بيان نويهض الحوت: رحيل ضمير فكري في زمن الإبادة!
غانية ملحيس
في زمن الإبادة المستمرة في قطاع غزة، حيث تتهاوى الجدران على الأجساد، وتغتال المدن كما تغتال الذاكرة، يثقل الفقد، وتتعاظم الخسارة حين يرحل من حمل الكلمة سلاحا، والتاريخ أمانة، والقضية بوصلة.
645 يوما من الإبادة المستمرة، وقطاع غزة ينزف، وفلسطين تقاوم، وفي القلب من كل هذا، ترحل الصديقة بيان نويهض الحوت، الصوت الذي لم يتعب من قول الحقيقة، والضمير الذي رفض المساومة، والمؤرخة التي جعلت من الذاكرة عملا مقاوما.
غادرتنا بيان في لحظة فارقة، حيث تنكشف أبشع وجوه المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني الإحلالي. وتختبر الكلمة من جديد: هل ما تزال قادرة على الصمود أمام النار؟
لقد أثبتت بيان، حتى الرمق الأخير، أن الكلمة موقف، وأن المؤرخ شاهد لا موظف، وأن المعركة على السرد لا تقل عن المعركة على الأرض.
القدس وبيروت وعمان: أوطان في قلب مثقفة
ولدت بيان نويهض الحوت في القدس عام 1937 لعائلة تجمع بين الجذور الفلسطينية واللبنانية، فوالدها هو المفكر والمناضل عجاج نويهض، ووالدتها الشاعرة اللبنانية جمال سليم.
بعد نكبة 1948، انتقلت العائلة إلى بيروت، ومنها إلى عمان لفترة قصيرة، حيث تابعت بيان دراستها الثانوية لبعض الوقت، قبل أن تعود لاحقا إلى بيروت لتكمل دراستها الجامعية وتستقر فيها.
رغم أن إقامتها في عمان كانت مؤقتة، إلا أن الأردن ظل حاضرا في عقلها وقلبها، كما لبنان وفلسطين. ربطتها بالأردن صلات وجدانية وثقافية، وبقيت تستذكر عمان كمحطة دافئة في مسار النكبة، ونقطة عبور نحو بناء الذات والمعرفة. وكما أحبت بيروت التي منحتها الحبر والمنبر، بقيت ترى في عمان امتدادا لأحلام فلسطين، لا ملجأً مؤقتًا فحسب.
استقلال فكري لا يتنازل
لم تكن بيان منتمية إلى أي تنظيم سياسي أو نقابة. اختارت منذ البداية أن تكون مثقفة مستقلة وملتزمة لا مؤطرة، رافضة التماهي مع أي سلطة، ومتمسكة بموقفها الأخلاقي من القضية الفلسطينية.
كانت قريبة في رؤيتها من تيار القومية العربية والمستقلين الفلسطينيين، ومن زوجها شفيق الحوت، أحد أبرز رموز هذا التيار، لكنها احتفظت بمسافة نقدية حتى من أقرب الناس، حين يقتضي الضمير ذلك.
مؤرخة المجازر والقيادات والشهداء
تميز مشروعها الفكري بكونه جسرا بين الذاكرة الشعبية والتحليل العلمي. ففي كتابها “صبرا وشاتيلا: أيلول /سبتمبر/ 1982”، قدمت بيان شهادة حية ومفصلة عن واحدة من أبشع المجازر ضد الشعب الفلسطيني خارج فلسطين. وكانت من أوائل من وثق الجريمة من موقع الشاهد والباحث، كاشفة التواطؤ والتوازي بين البنية الاستعمارية الصهيونية والنظام العربي الرسمي.
في كتابها “القيادة والمؤسسات في فلسطين”، أعادت بيان قراءة التاريخ الفلسطيني ما قبل النكبة بعين نقدية، كاشفة تفتت البنية السياسية وارتباك القيادة الوطنية في مواجهة استعمار مزدوج: بريطاني وصهيوني.
أما في “النكبة في حيفا كما يرويها أبناء المدينة”، فقد جمعت روايات شفوية من داخل المجتمع الفلسطيني المهجر، لتمنح الصوت لمن عاشوا الطرد والتشريد، مؤكدة أن السردية الفلسطينية لا تكتب فقط من فوق، بل من تحت، من لحم الناس وحكاياتهم.
وخصصت كتابا بالغ الحميمية عن والدها، بعنوان: “عجاج نويهض: الرجل، القلم، القضية”، لتوثيق تاريخ رجل مثل جسرا بين المشرق العربي وفلسطين، وربطت بذلك بين مشروع النهضة القومي وتجذر القضية الفلسطينية فيه.
سيرتها الأكاديمية والمهنية
درست بيان في الجامعة اللبنانية لسنوات طويلة، في كلية التربية وكلية الآداب، وكانت من الأصوات التي جمعت بين الصرامة الأكاديمية والالتزام السياسي الوطني. أشرفت على رسائل علمية، وقدمت محاضرات في عدد من المؤتمرات العربية والدولية، لكنها ظلت تعتبر أن أهم منبر لها هو الكلمة الحرة، وليس المنصة الرسمية.
