أيديولوجية الإمبراطورية الروسية القادمة!
عبدالله جناحي


فلاديمير لينين

“لا حركة ثورية، بدون نظرية ثورية” كان هذا شعار فلاديمير لينين، في العقد الأول من القرن العشرين، عندما قاد حزبه البلشفي الروسي نحو إسقاط النظام القيصري وتأسيس الجمهورية الاشتراكية الأولى في العالم الحديث. لقد تمكنت حركته الثورية من خلال النظرية الماركسية أن تحول روسيا إلى إمبراطورية سوفياتية عظمى.

وها هو فلاديمير بوتين، في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يعلن عن ميلاد (جيوبولتيك) جديد في أوروبا، وبعث جديد للأمة الروسية. فهل وراء هذه الحركة الأوراسية الجديدة نظرية أو أيديولوجية ما؟ ومن هو مُنظِر أو فيلسوف هذه الأيديولوجية؟.

إذا أردنا أن نفهم روح العصر التي تسود روسيا اليوم، فمن الضروري لنا أن نتعرف عن الأيديولوجية الجديدة/القديمة في روسيا عن طريق الإطلاع على أفكار ورؤى الفلاسفة والمفكرين الذين صاغوا هذه الأيديولوجية التي تبنتها بالفعل الحكومة الروسية عموماً، والرئيس بوتين على رأسهم خصوصاً.

لقد كشف بوتين بشكل واضح-وبالتدريج الذكي- عن الملامح الرئيسية لهذه النظرية/الأيديولوجية في خطاباته، والتي سنشير إليها في سياق هذا المقال.

ألكسندر دوغين

من هو مفكر أيديولوجية روسيا الجديدة ؟

هو ألكسندر دوغين، الذي ظهر في التسعينات من القرن الماضي أثناء فترة الرئيس بوريس يلتسن كلاعب هامشي في السياسة الروسية، وكمثقف غير معروف نسبياً، تنتشر أفكاره بين دوائر صغيرة من المثقفين والعلماء السياسيين. لكنه صعد صعوداً نيزكياً مع صعود الرئيس فلاديمير بوتين إلى السلطة باعتباره الرجل القوي الجديد لروسيا. لذلك تعتبر فلسفته وأفكاره مهمة، وهي الاتجاه السائد في السياسة والثقافة الروسية الحالية، وقد ازداد هذا التأثير شيئاً فشيئاً على صناع القرار في الكرملين وعلى عامة الناس. وذلك بسبب أن أفكاره تُعبر عن المشاعر العميقة للعديد من القيادات الروسية، وبالأخص بوتين الذي تبنى سياسات قريبة من أفكار هذا الفيلسوف، وأرسى سياسة خاصة تُعيد لروسيا بعضاً من مجدها السابق والذي أضاعته في مرحلة التحول إلى الاقتصاد الرأسمالي ونمط الحياة الغربية بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي.

يشير مقدمة الأستاذ علي بدر، مترجم كتاب دوغين (الخلاص من الغرب، الحضارات الأرضية مقابل الحضارات البحرية) تحت عنوان “ألكسندر دوغين والفكر السياسي الروسي بعد الإتحاد السوفياتي” يشير إلى أن المرحلة الحاسمة في هذا التيار القومي الروسي هي لحظة انخراط (دوغين) في مجلة (الغد/زافاترا) كجهاز حيوي للقوى الثقافية والسياسية المعارضة للقوى الليبرالية المتغربنة والسياسيين المتأثرين بالتجربة الغربية في روسيا، حيث كان رئيس تحريرها الكسندر بروخانوف، وهو واحد من أهم الشخصيات السياسية التي لعبت دوراً كبيراً في تشكيل الفكر السياسي الروسي لما بعد الإتحاد السوفياتي، فهو شاعر وروائي ومهندس صواريخ ومراسل صحفي شهير جداً غطى في فترة الإتحاد السوفياتي عدداً كبيراً من الحروب في آسيا وإفريقيا. ولقد لخص أفكاره الأساسية في مقالته/برنامجه السياسي بعنوان (إيديولوجيا البقاء) التي مَجَّدَ فيها عظمة الشيوعيين كحركة قومية حولت روسيا إلى دولة عظمى. رغم إنه مناهض شرس للماركسية كعقيدة سياسية، وأعلن أنه مناهض للأيديولوجيا السياسية الغربية بعد أن شاهد أسس الدولة القوية في روسيا قد انهارت تماماً على يد الليبراليين الروس المتغربنين. لقد أصبح بروخانوف منذ أواسط التسعينات القرن الماضي الشخصية الأهم في توحيد قوة الشيوعيين الروس مع اليمينيين القوميين في مواجهة الليبراليين المتغربنين في روسيا، كما كان القوة الدافعة وراء العديد من التحالفات الواسعة والابتكارات الأيديولوجية-بما في ذلك انتشار الأوراسية- ومن الواضح أنه أُعجب إعجاباً شديداً بأفكار(دوغين)، حيث استعاد معظم أفكار كتاب دوغين الأساسي ( حرب القارات) وضمنها في روايته (السيد هيكسوجين) التي حصلت على الجائزة الكبرى للأدب، والكتاب الأكثر مبيعاً في روسيا في عام ٢٠٠٢. فقد توافق الاثنان على العديد من المسائل، وانضمامهما إلى نخبة مثقفة من الوطنيين الجذريين تجسد علاقة وثيقة بماضي روسيا السوفياتية، هؤلاء المثقفون يرفضون البلشفية الأصلية وحتى يشككون في فلاديمير لينين، ولكن من جهة أخرى يثنون على دور ستالين وينظرون إليه كبطل قومي روسي رغم أنه جيورجي.

