عميرة أيسر
عملت منظومة حلف الناتو في السنوات الأخيرة وفق استراتيجية سياسية وأمنية وعسكرية مدروسة على محاولة احتواء الدول الواقعة جنوب البحر الأبيض المتوسط، والتي تعرف اختصاراً ب(MENA) بما فيها تلك المتاخمة للدول الأوروبية المنضوية تحت لواءه، والتي يعتبرها حلف الناتو مناطق نفوذ جيواستراتيجي لن يسمح لمنافسيه التقليديين كروسيا والصين بتوقيع اتفاقيات للشراكة الاستراتيجية معها، وخاصة الجزائر التي تعتبر من أهم الدول في البحر الأبيض المتوسط أهمية من الناحيتين الاستراتيجية والاقتصادية، وذلك باعتبارها بوابة إفريقيا الكبرى والشريان الرابط بين ممراتها البرية في شمال ووسط وحتى جنوب القارة الأفريقية، وكذا لإطلالها على شبه الجزيرة الايبيرية، والتي تضم كل من اسبانيا والبرتغال وأندورا ومنطقة جبل طارق، الذي يعد واحد من أهم المضائق البحرية في العالم، إذا تمر منه حوالي 250سفينة شحن سنوياً، ويربط بين شمال إفريقيا وأوروبا، ويفصل بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، والواقع بين المغرب وإسبانيا.
كل هذه المزايا الجيواستراتيجية بالإضافة لغناها بمختلف الثروات الطبيعية والطاقية، جعلتها مطمع للقوى الغربية التي لا تزال ترى في الجزائر أحد الركائز المهمة للسيطرة على شمال أفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط ككل، حيث عملت تلك القوى الكبرى والتي لها إرث استعماري طويل وممتد في القارة السمراء، وذلك بدعم وضوء أخضر أمريكي في إطار منظومة حلف الناتو العسكرية، على محاولة اخضاع الجزائر واضعافها ومنعها من تطوير قدراتها العسكرية والدفاعية، وامتلاك أسلحة نوعية ردعية تكون بمثابة الدرع الحصين للبلاد في وجه أي اعتداء خارجي.
فالجيش الجزائري الذي بات يمتلك أحدث أنظمة الرصد والاستطلاع القادرة على رصد كل تحركات قوات الناتو سواء تلك المتواجدة ضمن قواعده في دول البحر الأبيض المتوسط كإسبانيا، أو في قواعده العسكرية في دول الجوار الإقليمي للجزائر، بالإضافة لامتلاك الجزائر لأحدث أنواع الطائرات الروسية المقاتلة المتطورة من نوع سوخوي 35 أو ميغ 29وغيرها، إلى جانب ذلك أصبحت البحرية الجزائرية تعد الأقوى في حوض البحر الأبيض المتوسط، وذلك لامتلاكها أسطولاً حديثاً ومتطوراً جداً يتكون من أقوى أنواع السفن والبوارج الحربية، يضاف إليها امتلاك الجزائر لغواصات من نوع كيلو “636”، المزودة بصواريخ من نوع “Klub S”، كما أشار إلى ذلك موقع Menadefenseالفرنسي المتخصص في التحليل العسكري سنة 2018م، حيث أصبحت الجزائر تحوز على 8غواصات حديثة الطراز روسية الصنع، لتصبح في المركز 15عالمياً من حيث قوة أسطول الغواصات، وفق ما ذكر موقع غلوبال فاير المتخصص في الشؤون العسكرية. مثلما ذكر موقع العربية، بتاريخ 24سبتمبر/أيلول 2021م، في مقال بعنوان( الجزائر في طليعة ترتيب اسطول الغواصات عربياً وأفريقياً).
فهذا الجيش الذي يصنف في المرتبة 31عالمياً، لا يمتلك للأسف السلاح النووي، الذي يعتبر حسب المفاهيم العسكرية سلاح ردع استراتيجي شامل، والذي في حال امتلكته الدولة الجزائرية فإنها ستدخل نادي الكبار، وبالتالي ستتغير الكثير من المعادلات الاستراتيجية في المنطقة، فالجزائر بالرغم من قوتها العسكرية الكبيرة، إلا أنها لا تزال تعاني من غياب قوة اقتصادية وصناعية داعمة للمواقف الجزائرية الثابتة تاريخياً كدعمها لحق الشعوب في تقرير مصيرها، أو رفضها للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وعدم تماهيها مع السّياسة الغربية الامبريالية، التي تسعى لفرض قيمها ومصالحها على بقية الدول، وباستعمال القوة العسكرية إن اقتضى الأمر ذلك، والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة ومتواترة.
وبالتالي فالجزائر ستدفع ثمن مواقفها من الناحيتين السّياسية والاقتصادية، لأن دول منظومة حلف الناتو والتي تعتبر العديد منها كفرنسا وألمانيا وتركيا شركاء اقتصاديين مهمين لها، وفي مجالات عديدة، ستحاول استعمال ورقة الاستيراد واحتياج الجزائر للسلع الغربية الاستهلاكية، وورقة شركات النقل البحري الأوروبية وخاصة الفرنسية، وذلك لافتقار الجزائر لأسطول بحري تجاري كبير، قادر على تلبية حاجياتها في المجال التجاري، لابتزازها بعد أن اختارت الجزائر أن تحافظ على سيادتها القومية، ورفضت الكثير من العروض المغرية التي قدمها لها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي كان من بينها الموافقة على إقامة قاعدة عسكرية له في الصحراء الجزائرية في مقابل إقامة مشاريع استثمارية كبرى في العديد من المدن والمناطق الجزائرية، أو أن يكون لقواته مقرات دائمة فوق التراب الجزائري، وذلك من أجل مراقبة الأوضاع والتجسس على دول الجوار، أو مراقبة تحركات الجماعات الإرهابية في دول غرب إفريقيا، أو دول منطقة السّاحل الأفريقي.
