ثلاثية جيفرى إبستين!
مهدى مصطفى
ما الذى يجعل مواطنا أمريكيا، ابن أقلية مثيرة، يحمل الجنسية الأمريكية، يوثق فساد النخبة الحاكمة، ويمد نفوذه خارج أراضيها، ويعمل لصالح مكان آخر تدعمه أمريكا بنسبة 99 فى المائة؟
أسئلة حائرة تدور فى عقل المواطن الأمريكى، تحولت إلى قلق جماعى بدأ يظهر فى وسائل الإعلام دون خوف من العداء للسامية.
هل كانت الحكايات الشعبية التى ظهرت فى القرون الوسطى وما بعدها صحيحة؟
هل ما ورد فى كتاب «سحاب أحمر فوق نيويورك» لويليام جاى كار صحيح؟
وهل ما ورد فى كتابه الخطير «أحجار على رقعة الشطرنج» كان دقيقا؟
وأخيرا، هل صار كتاب ديفيد ديوك «نزعة التفوق اليهودى» علامة على الحقيقة؟
إنها أسئلة مؤلمة، تبدأ من السحر والطقوس الغامضة، ولا تنتهى باستخدام الأطفال، وشرب دمائهم لتجديد الشباب.
قبل ربع قرن، شاهدت فيلم المخرج العبقرى ستانلى كوبريك «عيون مغلقة على اتساعها»، يدور فى قصر غامض من قصور آل روتشيلد، تمارس فيه الطقوس الوثنية، من سحر وشعوذة من رجال ونساء خلف أقنعة وأزياء مخيفة.
ممنوع دخول هذا القصر إلا لمن لديه كلمة سر، ويرتدى الأقنعة، ولديه استعداد للغرق فى الشهوانية المريبة، وتتسارع الدراما النفسية الخارجة عن المألوف فى الفيلم، وتصل إلى حد القتل.
انفجرت فضيحة المجرم جيفرى إبستين، فاستعاد الناس عبقرية كوبريك، وعالم آل روتشيلد المبهم.
مات كوبريك بعد أيام قليلة من نهاية تصوير الفيلم، وقيل إن حكم الإعدام صدر بحقه حين تجرأ على كشف هذا العالم الغامض.
يقول الإعلامى الأمريكى تاكر كارلسون: إن إبستين عميل لدولة أجنبية، ولا أحد يقول إنها إسرائيل.
كأنه كان محطة سرية معزولة فى قلب المحيط، تأتيه الأخبار والحكايات من عواصم بعيدة، ويطلب من صديقه إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل السابق، أن ينفى شبهة عمله مع الموساد.
بينما يدعوه ديباك تشوبرا (1946)، الكاتب الأمريكى من أصل هندى، إلى تل أبيب، فى رسالة بريدية:
«تعال إلى إسرائيل معنا، استرخ واستمتع مع أشخاص مثيرين للاهتمام، وإذا أردت استخدم اسما مستعارا، وأحضر فتياتك، سيكون من الممتع وجودك».
فيرد إبستين:
«أريد مكانا آخر، أنا لا أحب إسرائيل إطلاقا».
لكنه كان كاذبا، فلديه استثمارات، ويبحث عن شقراء إسرائيلية، ويتعامل مع نخبة إسرائيل، حسب الوثائق المفرج عنها حتى الآن، كتلميذ نجيب لروبرت ماكسويل، الرجل الذى ضخ إلى إسرائيل مليون مهاجر روسى بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، بينهم علماء ذرة وكيمياء وزراعة وصناعة، ونخبة مثقفة تعلمت حين كان السوفيت قوة عظمى.
سارع بنيامين نتنياهو، الذى زار واشنطن والتقى الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، إلى نفى عمل إبستين لصالح الموساد، مستندا إلى صداقة إيهود باراك، فى مفارقة لا تقل طرافة عن صداقة إبستين ونعوم تشومسكى.
إيلون ماسك توقف مندهشا عند مسألة غريبة، فقد كتب على موقع إكس «تويتر» عن حكاية حمض الكبريتيك المركز الذى اشتراه إبستين، فقد اشترى 1250 لترا، وتساءل: ما الذى كان يفعله بماء النار؟
وتزامن ذلك مع الحديث عن اكتشاف نفق سرى فى محيط جزيرة إبستين، فازداد الغموض، ويوما بعد آخر تنكشف المفاجآت السرية.
كأنه صندوق باندورا فى الأساطير اليونانية، فقد انفجرت كل شرور العالم، حين دفع الفضول باندورا إلى فتح الصندوق الذى سلمه لها زيوس، فانطلقت المأساة، وأصاب الرعب العالم.
هل نتذكر راسبوتين، الذى أضاع القياصرة بأعماله السحرية والخرافية، حين امتلك القيصر الروسى وأسرته وتمكن من التلاعب بهم؟
من ستانلى كوبريك، إلى صندوق باندورا، إلى راسبوتين، يقف إبستين كعلامة فارقة تجمع بين الأعمال السرية والطقوس الغامضة، واستعادة أجواء القرون الوسطى، ويجمع علماء حصدوا نوبل، وفنانين، وزعماء، ومثقفين، ورجال أعمال، وسياسيين ولاعبى كرة فى سلة واحدة.
يتساءل المواطن الأمريكى العادى:
لماذا يقوم «كيان» تدعمه الولايات المتحدة بنسبة 99 فى المائة بالتجسس على عالمها السرى، وتصوير نخبتها، وجعلها فاسدة؟
يجيب ساخر أمريكى، خفيف الظل: من أجل الواحد فى المائة المجهول.
2026-02-13