الأرض والفلاح في سوريا (الحلقة – 4)!
إعداد :علي رهيف الربيعي*
كانت الزراعة في سورية قبل الحرب العالمية الأولى تشكل اساس الاقتصاد السوري، ويقدر السيد ” م. روبين” (1) ان ٦٠ – ٧٠ ٪ من السكان كانوا آنذاك يعيشون من الزراعة ، في حين كان ١٠ – ١٥ ٪ من الصناعة والتجارة ، وكان دخل سورية عام ١٩١٢ يقدر ب ٨٧٠ مليون فرنك . يتأتى معظمه من الزراعة ( ٦١٠ مليون فرنك) ويحتل قطاع الحبوب والخضار القسم الاعظم منه ( ٤٥٠ مليون فرنك). أما الملكية فكانت نسبتها كما يلي :
٦٠ ٪ ملكية كبيرة، ١٥ ٪ متوسطة و ٢٥ ٪ ملكية صغيرة . وأكثر الملكيات لا تستثمر من قبل أصحابها بل تؤجر للفلاحين ، والنوع الشائع هو المحاصصة.
ولقد اعتبر ألكسندر جيب ان الوحدة الزراعية السورية التي يمكن أن توفر لأسرة الفلاح المتوسطة العدد ( ٦ أشخاص ) حياة كريمة ، ماديا ومعنويا هي اراضي لا تقل عن عشرة هكتار (12). ومن هذا نتبين ان مالكي هذه الملكية الصغيرة ، كانوا يعيشون دون الحد الأدنى الى هذا الحد أو ذاك.
وكانت السلطات الاستعمارية تجد في الاقطاعيين وعائلاتهم وزلمهم خير دعامة لتنفيذ سياستها الاستعمارية ، مما أدى إلى اتباعها سياسة من شأنها تقوية نفوذهم في الريف في مواجهة الفلاحين . مما أحال الاقطاعي في الريف إلى سيد اقتصادي وسياسي واجتماعي يستمد قوته من حراب المحتلين.
وتسود الزراعة شكل الاستثمار الغالب في ظروف تملك الأرض القائم في سورية وان استعراضنا للاشكال الأساسية للزراعة يعطينا فكرة واضحة عن ضخامة الريع العقاري الذي يفرضه الملاك الكبار على الفلاحين (3).
1- طريقة المرابعة : ويقدم فيها الاقطاعي للفلاح الأرض والسكن والماشية والبذار ويدفع الضريبة ، ويطالب الفلاح بعمله وعمل عائلته، وعند توزيع المحصول ، ينال الملاك ثلاثة ارباع المحصول، ويبقى للفلاح الربع فقط . هذا مع العلم ان أجور العمال الذين يحصدون المحصول يساهم فيها الفلاح بمقدار الربع . فإذا عرفنا غلاء أجور اليد العاملة في هذه الظروف بالذات لشدة الإقبال عليها ، وهبوط اسعار المحصول لتكاثر العرض، وحاجة الفلاح للنقد لوفاء ديونه امكننا تصور ما يبقى للفلاح من هذا الربع.
٢ – طريقة الشراكة الحموية : يقدم فيها المالك السكن والأرض ، في حين يقدم الفلاح العمل، أما النفقات الأخرى من بذار وماشية وغيرها فتدفع مناصفة ، وبعد دفع الضرائب وغيرها من النفقات يقسم المحصول مناصفة .
هنا الفلاح يتحمل نصف النفقات، بما فيها الضرائب التي هي خاصة بصاحب الأرض كنتيجة للتملك أو التصرف . ويقدم جهوده كلها وجهود عائلته طول العام مقابل أرض المالك . اي في الوقت الذي لم يعتد المالك ارجاع شيء إلى الأرض لتجديد قوة انباتها، يضطر الفلاح كل يوم لانفاق الحد الأدنى الضروري لتجديد قوة عمله وعمل عائلته ، ومن هنا نتبين عظيم الفارق بين دخل يناله المالك دون أن يرد منه شيئًا للأرض ، ودون ان يقابله اي عمل يقوم به . وبين دخل الفلاح المضطر كل يوم للاتفاق على تجديد قوة عمله وعمل عائلته.
لقد كانت سيطرة العلاقات الاقطاعية في الريف ، عائق كبيرا أمام تطوير الزراعة ، وتحرير الفلاح من قيوده، فالفلاح فقير وجاهل وضعيف على العموم ، لا يعرف كيف يحسن زراعته، ولا يملك المال اللازم لذلك ، في حين أن الاقطاعي لا ينفق على الأرض ما يسمح بتحسينها. بل يكتفي بما تعطيه الأرض من جهد الفلاح، لينفقه في اقنية التبذير العديدة. مما أدى إلى ضعف الإنتاجية وغلاء سعر الكلفة ،.
لقد عملت سلطات الانتداب الفرنسي على توطيد العلاقات الاقطاعية والتملك الضخم طوال مرحلة الانتداب ، ففي محافظة حماة التي كانت أراضيها الزراعية موزعة على ١١٤ قرية ، توزعت ملكيتها على النحو التالي : االعوائل :
آل البرازي، آل العظم، آل الكيلاني، آل طيفور.
في حين تملك اربع عوائل فقط ١٠٨ قرية من قرى المحافظة، واربع قرى فقط تعود ملكيتها للفلاحين. (4).
يتبع..
المصادر :
(1)مأخود عن مجلة آسيا الفرنسية عدد ٣٠٩ نيسان ١٩٣٣
((2) القضية الزراعية والحركات الفلاحية في سورية ولبنان ( ١٩٢٠ – ١٩٤٥) القسم الثاني. د. عبد الله حنا . دار الفارابي – بيروت ١٩٧٨
(3) يذكر الدكتور عبد الله حنا في المرجع السابق، أن العديد من الاقطاعيين ومتنفذي الريف ومشايخ العشائر نالوا أوسمة الاستحقاق تقديرا لاخلاصهم ومساعيهم في خدمة الانتداب ايام الثورة السورية . ويورد الخبر التالي المنشور في جريدة الأحوال البيروتية ١٦ شباط ١٩٢٧ : ” تمكنت سلطات الانتداب من موالاة زعماء القبائل القوية الضاربة في شمال سوريا على ضفاف الفرات كالأمير مجحم بن مهيد رئيس عشائر عنزة ، وأولاده إبراهيم باشا، والأمير مشعل باشا ، زعيم قبائل شمر وغيرهم من رؤساء القبائل الأخرى “.
((4) منير الحمش، تطور الاقتصاد السوري الحديث، دار الجليل ١٩٨٢
2025 /11 /10