إرثها الفكري
يتميز إرث بيان نويهض الحوت بالفهم البنيوي العميق للقضية الفلسطينية، وبتقديم نموذج للمثقف العضوي الذي:
• يؤرخ من الداخل الفلسطيني، وليس من منظور استشراقي ككثيرين.
• يوثق المجازر كسياسات ونهج استعماري وليس كأحداث عابرة.
• يرى النكبة كبنية تفكيك مجتمعي وسياسي وثقافي.
• يربط المقاومة بالمعرفة، ويمنح الرواية الشفوية شرعية تاريخية.
• يحلل أداء القيادة الوطنية بعيون نقدية، دون التشهير أو التجريح.
• يقدم نموذجا نسويا تحرريا حقيقيا، يعيد للمرأة الفلسطينية دورها الفكري لا الرمزي.
• يربط بين النهضة العربية وفلسطين، في مواجهة التفتيت والغيتوات السياسية.
• يفضح الصهيونية بوصفها عقيدة إحلالية استعمارية، وليست حركة قومية. بل جزء بنيوي وظيفي من نظام الحداثة المادية الغربي المهيمن
قائمة مختارة من مؤلفاتها:
- القيادةوالمؤسسات في فلسطين 1917–1948 (1986)
2. مذكرات عجاج نويهض: ستون عامًا مع القافلة العربية
( 1993)
3. عبدالقادرالحسيني: صفحاتمنسيرةجهادية (1995)
4. النكبةالفلسطينيةفيحيفاكمايرويهاأبناءالمدينة إعداد الدكتورة بيان نويهض الحوت، ويُعدّ من أبرز الأعمال التي توثق شهادات الناجين من نكبة عام 1948 في مدينة حيفا (1999)
5. صبراوشاتيلا– سبتمبر 1982 (2003 )
6. . عجاجنويهض: الرجل،القلم،القضية (2022)
7. . مقالات ومحاضرات منشورة في مجلات: الدراساتالفلسطينية،شؤونفلسطينية،الآداب وغيرها.
وداعا بيان…
برحيل بيان نويهض الحوت، فقدت فلسطين والأمة العربية واحدة من أنقى أصواتها، وواحدة من أكثر مثقفيها إخلاصا للحق ورفضا للزيف. لكنها لم تغب. من كتب التاريخ بالدمع والحبر لا يمحى.
ستبقى كلماتها في الكتب، وشهاداتها في الوعي، ومواقفها في الضمير العربي الحي.
ولأن الفقد هذه المرة ليس فكريا فحسب، بل شخصيا عميقا…
أودعها أنا، كما ودعها كل من عرفها وقرأها، بوصفها صديقة عزيزة كانت تقرأ مقالاتي دائما بعين ناقدة محبة، تسعى إلى التحسين والارتقاء، لا إلى الهدم أو المجاملة.
كانت تؤمن أن الفكر مسؤولية، وأن الصداقة الحقيقية تمارس أيضا في المجال العام، بالحوار والنقد والوفاء.
ولهذا، سيبقى حضورها جزءا من صوتي، ومن بحثي عن المعنى، وعن فلسطين التي أحبتها حتى الرمق الأخير.
سلام على بيان…
سلام على بيروت التي عاشت فيها وأحبتها. وعلى فلسطين التي انتمت إليها وسكنت روحها وعقلها وفكرها. وعلى عمان التي سكنتها لبعض الوقت وبقيت في قلبها.
وعلى الكلمة حين تقاوم، وعلى الذين لا يبدلون تبديلا.
لروحها الطاهرة الرحمة والسكينة، ولابنها هادر وابنتيها حنين وسيرين وعائلتي عجاج والحوت وتلامذتها وأصدقائها الكثر أحر التعازي.
يرحلالجسد،وتبقىالكلمة. وتبقىبيان،شاهدةعلىالحقيقة،وجسرابينالأجيال.
2025-07-12
اغتيال صفة اللجوء الفلسطيني في سوريا تحت ستار البيروقراطية
بقلم: خالد صالح عطية
في الوقت الذي ما زالت فيه غزة تنزف تحت قصف الاحتلال، وتتعالى فيه الأصوات لاستعادة الحد الأدنى من المعنى الإنساني والحقوقي للفلسطيني، تُطلّ علينا وثائق الولادة الجديدة الصادرة عن دوائر الأحوال المدنية في سوريا لتضع المولود الفلسطيني في خانة “الأجنبي”. ليست هذه حادثة فردية أو سهوًا إداريًا، كما يصرخ بعض الموظفين لتبرير ما لا يُبرَّر، بل هي تحوّل سياسي بنيوي يُراد تمريره بصمت، في سياق تصفية بطيئة ومقصودة للهوية القانونية والسياسية للاجئ الفلسطيني في سوريا.