ومع التفكك التدريجي للإتحاد السوفياتي ١٩٩٠-١٩٩١ تحول نشاط دوغين وبروخانوف من كتاب ومحررين إلى منظمين سياسيين، واستطاعا منذ ١٩٩١ أن يؤسسا دائرة متميزة من المحللين الوطنيين كمساهمين في مجلتهم (الغد) مثل رئيس جامعة موسكو الحكومية السابق، ومدير المركز النووي الروسي، ومدير معهد الشؤون الاجتماعية والسياسية، ونخبة من العلماء والأكاديميين المعروفين وغيرهم.

في منتصف ١٩٩٢ احتكر دوغين تقريباً المجلة المركزية للمعارضة ضد الليبراليين الروس، وأصبح أحد المبشرين الرئيسيين للأفكار الأوراسية، ومنذ منتصف ١٩٩٤ أصبحت هذه الأفكار مؤثرة جداً على مجموعات النخبة في موسكو، وأصبحت عاملاً في تشكيل إيديولوجية مابعد الإتحاد السوفياتي. فهذا التحالف بين الشيوعيين والقوميين يذكر بالتحالف ذاته أيام الهجوم النازي على الإتحاد السوفياتي، لذلك تحولت هذه المجموعات المحيطة بدوغين إلى طاقة تحليل إيديولوجية وطاقة وطنية ودعائية مؤثرة، بل استمر دوغين في نشر فلسفته الأوراسية في صفوف الشباب والجيش وجهاز الأمن السري والأوساط الأكاديمية، وحاول تسريب أفكاره إلى الحركات والأحزاب السياسية الوطنية الجذرية. ومنذ عام ١٩٩٧ أصبح لديه برنامج إذاعي أسبوعي تحت مسمى (نهاية العالم) تمكن من خلاله اجتذاب العديد من طلاب الجامعات، وحين تم إيقافه تمكن من إنشاء برنامج ثانِ على محطة روسيا الحرة، وفي عام ١٩٩٩ تمكن دوغين من إلقاء محاضرات في الجغرافيا السياسية (الجيوبولتيكا) في الأكاديمية الروسية لهيئة الأركان العامة، ثم تعاون مع مجلة وزارة الدفاع حيث تم نشر الطبعة الأولى من أعماله التي كانت الأكثر تأثيراً على القيادات العسكرية الروسية، وبدأ يكتسب مكانة مهمة ومؤثرة في الأوساط العسكرية والسياسية والأكاديمية، بل أصبحت كتبه ونصوصه تدرَّس في مختلف مؤسسات التعليم العالي الروسية، ولاقت الاهتمام الكبير من قبل النخب الخاصة من العسكريين، وأصبح دوغين موضوع نقاش حاد وساخن بين المحللين العسكريين والمدنيين وفي المعاهد، بما في ذلك أكاديمية إدارة الدولة وفي مكاتب الإدارة الرئاسية في كرملين.

