكّل وعيه في قلب الصراع. ومن هنا، يبدو لي أن المقال يفتح الباب أمام مجموعة من القضايا التي باتت اليوم جزءا من تحديات المرحلة وتستحق المعالجة الجماعية:
أول هذه القضايا هو كيفية الموازنة بين الاعتزاز بالدور التاريخي، ومواجهة الواقع القاسي الذي يهدد الوجود المسيحي الفلسطيني اليوم، من هجرة قسرية وضغوط اقتصادية وسياسية، في ظل استعمار لا يميّز بين أبنائه إلا بقدر ما يخدم مشروع التفريغ.
وثانيها هو الحاجة إلى تحويل الذاكرة من سردية استدعاء إلى أداة فعل سياسي وثقافي، تحمي التعدد الفلسطيني من التحوّل إلى رمز فولكلوري، وتبقيه جزءا حيا من مشروع التحرر. فقد يتبادر إلى الذهن أن هذا الدور يُبنى كلغة إثبات، كأننا بحاجة إلى تأكيد وجوده أمام العالم. غير أن استدعاء التاريخ على أهميته – فرصة أيضا للتفكير في أن فلسطين لم تكن يوما بحاجة إلى إثبات طائفي، بل إلى استعادة فهمها كوحدة شعبية ومصيرية، بوصفها حقيقة تاريخية راسخة، لكنها اليوم مطالبة بأن تُصان سياسيا ومجتمعيا، لا أن تُفترض أخلاقيا فقط، في زمن الاستقطاب والتفكيك.
وتبرز أيضا مسألة الخطاب الفلسطيني الموجّه إلى العالم: كيف نُبقي المسيحي الفلسطيني جسرا أخلاقيا ومعرفيا يخاطب الضمير العالمي، دون أن يتحوّل هذا الدور إلى بديل عن الفعل الوطني الجماعي، بل مكملا له.
وأخيرا، يظل السؤال المفتوح الذي يطرحه مقالك ضمنيا: كيف نحمي هذا المكوّن الأصيل من العزل أو التذويب، ونضمن أن يبقى، كما كان دائما، جزءا من بوصلة النضال لا مجرد شاهد على مساره؟
مقالك لا يُغلق النقاش، بل يفتحه في الاتجاه الصحيح. وهو نص يُقرأ بوصفه دعوة لاستكمال السردية الفلسطينية الجامعة، لا لتجزئتها.
حين نستعيد هذا التاريخ وننظر في تحديات الحاضر، لا نفعل ذلك من باب التذكير أو الحنين، بل من باب المسؤولية المشتركة: مسؤولية حماية التعدد الفلسطيني بوصفه قوة نضال لا زينة، وصون المسيحي الفلسطيني – كما كان دائما – جزءا حيا من بوصلة التحرر، لا شاهدا عليه ولا عنوانا رمزيا يُستدعى عند الحاجة.
نحن أبناء هذه الأرض، نختلف في طرق الإيمان ونتوحّد في المصير، وحين نحمي تعددنا، نحمي فلسطين نفسها، حاضرا ومستقبلا.
كل التقدير لجهدك ولمكانته في هذا الحوار الضروري.
غانية ملحيس
الأستاذة الكاتبة القديرة غانية مليحس حفظها الله
قرأت كلماتك بامتنان عميق، لا لأنها أثنت على المقال فحسب، بل لأنها قرأته من المكان الذي كُتب منه: من مساحة الوعي المشترك والمسؤولية الوطنية.
مداخلتك لم تكن تعليقًا عابرًا، بل إضافة فكرية حقيقية للنص، وامتدادًا طبيعيًا له. لقد وضعتِ يدك على جوهر الفكرة: أن حضور المسيحي الفلسطيني في السردية الوطنية ليس تفصيلاً ولا استثناءً، بل جزء أصيل من تكوينها التاريخي والإنساني والسياسي. وهذا الفهم هو بالضبط ما نحتاجه اليوم في مواجهة محاولات التفكيك والعزل وإعادة تعريف شعبنا على أسس ضيقة لا تشبه تاريخه.
توقفتُ كثيرًا عند إشارتك إلى ضرورة تحويل الذاكرة من مجرد استدعاء إلى أداة فعل، وإلى خطورة أن يتحول التعدد الفلسطيني إلى رمز فولكلوري بدل أن يبقى طاقة حية في مشروع التحرر. هذا الطرح يلامس جوهر التحدي الذي نعيشه، ويمنح المقال بعدًا مستقبليًا يتجاوز التوثيق إلى المسؤولية.
كما أن طرحك حول دور الخطاب الفلسطيني الموجّه إلى العالم، وأهمية بقاء المسيحي الفلسطيني جسرًا أخلاقيًا ومعرفيًا دون أن يكون بديلاً عن الفعل الوطني الجامع، هو طرح في غاية النضج ويستحق أن يُبنى عليه في نقاشات أوسع.
أشعر أن مقالكِ الموازي للنص – إن صح التعبير – لم يقرأ ما بين السطور فقط، بل أضاء مساحات لم أكتبها لكنها كانت حاضرة في النية والوجدان. وهذا بالنسبة لأي كاتب هو أعلى درجات التكريم.
لكِ مني كل التقدير على هذا الجهد الفكري النبيل، وعلى روحك الوطنية الجامعة التي ترى في التعدد قوة، وفي الوحدة مسؤولية، وفي فلسطين هويةً ومصيرًا لا يقبلان القسمة.
بكل الاحترام والامتنان،
غسان جابر
30/1/2026
https://alantologia.com/blogs/91123
30/1/2026