أن يُسجل طفل فلسطيني وُلد في مخيم، لأبوين فلسطينيين، على أنه “أجنبي”، فذلك ليس خطأً، بل قرار مكتوم يتنكر لتاريخ من الالتزامات السياسية والقانونية. لم يُعلن أحد إسقاط المرسوم 260 لعام 1956، الذي كرّس معاملة الفلسطيني في سوريا معاملة المواطن في كل شيء عدا الجنسية، ولكن يجري الآن تفكيكه عبر الوثائق الصغرى، بأيدي موظفين بلا صلاحية، ولكن بتوجيه من فوق.
المفارقة أن المسؤولين في المواقع الرسمية يصفون الأمر بـ”الخطأ”، وكأن الدولة لا تعرف ما تفعل، أو أنها فقدت سيادتها على ورقة الميلاد. لكن الحقيقة أن “الخطأ” هنا آلية حكم مقنّعة، وهي من أدوات ما يُعرف في القانون الإداري بـ de facto policy: فرض الوقائع دون نص، وتشريع التغير دون اعتراف.
إن تسجيل الفلسطيني كأجنبي يعني أكثر من تلاعب في خانة الجنسية. إنه يعني: إلغاء صفة اللجوء السياسية والقانونية، التي هي جوهر حق العودة؛ وتجريده من الامتيازات المدنية التي حصل عليها بموجب التفاهم القومي بين سوريا وفلسطين؛ وتحويله إلى “مقيم عربي مؤقت” بلا حماية دولية، وبلا تمثيل، وبلا وطن مؤقت أو دائم. بهذا المعنى، ينتقل الفلسطيني من كونه لاجئًا صاحب قضية، إلى كونه فردًا زائدًا، يُعالج بوصفه عبئًا ديموغرافيًا أو ملفًا أمنياً.
في تاريخ العلاقة السورية–الفلسطينية، لم تكن صفة اللاجئ عبئًا، بل كانت جزءًا من هوية الدولة السورية نفسها. المخيمات لم تُبنَ كمنفى، بل كفضاء صمود. واللاجئ لم يُعزل، بل دُمج في التعليم والعمل والطبابة والحقوق، مع الاحتفاظ بخصوصيته السياسية كلاجئ. ما يجري اليوم هو انفصال رمزي خطير: تفكيك للميثاق القومي من طرف واحد، دون إعلان، ودون اعتذار. وكأن سوريا الجديدة – أو من يتحدث باسمها – تريد أن تُنهي هذا “الإرث”، وتدخل مرحلة “التصفير” التي لا تعني إلا تصفيتنا.
ما يجعل هذا التحول أكثر خطورة، هو أنه يجري في لحظة صمت فلسطيني رسمي، وغيبوبة نخب، وتشتت شعبي، وانهيار مؤسسات تمثيلية. لا أحد يسائل، ولا أحد يفاوض، ولا أحد يحتج. وكأن الفلسطيني في سوريا قد أصبح شاهدًا على موته البطيء، لا فاعلًا في مقاومته. المخيمات تصرخ، والهوية تُسحق، واللاجئ يُقصى من خانة التاريخ، ويُدرج بدلًا منها في خانة “الأجنبي”. ليس هذا فعلَ إدارة، بل فعل نفي وجودي محمّل بكامل أبعاد الخيانة الرمزية.
المعركة الآن لم تعد مع قانون أو مرسوم، بل مع فعل إداري بلا توقيع، ومع سياسة تنفيك بلا خطاب. وهذا يفرض علينا: تجميع وتوثيق كل حالات تسجيل الفلسطينيين كأجانب، ونشرها علنًا؛ إعادة تفعيل الصوت القانوني الفلسطيني داخل سوريا وخارجها، لحماية صفة اللجوء؛ مخاطبة الأونروا والجهات الدولية المعنية باعتبار هذا السلوك انتهاكًا صريحًا للحماية الدولية للاجئين الفلسطينيين؛ إطلاق حملة سياسية وثقافية لتذكير السوريين والفلسطينيين بتاريخ العلاقة المشتركة، التي يجري اغتيالها الآن بهدوء إداري مريب؛ وفتح حوار مع الجهات السورية الجديدة: هل ما يجري يعبر عن إرادة سياسية رسمية؟ وإن لم يكن، فهل يُقرّون بوقوع الجريمة؟
ليست القضية اليوم في خانة على ورقة الولادة، بل في موت قانوني منظم للصفة الوطنية والسياسية للاجئ الفلسطيني في سوريا. ومن يصمت عن النفي الإداري اليوم، لن يجد غدًا موطئ قلم ليكتب اسمه، ولا أرضًا يعترف بها أحد. فالدول لا تقتلنا بالرصاص فقط، بل تمحونا أحيانًا عبر خانات… لا أحد يراجعها.
2025-07-13