فلاديمير بوتين

السبب الرئيس لتبني نظريات دوغين

إن أول من انتبه لنظريات دوغين هم العسكريون الروس والمخططون الإستراتيجيون، فهؤلاء كانوا مندهشين من تهديد الغرب لروسيا بعد سقوط الإتحاد السوفياتي، ذلك إنه بالرغم من تحول روسيا إلى دولة ليبرالية وصعود سياسيين متغربنين كانوا يعملون بجد على دمج روسيا في الغرب الرأسمالي والثقافة الغربية، ورغم كل التنازلات الروسية (للناتو) على الصعيد العسكري والثقافي والسياسي وحتى الاقتصادي، إلا أن زحف الناتو على روسيا ومضايقتها وتهديدها والاعتداء على مجالها الحيوي ومحاولات تفكيكها لم تتوقف. من هنا انتبه العسكريون إلى الفكرة التي يطرحها دوغين حول الحضارات الأرضية والحضارات الأطلسية. فبالنسبة إلى دوغين روسيا هي حضارة أرضية، هذه الحضارة متحصنة في أرضها وفي مكانها ويقوم وجودها على المحافظة على تقاليدها، وهذا بحد ذاته يُشكل تهديداً خطيراً للحضارات البحرية والتي يسميها الأطلسية، وتسميتها في علم الجغرافية السياسية (بالثلاسقراطية)، فهذه الأخيرة تقوم بشكل لانهائي بمهاجمة الحضارات الأرضية، وبالتالي فإن هذا الصراع لن يتوقف أبداً حتى لو تغيرت الاتجاهات السياسية الروسية واستدارت بوصلتها نحو الغرب الليبرالي.

في تلك المرحلة كان بوتين قد صعد إلى السلطة السياسية بمساعدة الجماعات الوطنية والعسكريين والشيوعيين القوميين وجماعات الضغط من المثقفين والبرلمانيين الذين رأوا أن روسيا في طريقها إلى الانهيار. وبوتين سرعان ما تبنى من جانبه هذه النظرية وبشكل معلن سواء عن طريق تنفيذه للسياسات الداخلية والخارجية أو عن طريق خطاباته. إن الفيلسوف ألكسندر دوغين كمُنظر للأوراسية وعودة روسيا إلى الجذور، وإحياء تقاليدها، كان ينطلق من أفكار وفلسفة أحد أهم مُنظري روسيا القومية-كما يوضحه مترجم كتاب دوغين-، وهو(ليف غومليوف)، ويعتبر دوغين في واقع الحال هو شارح وعارض لنظرية غومليوف بشكل واضح للشعب الروسي المعاصر. ولذلك كانت نقطة الانقلاب الحقيقية في هذه النظرية وتحولها إلى واقعة عملية في السياسة الروسية حينما ورد أفكار غومليوف في الخطاب السنوي الذي ألقاه الرئيس بوتين في عام ٢٠٢١ أمام الجمعية الفيدرالية في قاعة سانت جورج في الكرملين. فبعد سبعة أشهر من تنصيب الرئيس بوتين لولاية ثالثة كرئيس لروسيا أرسل إشارة خفية إلى بعض النخب السياسية الروسية المؤثرة بأن الأفكار الجديدة قد وصلت معه إلى السلطة، هذه الأفكار التي اعتبرت قبل بضع سنوات فقط هامشية، أما الآن فهي ليست رسمية فقط وإنما هي”إيذان بنهاية عهد الوطنية المدنية غير المؤدلجة، وصعود عصر القومية المدوية، وصعود الفضائل القتالية للتضحية والانضباط والولاء والبسالة” كما ورد في ذلك الخطاب الذي ألقاه بوتين.

