القومية المصرية والجمهورية الجديدة!

بقلم ياسر رافع
إَن مشهد المصريون الذين أدوا صلاة عيد الفطر المبارك في القاهرة والمحافظات برغم تحديد عدد قليل من الساحات بسبب الإجراءات الإحترازايه وبعد تراجع وزير الأوقاف عن قراراته التي إستفزت الناس بمنع الإعتكاف في رمضان ومنع الأطفال من صلاة العيد. لهو مشهد كاشف لبداية مرحلة جديدة يصاحبها تغيرات عالمية سياسية ودينيه تجعل قراءتها بتمعن في ضوء شرارة البداية التي أطلقتها الحرب الروسية الأوكرانية شيئا ضروريا وملحا.
لقد صاحب إندلاع الحرب الروسية الأوكرانية إستدعاء الرئيس بوتين للقومية الروسية والدين كمحددين رئيسيين لشكل روسيا الجديدة والتي تقدم من خلالهما نفسها للعالم في ثوبا جديد يحمل سمات ما قبل الحداثه والثورة الصناعيه ويطرح في المقابل أسئلة كثيرة حول تراجع دور الإيديولوجيات والأفكار التي حددت شكل القرن العشرين بالكامل وإستدعاء الموروث المحمل بكل التناقضات مع المستقبل لمحاولة حسم الصراع العالمي.
لهذا كان مشهد قرارات وزير الأوقاف والتي تبين أنها تحمل جزءا سياسيا والذي جاء متزامنا مع غبار الحرب الروسية الأوكرانية والتى أريد لها أن تكون الرايات والقداسة الدينيه حاضرة وظاهرة. ليلقي مزيدا من الشحن العاطفي الديني داخل المجتمع ولكنه يقابل بمقاومة لا تخطأها العين.. فهناك من يرى من أنصار التيار السياسي الإسلامي أن ما حدث يقطع بأن مشروعه هو الأفضل رغم ما حدث خلال السنوات العشر السابقه. وهناك التيار القومي الذي رأي في الرئيس بوتين قبلة الحياة لزمن مضى وحاول تجاوز الشكل الديني الذي إستدعاه في الحرب. والليبراليون واليساريون الذين لم يتغيروا في تعاطيهم مع ما يحدث من أقوال مكررة حيث فصل الدين عن الدولة مع الحفاظ على تحيزهم الواضح لأحد جانبي الصراع العالمي فالليبراليون مع أمريكا والغرب واليساريون مع ما تبقى من الإتحاد السوفيتى السابق ووريثته روسيا الإتحادية.
وتبقى المؤسسات الدينية الكبرى كالأزهر والكنيسة تتظاهر بكونها غير معنية بما يحدث ولكن تظهر تفلتات بين الحين والأخر لتظهر أن تلك المؤسسات تنظر بحذر ناحية السلطة لتعرف إتجاهاتها وبناءا عليه تقرر ما عليها فعله.
ثم نأتي لسلطة تمارس الحكم منذ بداية جمهورية يوليو 1952 بشكل مدني ولكن بمحتوي ديني وتخاف الإندماج مع العالم ولهذا إتخذت شعار الوطنية كمظلة تتواري تحتها كل التناقضات بين مكونات الجمهورية الوليدة آنذاك وهذا نلمحه في كلام الرئيس عبدالناصر ” إن الشيوعيين عندهم أفكار جيدة لكني أختلف معهم في أمرين الأول موقفهم من الدين والثاني الأمميه التي تتجاوز الوطنية”. وكذلك نلمحة في سلوك الرئيس السادات الصارخ في إستدعاء الدين ولكن تحت مظلة الوطنية وهكذا سار على دربه الرئيس مبارك.
ثم قامت ثورة 25 يناير 2011 وما تلاها في 30 يونيو 2013 وقامت شرعية جديدة ولكن الدين كان حاضرا وبقوة ولم يختلف سلوك النظام السياسي الحالي عما سبقوة حيث الشكل المدني ذا المكون الديني تغلفهما مظلة الوطنيه. وأصبح بناء المساجد الكبرى والكاتدرائيات وإستدعاء الإسلام السياسي تارة والتصوف تارة أخرى وإستدعاءا للمكون السياسي المدني على فترات للمشورة والحوار كسمات ثابته لشكل نظام دولة يوليو 1952 الممتد وهي سمات لم تعطي شكلا واضحا لطبيعة وشكل الجمهورية خصوصا مع الإنتقال من النظام الإقتصادي الإقطاعي إلى النظام الإشتراكي ثم إلى النظام الرأسمالي الذي لم تكتمل ملامحه النهائية بعد.
ولهذا كان طرح مصطلح الجمهورية الجديدة من قبل الرئيس السيسي في ظل التحولات والرسائل التي بعثتها الحرب الروسية الأوكرانية محل نظر يجب الإلتفات إليه حيث أن المكون السابق بشكله المدني والديني بمظلة وطنية لم يعد صالحا خصوصا مع تبني شكل إقتصادى نيوليبراي يتسم بالقسوة ويساعد على الإنقسام المجتمعي ولهذا لم يعد يجدي بناء المساجد والكاتدرائيات مالم توضع في سياق يؤشر لما هو قادم خصوصا وأن تيار الإسلام السياسي الحركي لم يعد صالحا للإستدعاء خصوصا بعد تجربة حكم الإخوان المسلمين. وكذلك التصوف الذي لن يستطيع التوفيق بين مطالبات الدولة والشعب المادية بسبب طبيعته وكذلك عدم فتح مساحه أكبر للأزهر والكنيسه لممارسه دور يجب مشورتهم فيه قبل إقراره. كل هذا مع تراجع فادح للمكون المدني وأفكاره الغير متجددة وشروخ عميقة في تعريف مصطلح الوطنيه في ظل عالم متغير جديد.
لهذا يمكن طرح فكرة القومية المصرية التي تحدد شكل وطبيعة حركة مصر مع جيرانها ومحيطها منطلقة من المكون الحضاري الخاص بها كأحد المكونات الرئيسية تضاف للمكون المدني والدينى والوطني لتساعد على تماسكة وإلا فإننا أمام جمهورية ستجد نفسها مجبرة على التلويح بالكتاب المقدس في وجه الجماهير الغاضبة من أجل محاولة تبرير سلوكها كما فعل الرئيس الأمريكي ترامب وسيصبح الدين سيفا مسلطا من الجميع في وجه الجميع وساعتها لن يجدي إستدعاء الوطنيه للجم هذا الصراع ولكن يمكن لجمه في إطار المكون الحضاري المصري.
مصر تستطيع خلق مكون سياسي جديد إذا خلصت النوايا
‎2022-‎05-‎03