إعادة تدوير الأدوات الأمريكية في ولاية بايدن!
ايهاب زكي.

في الحقيقة لا أمتلك إجابة دقيقة أو شبه دقيقة، عن سبب تصويت أكثر من 70% من اليهود لصالح بايدن لا ترامب، رغم أنّ حكومة نتنياهو كانت ترغب في ولايةٍ ثانية لترامب ولو ظاهرياً، كما لا أملك أيضاً إجابة عن السؤال التالي، هل كان تصويت اليهود في أمريكا تصويتاً ضد نتنياهو لا ضد ترامب؟ فإدارة ترامب منحت “إسرائيل” ما استنكفت عدة إدارات أمريكية سابقة عن منحه، على سبيل المثال نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بضمّ الجولان المحتل، والانسحاب من الاتفاق النووي، كما أنّها جلبت المنبطحين على الأسوار سراً، إلى مخدع “إسرائيل” جهراً، ورغم خيبة أمل ترامب من خذلان اليهود له، فقد أرسل وزير خارجيته في جولةٍ شملت “إسرائيل” وزار مستوطنة كما الجولان المحتل، في وقت تسعى فيه إدارته لحلّ الأزمة القطرية فيما تبقى لها من وقت، وترسل القاذفة الاستراتيجية “بي52” إلى “الشرق الأوسط”، وكلها سلوكيات تدور في محور “إسرائيل”. فبينما تتخوّف حكومة نتنياهو من إدارة ترامب، كما يتساءل “وزير شؤون الاستخبارات” إيلي كوهين “هل يستطيع بايدن الاستمرار في سياسة ترامب الحاسمة تجاه إيران أم سيعود لسياسة الوهن والتردد”، إلّا أنّ اليهود منحوا أصواتهم لمن تتخوّف منه حكومة نتنياهو.

وبما أنّي لست خبيراً في شؤون الانتخابات الأمريكية، سأعتمد على ما يقوله محللون أمريكيون، رغم تناقض ما يقولون، فيقول بعضهم إنّ الرئيس الأمريكي هو الحاكم المطلق وهو من يرسم السياسات وينفذها، ويقول آخرون العكس تماماً، حيث إنّ الرئيس ما هو إلا موظف تنفيذي، ويكون للسمات الشخصية للرئيس بعض الآثار على هذه السياسة المرسومة سلفاً، وأنا أميل للرأي الثاني، حيث العمود الفقري للسياسة الأمريكية لا يستطيع الرئيس تغييرها بشكلٍ جذري، بل تُفرض عليه حتى عن غير رغبته، كما حدث مع ترامب في أوامر الانسحاب من سوريا مثلاً، لذلك نستطيع أن نفهم سلوكيات ترامب الانتقامية تجاه إدارة بايدن المقبلة، كمحاولات التوريط في حربٍ أو في انسحاب، ولكن لا نستطيع أن نفهم سعي إدارة ترامب لحل الأزمة القطرية في آخر ولايتها، مع أنّ ترامب يحاول تفجير الملفات في وجه بايدن لا تسكينها وحلها، ولكن بعيداً عن عتمات الغرف المغلقة التي لا نعرف ما يدور فيها، سنأخذ بظاهر الأشياء، مع الاستهداء بالمعرفة القاطعة بنوايا السوء الأمريكية.

كانت البداية في اتصال هاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وملك البحرين، وهذا اتصالٌ لا يمكن أن يتم دون إذنٍ سعودي للبحرين، ثم تصريح لمستشار الأمن القومي الأمريكي في إدارة ترامب روبرت أوبراين، بأنّ “إدارة ترامب تسعى لحل الأزمة الخليجية في الوقت المتبقي”، وتزامن هذا التصريح مع زيارة بومبيو لكلٍ من “إسرائيل” وقطر والسعودية، ثم تلا ذلك اتصال هاتفي بين الرئيس التركي والملك السعودي، ثم تصريح لوزير الخارجية السعودي “بأنّ العلاقات بين المملكة وتركيا ودية وطيبة”، رغم أنّ غبار آخر المعارك السعودية لمقاطعة البضائع التركية لم ينقشع بعد، لكنها بعد زيارة بومبيو أصبحت ودية وطيبة، كما أضاف الوزير السعودي “أنّ المساعي مستمرة لحلّ الأزمة القطرية، وستصل لنهايتها وقتما تنتهي بعض المخاوف الأمنية”. فالأزمة التي بدأت بالنية في اجتياح قطر، تنتهي بمجرد مخاوف أمنية قابلة للتجاوز، وفي ذات التصريح قال الوزير السعودي إنّ بلاده تشجع التطبيع منذ زمنٍ بعيد. وقد لفتني أنّ الإعلام السعودي بدأ في إرهاصات التحدث بالسوء عن “قسد”، بعد أن كانت مشمولةً بحقائب المال السعودي. كما ويلفت بيان أصدره ما يسمى بـ”الائتلاف السوري”، يتضمن ما سمّاه التجهيز للانتخابات المقبلة في سوريا لمنافسة حزب البعث.

بعد هذا الاستعراض السريع نصل إلى السؤال الذي نحاول الإجابة عنه، وهو هل تكون هناك سياسة أمريكية تسعى لتجهيز ميدان الصراع لإدارة بايدن ومضطرٌّ ترامب لتنفيذها بحكم وظيفته؟ وهل تقتضي هذه السياسة إعادة اللُّحمة لشتات الأدوات الأمريكية في المنطقة، حتى يتم ضمان استمرارية مسار التطبيع ولحاق آخرين به، وبقاء العقوبات على إيران وسوريا ومحور المقاومة ولكن دون ثغرات، ثغرات تسببها الخلافات والصراعات البينية للأدوات الأمريكية، فهذه السياسة الناعمة لبايدن تتطلب تكتلاً صلباً لمواجهة إيران وحلف المقاومة، والسؤال الأهم، هل لا زالت الولايات المتحدة قادرة على رسم سياسات فعلية وقابلة للتنفيذ؟ وهل أدواتها بعد الفشل الدامي على مدى عقدٍ كامل، قادرة على تنفيذ الرغبات الأمريكية؟ ولكن يبقى كل ذلك في إطار محاولات الاستشراف لا الجزم، ولكن القابل للجزم هو أنّ مصالح الولايات المتحدة في المنطقة هي ضمان بقاء “إسرائيل” وتفوقها عسكرياً وعلمياً، وضمان تدفق النفط، فهل هي لا زالت قادرة على تقديم هذه الضمانات بأدواتٍ متراصّة أو مبعثرة. وهذا أسهل الأسئلة جواباً، فالإجابة بالقطع لا، ولأنّ أمريكا تعرف هذه الإجابة، ستحاول عدم تعريض “إسرائيل” لخطر الزوال، من خلال تبريد جميع الجبهات لضمان استمرار قطار التطبيع، مع ممارسة سياسة التسويف في ملفات المنطقة الساخنة، من فلسطين إلى سوريا ولبنان واليمن وإيران والعراق، ولكن نجاح هذه السياسة سيعتمد على طبيعة الكلمة الأخيرة لمحور المقاومة.
‎2020-‎11-‎26