ليف غومليوف

ماذا أخذ بوتين من غومليوف؟

في ذلك الخطاب الذي عرضه التلفاز الروسي في عام ٢٠٢١، وأمام حوالي ٦٠٠ شخصية بارزة في روسيا، أشار بوتين إلى مصطلح لاتيني يستخدم بالروسية كما هو (العاطفة)، وهي “أن كل أمة لا تعتمد في وجودها على إمكانياتها الاقتصادية وحدها، وإنما أيضاً في القدرة على التحرك إلى الأمام بقوة وصرامة واحتضان التغيير لبناء عالم جديد”.هذا المصطلح سكه أشهر مؤرخ روسي قضى جل عمره في (الغولاغ) السجن السيبيري المعروف. وهو(ليف غومليوف) ابن الشاعر نيكولاي غومليوف الذي أُعدم بالرصاص في فترة التطهير الذي شنه ستالين على المجموعات المثقفة بحجة التآمر على ثورة أكتوبر الاشتراكية، وهو ابن الشاعرة أنا أخماتوفا. هذا المؤرخ حكم عليه لمدة ١٤ عاماً في سجن الغولاغ. أصحاب الفكر القومي الروسي يعرفون ماذا كان يقصد غومليوف من مصطلح (العاطفة) الذي استخدمه بوتين في خطابه المذكور. فالعاطفة لا تعني الشعور العاطفي لأمة من الأمم فقط، بل إنما هي المعاناة أيضاً، وهي نوع من الصلابة الجديدة والصمود الذي خبره خلال ١٤ عاماً في معسكرات الاعتقال في سيبيريا وهو يشاهد السجناء يموتون من الإرهاق والجوع وانخفاض درجات الحرارة؛ فسك مفهوم (العاطفة) كسمة مميزة للانبثاق الحماسي. فهؤلاء السجناء الذين أُجبروا على التصرف مثل الوحوش من أجل البقاء، جعلته يدرك أن فضائل المجتمع والصداقة والأخوة ليست علامة على تقدم الإنسان، بل أيضاً دافع غريزي مشترك بين جميع البشر، وقلة من هذه القلة تصبو وتحافظ على وجود الأمة. من هذه الفكرة تغذت البذور الفكرية الروسية الجديدة، مستعينة بالنظرية التي طورها المنفيون الروس في عشرينات القرن الماضي نتيجة لحنينهم المأساوي لروسيا وصدمة الثورة البلشفية التي أدت بهم إلى رفض فكرة غربنة روسيا وبرجزتها، فعثروا على انسجام هائل في أرواحهم مع وحشية الأتراك والمغول، فجعلوا روسيا تدين بتراثها للبدو الرحل الشرسين وقبائل السهوب في أوراسيا، مصحوبة بنبرة حازمة معادية للتنوير الذي شكل النظريات الاجتماعية الأوروبية والتي دفعت روسيا إلى نوع من الإبادة الجماعية والخراب. هذه هي مشاعر القوميين الروس وأحفادهم الحاليين المعاصرين برئاسة فلاديمير بوتين.

جيوبولتيكا المفكر دوغين

يتبنى دوغين وجهة نظر أممية محافظة وعرقية، ونوعاً ما شعبوية تصادمية وفاشية، تجمع بين السياسة المعادية للليبرالية الغربية والنزعة الروسية الإمبريالية والحنين إلى أيام الإتحاد السوفياتي السابق كجيوبولتيكي، منزوع عنه الفكر الاشتراكي. يشير مترجم كتابه المتقدم ذكره بأن دوغين يستوحي في كتاباته من فلاسفة مرتبطين ارتباطا وثيقاً بالحركات الغنوصية والميتافيزيقية التي انتعشت في أوروبا في الثلاثينيات القرن الماضي. ويعتبر نفسه ناقداً صريحاً للحداثة وللرأسمالية وللنظام الاجتماعي البرجوازي، ويحدد عدوه اللدود بوضوح وهو الولايات المتحدة الأمريكية. بالإضافة لعلاقاته الوثيقة بالكرملين والعسكر في روسيا، فهو يمتلك علاقات وتأثيًرًا قويًّا مع شخصيات سياسية وازنة في الغرب وشخصيات سياسية مهمة في العالم الإسلامي، وعلى العديد من صناع القرار السياسي في المنطقة، فضلاً عن العديد من الطيف السياسي الواسع في إيران وتركيا، ولا سيما في السنوات الأخيرة. كما أن تأثير الأوراسية يكاد يكون طاغياً في كازخستان وطاجيكستان وتركمانستان وقيزغيزيا. وهناك جمهور واسع مؤيد لأفكاره في أوكرانيا وأرمينيا، ولدى الجزء المعارض لطالبان في افغانستان، وعلى محور كامل في جنوب لبنان.-في سياق الكتاب يذكر دوغين أسماء هذه الشخصيات-.

هدف رؤيته الجيوبولتيكية هو التكامل الإقليمي مع أوراسيا والذي يجب أن يلعب دوراً رئيسياً في عالم متعدد الأقطاب. ولقد تمكن هذا التيار بعد سقوط الإتحاد السوفياتي من تأسيس منظومة (أوراسيك)، ثم منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وأخيراً بناء مشروع الإتحاد الأورو-آسيوي على نموذج الإتحاد الأوروبي.


