العراق في كارثة إذا نُصِّب نوري المالكي رئيسًا للوزراء!
الأسباب الداخلية والخارجية
بقلم: البرفيسور وليد الحيالي
مدخل تحليلي
لم يكن المسار السياسي في العراق بعد عام 2003 مسارًا طبيعيًا لدولة خرجت من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل مسارًا انتقاليًا مشوّهًا، صيغ تحت الاحتلال، وأُدير بمنطق توازن الهويات لا بناء الدولة. وفي هذا السياق، برز نوري المالكي ليس بوصفه رجل مرحلة عابرة، بل بوصفه أحد مهندسي تكريس النظام الطائفي السلطوي داخل إطار شكلي ديمقراطي.
إن إعادة طرح المالكي لرئاسة الوزراء لا تعني فقط تجاهلًا لتجربة تاريخية فاشلة، بل تمثّل تهديدًا وقائيًا مباشرًا لمستقبل الدولة العراقية، لأنها تعيد إنتاج الشروط نفسها التي قادت إلى الانهيار الأمني، والانقسام المجتمعي، وتدويل الأزمة العراقية.
⸻
أولًا: الأسباب الداخلية (الجذور البنيوية للأزمة)
1. من تسوية انتقالية إلى نظام طائفي دائم
عقب تشكيل مجلس الحكم عام 2003، قُدِّمت المحاصصة الطائفية باعتبارها حلًا مؤقتًا لإدارة التنوع العراقي. غير أن فترة حكم المالكي شهدت تحوّل هذه التسوية إلى بنية حكم دائمة، جرى تثبيتها دستوريًا وسياسيًا وإداريًا.
وخلال ولايتيه، أُفرغ مفهوم “الشراكة الوطنية” من مضمونه، ليُستبدل بمنطق الهيمنة داخل المكوّن الواحد، ثم استخدام هذا المكوّن كذريعة لاحتكار السلطة. هذه السياسة لم تُنتج استقرارًا، بل أطلقت ديناميات تفكك اجتماعي لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
2. عسكرة الدولة وإضعاف المؤسسية
شهدت سنوات حكم المالكي (2006–2014) تراجعًا ممنهجًا لمبدأ الفصل بين السلطات، وتضخمًا غير مسبوق في صلاحيات السلطة التنفيذية. وقد اتخذ هذا التراجع طابعًا خطيرًا حين جرى تسييس المؤسسة العسكرية والأمنية.
تاريخيًا، لم يكن انهيار الجيش العراقي في الموصل عام 2014 حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمية لسياسات:
• إقصاء الضباط المهنيين
• ترقية القيادات على أساس الولاء
• تحويل الجيش إلى أداة سياسية داخلية
وهو ما يذكّر بتجارب دول فاشلة انهارت جيوشها قبل انهيار دولها، كما حدث في لبنان خلال الحرب الأهلية، أو في ليبيا بعد 2011.
3. إدارة الصراع الاجتماعي بالقوة لا بالسياسة
منذ احتجاجات 2011، ثم اعتصامات 2012–2013 في الأنبار ونينوى وصلاح الدين، اتبعت حكومة المالكي مقاربة أمنية صِرفة تجاه مطالب سياسية واجتماعية مشروعة.
هذا النهج لم يؤدِّ فقط إلى تعميق الشعور بالتهميش، بل ساهم تاريخيًا في:
• خلق بيئة حاضنة للتطرّف
• تآكل شرعية الدولة
• انتقال الصراع من المجال السياسي إلى المجال العنيف
وهي معادلة أثبت التاريخ، في العراق وغيره، أنها أقصر الطرق إلى تفكك الدول.
ثانيًا: الأسباب الخارجية (الارتباطات والتداعيات)
1. الاعتراض الأمريكي: من الخلاف إلى القطيعة
في عام 2014، لم يكن سحب الدعم الأمريكي عن المالكي مجرد خلاف سياسي، بل تعبيرًا عن فقدان الثقة الكاملة بقدرته على إدارة الدولة. وقد جاء هذا الموقف بعد:
• فشل مشروع “الدولة القوية”
• الانهيار الأمني
• تدهور الشراكة الاستراتيجية
واليوم، فإن استمرار الاعتراض الأمريكي على عودته يعكس قراءة وقائية مفادها أن إعادة المالكي تعني عودة العراق إلى دائرة اللااستقرار، وهو ما لا ترغب به واشنطن ولا حلفاؤها.
2. العلاقة مع إيران: من الجوار إلى الارتهان
تاريخيًا، لا يمكن إنكار عمق العلاقة بين المالكي وإيران، سواء خلال سنوات المعارضة أو بعد 2003. غير أن الإشكال لا يكمن في العلاقة بحد ذاتها، بل في تحوّلها إلى عامل حاسم في القرار السيادي العراقي.
خلال ولايتي المالكي:
• تعاظم نفوذ الفصائل المسلحة
• تراجع استقلال القرار الأمني
• تزايد الشك الإقليمي بدور العراق
وهو ما جعل العراق، عمليًا، ساحة تصفية حسابات إقليمية بدل أن يكون دولة توازن.
3. العزلة العربية والإقليمية
أدّت سياسات المالكي إلى إضعاف علاقات العراق مع محيطه العربي، وإلى إدخاله في محور إقليمي مغلق. تاريخيًا، أثبتت التجربة العراقية أن عزل العراق عن عمقه العربي لا تؤدي إلا إلى إضعافه اقتصاديًا وسياسيًا، وإلى فقدانه دوره الطبيعي كدولة مركزية في الإقليم.
البعد الوقائي: لماذا تمثّل عودة المالكي خطرًا مستقبليًا؟
التحذير من عودة المالكي ليس موقفًا سياسيًا آنيًا، بل قراءة وقائية للتاريخ القريب. فالشخصيات التي فشلت في إدارة الأزمات لا تعود عادة لإصلاحها، بل لإعادة إنتاجها بشكل أكثر حدّة.
إن إعادة المالكي تعني:
• إعادة تدوير الانقسام الطائفي
• إضعاف أي مشروع إصلاحي حقيقي
• تعميق فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع
• فتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع
وهي كلها مؤشرات مخاطر استراتيجية على بقاء الدولة العراقية نفسها.
الاستنتاج النهائي
إن إعادة تنصيب نوري المالكي رئيسًا للوزراء لا يمكن قراءتها كخيار سياسي طبيعي، بل بوصفها نكوصًا تاريخيًا عن دروس قاسية دفع العراقيون أثمانها دمًا وخرابًا وانقسامًا.
التجربة أثبتت، والوقائع أكدت، أن:
• الطائفية لا تبني دولة
• القمع لا يصنع استقرارًا
• الارتهان الخارجي لا يحمي السيادة
وعليه، فإن أي مشروع وطني حقيقي لإنقاذ العراق يجب أن يبدأ من منع إعادة إنتاج رموز الفشل، والانطلاق نحو قيادة تؤمن بالدولة لا بالسلطة، وبالمواطنة لا بالمكوّن، وبالتوازن لا بالاصطفاف.
العراق لا يحتمل تجربة فاشلة أخرى…
والتاريخ، إن أُهمل، لا يرحم.
2026-01-30