الأكاديمية العربية في الدنمارك وهي تقترب من عامها الثاني والعشرين!
قراءة نقدية جريئة في الأخلاق المؤسسية والعلاقات الإنسانية
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
ليس من السهل على من عاش تجربة مؤسسة أكاديمية من الداخل، وأسهم في بنائها أو رافق مسيرتها، أن يكتب عنها بعد أكثر من عقدين ببرود المؤرخ أو حياد المراقب الخارجي. فالذاكرة هنا ليست أرشيفًا جامدًا، بل تجربة حيّة، تداخل فيها المهني بالإنساني، والنجاح بالإخفاق، والوفاء بخيبات الأمل. ومن هذا الموقع، تأتي هذه القراءة في تجربة الأكاديمية العربية في الدنمارك، وهي تقترب من عامها الثاني والعشرين.
أولًا: التأسيس… حين كانت الفكرة أكبر من الإمكانات
حين أُعلنت الأكاديمية العربية في الدنمارك في أيار/مايو 2005، كانت الفكرة، بلا مبالغة، أكبر من الإمكانات المتاحة. فقد وُلدت في سياق اغترابي معقّد، وفي بيئة قانونية وثقافية ليست عربية، وبطموح يتجاوز مجرد سدّ فراغ تعليمي. كان الهدف المعلن – والمضمر أحيانًا – هو تأسيس فضاء أكاديمي عربي يحترم المعايير العلمية، دون أن يتحول إلى نسخة باهتة من جامعات الداخل أو إلى مشروع تجاري مقنّع.
غير أن الفجوة بين الرؤية والواقع كانت حاضرة منذ البداية، وهو أمر طبيعي في أي تجربة ناشئة، لكن الخطير ليس وجود الفجوة، بل كيفية إدارتها.
ثانيًا: الإدارة… بين الاتزان المعلن ومحدودية الممارسة
اتبعت إدارة الأكاديمية، في خطوطها العامة، خطابًا يؤكد على الشفافية والاتزان واحترام الكفاءات. وقد نجحت، في مراحل معينة، في خلق مناخ عمل مقبول، بل إيجابي أحيانًا. غير أن هذا الخطاب لم يُترجم دائمًا إلى ممارسة مؤسسية راسخة.
ففي غياب تقاليد جامعية متجذّرة، تحوّلت بعض القرارات إلى اجتهادات فردية، وتداخل الإداري بالأكاديمي، وأُديرت أزمات حساسة بعقلية الاحتواء لا المعالجة الجذرية. وقد أدى ذلك إلى تراكم صامت لمشاعر التذمّر لدى بعض الأساتذة والموظفين، حتى وإن لم تتحول إلى صدامات علنية.
النقد هنا ليس اتهامًا، بل توصيفًا لواقع تعاني منه أغلب مؤسسات التعليم العالي في المنفى: ضعف المؤسسية أمام ضغط اليومي والطارئ.
ثالثًا: الأساتذة… بين الانتماء والاستنزاف
لقد شكّل الأساتذة العمود الفقري للأكاديمية. كثير منهم انخرط في التجربة بروح الرسالة، لا بروح العقد الوظيفي فقط. هؤلاء قدّموا جهدًا علميًا وتنظيميًا يفوق أحيانًا ما تتيحه الشروط المادية أو الإدارية.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن بعض الكفاءات غادرت بصمت، لا بسبب ضعف الانتماء، بل بسبب شعور متراكم بعدم التقدير أو غياب أفق التطور. فالمؤسسة التي لا تجدّد دمها، ولا تفتح مسارات واضحة للتقدم الأكاديمي، تُخاطر بتحويل الالتزام إلى عبء.
وهنا يبرز سؤال مؤلم لكنه مشروع:
هل نجحت الأكاديمية دائمًا في الاحتفاظ بكفاءاتها؟
الإجابة الصادقة: ليس دائمًا.