يقينيات دوغين الجيوبولتيكية

من رؤيته السياسية في معاداة الليبرالية والنظم الغربية، يعتبر الحضارات الأطلسية الراهنة في طريقها للانهيار الوشيك بسبب تناقضاتها الداخلية، (إذ ستسمح”كحتمية تاريخية”! للنظرية الأوراسية بالانتصار الساحق. ولقد تَبَنّت الحكومة الروسية هذه الرؤية بوضوح بعد تدخل الجيش الروسي في أوكرانيا بتاريخ ١٤ فبراير ٢٠٢٢. فبعد يومين من هذا التدخل نشرت وكالة نوفستي الروسية مقالاً/بياناً مفعماً بمصطلحات ومقولات دوغين، لدرجة تحس بأن كاتبه هو دوغين نفسه. يقول المقال (عالم جديد يولد أمام أعيننا. لقد فتحت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عهداً جديداً تعيد روسيا بعث وحدتها، فمأساة عام ١٩٩١-المقصود إنهيار الإتحاد السوفياتي- هذه الكارثة المرعبة في تاريخنا أو الاختلاس المنافي لطبيعة الأمور تم التغلب عليها، تعيد روسيا بعث اكتمالها التاريخي بِلَّم الشعب الروسي معاً بكل مكوناته من روسيا الكبرى، وروسيا البيضاء، وروسيا الصغرى… هذا هو البعد الأول من هذا العالم الجديد. أما البعد الثاني فهي المرحلة الجديدة القادمة فتتعلق بعلاقات روسيا مع الغرب، ليس روسيا اليوم بل العالم الروسي، أي الدول الثلاث؛ روسيا وبيلوروسيا وأوكرانيا-هذا يعني بأن أوكرانيا أصبحت بلا رجعة جزءًا من العالم الروسي- الداخلين على المستوى الجيوبولتيكي كوحدة متكاملة… كان على الغرب الأوروبي أن يفهم قبل خمسة عشر عاماً، بعد خطاب بوتين في ميونخ بأن روسيا ستعود… ليس ثمة مغزى للتكامل الأوروبي مع بقاء السيطرة الأيديولوجية والعسكرية والجيوبولتيكية الأنجلوسكسونية على العالم القديم -المقصود الأمريكان-، ولأن الانجلوسكسون بحاجة إلى أوروبا الموجهة. ولكن الحصول على الاستقلال ضروري بالنسبة لأوروبا لسبب آخر أيضاً، وهو تحسباً لذلك الحدث القادم، حين تتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى الانعزالية نتيجة تفاقم الصراعات والتناقضات الداخلية، أو لتوجهها للتركيز على منطقة المحيط الهادئ حيث ينتقل مركز الثقل الجيوبولتيكي). مثل هكذا خطاب بات يتكرر في مواقف وخطابات روسيا. فرغم صحة معظم الأسباب الإمبريالية الأمريكية وسياساتها وإجراءات حلف الناتو تجاه روسيا أثناء وبعد انهيار الإتحاد السوفياتي ومحاصرة روسيا ومجالها الحيوي الأوراسي وتوابعه، والتي فرضت على روسيا هذا التدخل العسكري في أوكرانيا، ولكن الإستراتيجية الأوراسية حسب رؤية دوغين الجيوبولتيكية تفضح الواقع بشكل جليّ، فعلى روسيا استرجاع جميع الأراضي والدول والشعوب التابعة تاريخياً لروسيا وبأسرع وقت ودون تردد وباندفاع نحو التغيير المنشود لعالم جديد تكون فيه الإمبراطورية الأوراسية القطب المنافس والقوي في العالم. وكل من يفكك خطابات بوتين والخطاب الرسمي الروسي سيكتشف بأنهم جميعًا ملتزمون برؤية وأيديولوجية المفكر ألكسندر دوغين. لكن في كثير من الأحيان تصبح النظرية/الأيديولوجية بأحلامها المشروعة في طريق للوصول إلى أهدافها المثالية، والساسة وأصحاب التحكم في السلطة السياسية والعسكرية والاقتصادية في طريق آخر يتعارض في كثير من مفاصله مع الأهداف الحالمة للنظرية/الأيديولوجية. وهذا لربما حاصل بين نظريات دوغين والحكومة الروسية التي أعلنت تبنّيها هذه النظريات.

فحسب أطروحات دوغين في كتبه التي تتفق مع توجهات انبعاث الأمة الأوراسية، وصراعها الحضاري مع الحضارة البحرية الأطلسية المتمثلة بالولايات المتحدة. إلا أنها كفلسفة لا تدعي عالميتها ولا قطبيتها الوحيدة، ولا تفرض نفسها على الثقافات الأخرى كما فعلت الليبرالية طوال القرن العشرين وبداية هذا القرن. إن العقيدة الأوراسية تنطلق من أفكار قديمة منذ فترة القياصرة، مروراً بالمرحلة البلشفية وتحولها إلى عقيدة سرية محظورة في المرحلة الستالينية، ورجوعها من جديد وبقوة بعد انهيار الإتحاد السوفياتي.

ملامح العقيدة الأوراسية

تنقسم العقيدة الأوراسية إلى شقين؛ جيوبولتيكي، وأيديولوجي سياسي. الشق الجيوبولتيكي يعني الأوراسية بالمنطقة الممتدة بين أوروبا وآسيا وتشمل حضارات أربع؛ الحضارة الروسية، الحضارة الصينية، الحضارة الهندية، والحضارة الإيرانية. وهي حضارات أرضية تقوم بصراع أبدي مع الحضارات البحرية -الثالاسقراطية- والأطلسية مثل بريطانيا وفرنسا قديماً، والآن الولايات المتحدة. إن الحضارات البرية تتعلق بارتباط الناس بالأرض، فالفكرة الأساسية في هذا المفهوم أنها فلسفة تفسر للناس حياتهم وثقافاتهم من خلال الأرض التي يسكنونها، فهذه الشعوب تحافظ على القديم الروحاني، وتتصف بالشمولية والمحافظة، وتقاوم بضراوة قيم الحضارات البحرية التي تصفها بالتقلب. كما أن الحضارات الأرضية تنافي قيم الحضارات الدنيوية، وتعادي أفكارها ولا سيما الأفكار الليبرالية، وأن أيديولوجيا الحداثة وقيم عصر التنوير. طبقاً إلى هذه النظرية فإن روسيا والسلاف والرومان واليونانيين والصينيين والهنود والمسلمين، هم “كيان قاري” في حد ذاته يدعى (أوراسيا)، وهو تعريف قدمه الفيلسوف الروسي تشاداييف في عام ١٨٢٩م، حيث يقول “نحن لا ننتمي إلى أي من العائلات العظيمة للبشرية، نحن لسنا من الغرب ولا من الشرق، وليس لدنيا تقاليد لهذا أو ذاك، نتكئ بمرفق واحد على الصين والآخر على ألمانيا”. بيد أن هذا الفيلسوف عندما طرح هذا التعريف الحاد للقومية الأوراسية كان يعيش داخل صراع فكري وثقافي روسي هو أحد أقطابه في حين القطب الآخر كان يمثله الفيلسوف الروسي ألكسندر هرتزن الذي كان يقول”نحن الروس ذلك الجزء من أوروبا الذي يمتد بين أمريكا وأوروبا، ويكفينا ذلك”، وهذا يوضح الصراع داخل الثقافة الروسية بين الداعين للاندماج مع الغرب (المتغربنين) والسلافوفيل الذين يصرون على الطابع الشرقي الآسيوي لروسيا، ويبررون سياسة القوة الإمبريالية “لروسيا” إزاء القوة الإمبريالية الأطلسية. هذا الصراع الفكري الروسي بين القطبين تراجع بشكل كبير بعد انتصار الثورة البلشفية، وبالأخص أثناء وبعد التطهير الذي مارسه ستالين، والذي أدى إلى الموت والهروب والهجرة للكثير من هؤلاء المفكرين والمثقفين نحو الغرب الأوروبي وأمريكا. ولكن في ظل قناعتهم بعدم القدرة على استعادة النظام الملكي في روسيا، فقد بدؤا في إنشاء حركة معقدة وغير متجانسة بين القوميين الروس الكلاسيكيين والسلافوفيليين، واعترفوا من خلالها بالثورة البلشفية “كضرورة تاريخية”!، ودعموا النظام السوفياتي، ناظرين إلى الماركسية بوصفها نظرية خلاصية تحافظ على فكرة الإمبراطورية الروسية. ولكن مع عودتهم إلى الإتحاد السوفياتي تمت تصفية معظمهم. لقد غابت هذه النظرية القومية طوال المرحلة الشيوعية رسمياً، وحلت محلها الماركسية التي هي بالنهاية نتاج فلسفات أوروبية، وكما كأنها انتصار للعنصر الجرماني في الثقافة الروسية على العنصر الآسيوي. ولكن بدأت هذه الأفكار تنتعش من جديد بين سجناء (الغولاغ) الستالينية، وبعد سقوط الإتحاد السوفياتي ظهرت هذه الفلسفة على يد نخبة واسعة من المفكرين الروس، منهم الكسندر دوغين.