رابعًا: الطلبة… حين تختلط الرسالة بالمنفعة
الطلبة هم مرآة أي مؤسسة. وقد استقبلت الأكاديمية طلبةً من أوضاع اجتماعية وسياسية صعبة، وقدّمت لهم فرصًا حقيقية للتعلّم. كثير منهم تعامل مع التجربة بامتنان وانتماء، وبقي على تواصل وجداني معها.
لكن التجربة كشفت أيضًا عن وجه آخر للعلاقة: طلبة رأوا في الأكاديمية محطة عبور لا أكثر. درسوا فيها بمنح، استفادوا من مواردها وسمعتها، ثم انقلب بعضهم عليها، إمّا بالتجاهل أو بالنقد غير المنصف، حين تغيّرت ظروفهم.
النقد هنا لا يطال حق الاختلاف، بل يطال غياب أخلاق الاعتراف. فالمؤسسة التي منحتك فرصة لا تستحق منك الولاء الأبدي، لكنها تستحق على الأقل عدم التنكّر.
خامسًا: ظاهرة “الخيانة الصامتة”
من أكثر الظواهر إيلامًا في مسيرة الأكاديمية، بروز ما يمكن تسميته بـالخيانة الصامتة:
أفراد عاشوا في كنف المؤسسة، وتدرّجوا فيها علميًا أو وظيفيًا، ثم ما إن انتهت مصالحهم حتى انسحبوا، أو تنكّروا، أو اصطفّوا ضدها عند أول منعطف.
هذه الظاهرة ليست شخصية، بل بنيوية، وتعكس أزمة أعمق في الثقافة الأكاديمية العربية، حيث تُقدَّم المصلحة الفردية على القيم المشتركة، ويُختزل الانتماء في المنفعة.
سادسًا: الوفاء… الأقل صخبًا والأكثر بقاءً
في مقابل ذلك، يبرز تيار آخر، أقل ضجيجًا لكنه أكثر رسوخًا: أساتذة وموظفون وطلبة ظلّوا أوفياء للأكاديمية، دافعوا عنها في غيابها قبل حضورها، وبعضهم بقي على هذا العهد حتى رحيله.
ويظل اسم البروفيسور لطفي حاتم (رحمه الله) علامة مضيئة في هذا السياق، لا لأنه الوحيد، بل لأنه جسّد معنى الانتماء الهادئ، والعمل الصامت، والالتزام الذي لا ينتظر مقابلاً.
سابعًا: النقد من أجل المستقبل لا من أجل الإدانة
إن أقسى ما يمكن أن تتعرض له مؤسسة أكاديمية هو تحويل النقد إلى محرّم، أو اختزاله في همس جانبي. فالنقد الصريح، حين يصدر من داخل التجربة، هو فعل وفاء لا خيانة.
الأكاديمية العربية في الدنمارك، وهي تقترب من عامها الثاني والعشرين، بحاجة إلى:
• مراجعة جريئة لتجربتها الإدارية
• إعادة تعريف علاقتها بكوادرها
• بناء ذاكرة مؤسسية صادقة، لا انتقائية
• والاعتراف بأن بعض ما حدث كان يمكن أن يُدار بشكل أفضل
خاتمة: ما الذي نريده من الأكاديمية؟
لا نريد منها أن تكون مثالية، بل أن تكون صادقة مع نفسها.
ولا نريد لها أن تُقدَّس، بل أن تُنقَد كي تتطوّر.
ولا نريد أن تُختزل في شهادات، بل أن تبقى فضاءً للقيم.
إن بقاء الأكاديمية العربية في الدنمارك، بعد أكثر من عقدين، ليس إنجازًا إداريًا فقط، بل اختبارًا أخلاقيًا مستمرًا. والاختبار الحقيقي ليس في عدد السنوات، بل في القدرة على الاعتراف، والتجدد، وعدم خيانة الفكرة التي وُلدت من أجلها.
والأفكار، بخلاف الأشخاص، لا تموت… لكنها قد تُهمَل.
2026-02-01