النظرية الرابعة لدوغين

أما الشق السياسي من العقيدة الأوراسية فقد قام دوغين بتعزيزها وأطلق عليها (النظرية الرابعة) في كتابه (الخلاص من الغرب)، حيث يشير مترجم هذا الكتاب في تقديمة بأن هذه النظرية هي خليط بين فلسفات صوفية واشتراكية وفاشية. فبعد فشل النظام الشيوعي والفاشي والليبرالي تأتي الإيديولوجية الرابعة لتشغل الفراغ التاريخي في مقاومة القطبية الأميركية ونزعة المركزية الغربية. وفي جوهر النظرية الرابعة هنالك النقد الموجه إلى الليبرالية والنيوليبرالية في التسليع والاستلاب -تماماً كما فعل الحزب الشيوعي الصيني في مؤتمره الأخير في عام ٢٠٢١ حيث أصدر تقريرًا مفصلًا يمدح فيه مزايا الديمقراطية الشعبية الصينية بقيادة الحزب الواحد، وينتقد الديمقراطية الانتخابية التنافسية الغربية والليبرالية، كما ينتقد منظومة شرعة حقوق الإنسان العالمية باعتبارها لا تتلاءم مع خصوصية وتاريخ الحضارة الصينية-.

في رؤية دوغين جميع الأنظمة السياسية في العصر الحديث هي نتاج لثلاث أيديولوجيات متميزة: الأولى والأقدم هي الديمقراطية الليبرالية، والثانية هي الماركسية، والثالثة الفاشية. وقد اعتبر أن الشيوعية والفاشية فشلتا وتلاشتا من صفحات التاريخ، ولم تعد الليبرالية تعمل كشيء مسلَّم به. ولذا يجد العالم نفسه اليوم على شفا واقع مابعد سياسي- واقع تكون فيه قيم الليبرالية تحاول أن تحتكر الخطاب السياسي وإغراق العالم في تشابه عالمي، وتدمير كل ما يجعل الثقافات والشعوب المختلفة فريدة من نوعها. والبديل بالنسبة إلى دوغين هو صياغة سياسية تصبح فيها كل حضارة من هذه الحضارات الأساسية الأربع قائمة هي وتأثيراتها على مجالها العضوي. فمجال روسيا العضوي هي الأقاليم الناطقة بالسلافية والديانة الأرثوذكسية وجنوب الإتحاد السوفياتي حتى تركيا. ويشمل المجال العضوي للحضارة الهندية والصينية كل مساحات آسيا الوسطى والغربية. أما الحضارة الإيرانية فإن مجالها العضوي هي المناطق الإسلامية كباكستان وأفغانستان والشرق الأوسط !! العقبة الوحيدة هي “إسرائيل” الممثلة للحضارات البحرية والغرب الكاثوليكي.-في كتابه الثاني يغير دوغين رأيه بشان الشرق الاوسط كعالم عربي ويطالبه بالوحدة والتكامل كجزء من تحالف عالمي ضد الحضارة الأطلسية الأمريكية-.

إن نظرية دوغين بمجملها تنظر إلى الدولة كقوة من أجل عقيدة سامية، وليست الدولة كما تدعو الليبرالية كوسيلة لتعزيز الرفاه والحريات الفردية والاقتصادية. لكن هذه النظرية تقدم من جهة أخرى نقداً مفصلياً للعقيدة النيوليبرالية التي أخذت تتحول إلى ما يطلق عليه بسياسة”مجتمع المشهد” وهو أحد مفاهيم الفيلسوف الماركسي الفرنسي ديبورد (١٩٣١-١٩٩٤)، وهي إحدى وسائل المشهد التي تحافظ من خلالها الرأسمالية على سلطتها في العالم الحديث من خلال اختزال جميع التجارب الإنسانية الحقيقية إلى صور تمثيلية في وسائل الإعلام، وبالتالي السماح للقوى بتحديد كيفية تجربة الأفراد للواقع. وهكذا أدخلت العالم في نوع من اللامنطق والفوضى والعبث من سياسات استهلاكية غير قائمة على أي محتوى قيمي، وإلى فساد سياسي، وإلى خنوع لرغبات الشركات الكبرى والطبقات الكومبردورية.


تفاصيل جيوبولتيكا المفكر دوغين

في كتاب دوغين الضخم (أسس الجيوبولتيكا، مستقبل روسيا الجيوبولتيكي) يقدم فيه رؤيته بشكل تفصيلي وعميق. فإذا كانت الماركسية وليبرالية آدم سميث تطرحان مقولة أن (الاقتصاد هو الذي يحدد المصير)، فمقولة الجيوبولتيكا الروسية تعتبر (التضاريس الجغرافية هي التي تحدد المصير)، حيث الجغرافيا والمدى المكاني يلعبان فيها الدور الذي تلعبه النقود والعلاقات الإنتاجية في الماركسية والليبرالية. ولذلك فالجيوبولتيكا تصلح في تفسير الماضي وفعاليتها اللامتناهية في تنظيم الحاضر وتصميم آفاق المستقبل. وعليه يرى دوغين بأن الجيوبولتيك هي كتاب السلطة الذي يلخص ما ينبغي وضعه في الحسبان عند اتخاذ القرارات الكونية المصيرية، كعقد التحالفات وشن الحروب والقيام بالإصلاحات أو الإجراءات الاقتصادية والسياسية على مستوى واسع.-لاحظوا بدقة الخطابات الرسمية الروسية وكثرة استخدام مصطلح الجيوبولتيك، ونظريات دوغين بشأن القطب الواحد وتعددية الأقطاب-.

يعيد دوغين رؤيته حول ضرورة الخروج من دائرة (القطب الواحد) الذي آل إليه العالم بعد انهيار الإتحاد السوفياتي والبحث عن الطريق التي يمكن أن تؤدي إلى ذلك، فالقوتان اللتان خاضتا الصراع على مدى القرن العشرين هما روسيا، الأوراسيا (القوة البرية) والعالم الغربي (القوة البحرية/الأطلسية) المقصودة الولايات المتحدة والدول الرأسمالية في أوروبا الغربية. ومع انتصار القوة الأطلسية على القوة البرية بدأت تفرض هيمنتها ورؤاها و”عولمتها” على العالم، وإقرار”أحادية القطب” على الصعيد الدولي، غير أن هزيمة القوة البرية ليست إلا ظاهرة مؤقتة تعود الأوراسيا بعدها إلى رسالتها القارية التي تتخذ صيغة جديدة وتحقق انتصارها-لاحظ أن هذا الكتاب صدر في عام ١٩٩٦ باللغة الروسية،ونفس المصطلحات والأفكار تستخدم الآن في الخطاب الروسي الرسمي، وآخره ما تم الإشارة إليه كبيان منشور في موقع وكالة نوفستي الروسية بعد دخول الجيش الروسي لاوكرانيا-.

لذلك يؤكد دوغين أن الخلاص من الوضع القائم في روسيا هو في (تجميع الإمبراطورية) الروسية السابقة واستباق ما يخشى حدوثه في المستقبل، كأن تقوم الصين بقفزة يائسة نحو الشمال -وهذا لم يحصل- أو تتحرك أوروبا باتجاه الأراضي الروسية الغربية -وهذا ما حصل-، أو يتجه المعسكر الإسلامي نحو التكامل مع آسيا الوسطى. ولذلك فالمطلوب من روسيا الحالية-من أجل أن تتحول إلى إمبراطورية- أن تقيم التحالفات التي تسمح لها بمد حدودها البحرية حتى أطول مدى، وأن تبتعد عن المادية والإلحاد وتولي الجانب الروحي الأهمية القصوى، وأن تسلك منهج المرونة في تسيير الاقتصاد وتتحاشى الخصخصة والرسملة، وأن تسير في اتجاه أخلاقي إنساني ديمقراطي وتعتمد مبدأ الاستقلال الذاتي، الثقافي منه واللغوي والاقتصادي والحقوقي بالنسبة لكل من الإثنيات والأعراق والشعوب الداخلة في الإمبراطورية الجديدة الأوراسية ذات قارية عظمى وعالمية في المستقبل. لذلك فإن معركة روسيا من أجل السيادة على العالم لم تبدأ بعد.
يتبع غدا
‎2022-‎05-‎03