وهو الأمر الذي ترفضه الجزائر وبشدّة، بالرغم من أنها تعيش منذ سنة 2019م، أزمة اقتصادية حادة، وذلك بسبب تراجع احتياطي الصرف من العملات الصعبة، وانهيار قيمة العملة الوطنية، بالإضافة إلى ازدياد نسب التضخم والركود الاقتصادي، وتداعيات أزمة كورونا التي ضربت العديد من القطاعات الحيوية والخدماتية واصابتها بشلل شبه تام، وانهيار أسعار المحروقات في الأسواق الدولية.
فالجزائر التي لطالما حاولت الحفاظ على سياسة التوازنات في المنطقة، وعدم الانحياز لأي طرف، وتغليب لغة العقل والمنطق والدبلوماسية في التعامل مع مختلف الأزمات الدولية، ومحاولة التدخل لحل الملفات الإقليمية الشائكة بما يحفظ الأمن والاستقرار في إطار احترام الشرعية الدولية و مراعاة تطبيق القانون الدولي و السيادة الوطنية للدول، اضطرت لقطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، وذلك لعدة أسباب سياسية وأمنية واقتصادية، وهو ما أدى لتأجيج الأوضاع في المنطقة، وتوقيع المغرب لعدة اتفاقيات أمنية وعسكرية و اقتصادية مع الكيان الصهيوني، في إطار اتفاقيات التطبيع العربية التي عرفت “سلام ابراهام “، والذي تعتبره الجزائر من ألد أعداء ها الذين يشكلون خطراً استراتيجياً على الأمن القومي للدولة.
وهو الكيان المحتل الذي يعتبر من أهم الشركاء الأستراتيجيين لحف الناتو، والذي يحاول باستعمال شتى الطرق والوسائل زعزعة أمن واستقرار الجزائر، وحاول استغلال الحرب الروسية الأوكرانية من أجل دفع الولايات المتحدة الأمريكية لفرض عقوبات اقتصادية على الجزائر، التي رفضت التصويت على قرار غربي يدين روسيا في الأمم المتحدة، إذ أنها تعتبر موسكو حليف استراتيجي وعسكري موثوق، ومن أجل ذلك رفضت المطالب الأمريكية بزيادة حصص الدول الأوروبية من الغاز، حيث أن الغاز الجزائري يغطي حوالي 11 بالمائة من احتياجات أوروبا الطاقية، وذلك في محاولة من واشنطن لإيجاد بدائل آمنة وذات تكفلة أقل من أجل تعويض الغاز الروسي الذي يغطي معظم احتياجاتها السنوية الطاقية من هاته المادة الحيوية.
فالولايات المتحدة الأمريكية التي تعمل بشكل حثيث على إخراج حلفاءها الأوروبيين من الأزمة الطاقية الحالية، تريد من الجزائر إعادة تشغيل أنبوب الغاز الذي كان ينقل الغاز إلى اسبانيا مروراً بالأراضي المغربية، والذي استغنت عنه السلطات الجزائرية منذ تاريخ 5أكتوبر/تشرين الأول 2021م، مع مطالبتها بزيادة كميات الغاز الموردة لإسبانيا، والتي لم تحترم الاتفاقيات الموقعة مع الجزائر حيث قامت بإعادة توريد الغاز الجزائري للمغرب وبأسعار مضاعفة، وهو ما أغضب السلطات الجزائرية التي باتت ترى في مدريد شريكاً تجارياً غير موثوق، والتي تعتبر من أكثر الدول تضرراً من انعكاسات القرار الروسي ببيع الغاز للدول الغير الصديقة بالروبل في محاولة منها لكسر العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها من الدول الغربية، وزيادة نائبة وزير الخارجية الأمريكي ويندي شيرمان التي قادتها لكل من الجزائر والرباط ومدريد، كانت تهدف لمناقشة هذا الملف الاستراتيجي بالنسبة لواشنطن. كما ذكر موقع الأهرام المسائي، بتاريخ 19مارس/أذار 2021م، في مقال بعنوان ( الجزائر ترفض طلباً أمريكياً لزيادة امدادات الغاز إلى أوروبا).
فالضغوط الغربية ستزداد على الجزائر بالتأكيد وذلك لإجبارها على الاصطفاف إلى جانب أمريكا وحلفاءها في المنطقة، وقد تصل هاته الضغوطات لفرض عقوبات اقتصادية أو التلويح باستخدام القوة العسكرية، من أجل تغيير النظام كما حدث في ليبيا، أو مساومة الجزائر سياسياً في ملفات إقليمية ذات أهمية كبيرة لدى الجزائر كقضية الصحراء الغربية، أو ملف الإرهاب في ليبيا ومالي، وقد تحاول دول حلف الناتو اشعال فتيل حرب أهلية داخلية، لتقسيمها وبسط نفوذها بالكامل على مناطق تواجد البترول والغاز، خاصة وأن الدول الأوروبية أبدت انزعاجها الشديد من اتفاقيات الشراكة والتعاون التي وقعتها الجزائر مع روسيا في مجال الطاقة النووية، كالاتفاق الذي تمّ توقيعه سنة 2014م، وهذا ما فتح باب التأويلات والتكهنات على مصراعيه، وأدى لازدياد نشاط أجهزة الاستخبارات الغربية، التي تتخوف من تحوّل ذلك التعاون النووي السلمي لتعاون عسكري سري في المجال النووي، ونقل تكنولوجيا صناعة الأسلحة النووية من روسيا إلى الجزائر، فالجزائر بدأت تتعامل بمنطق الندية مع الغرب في الكثير من الملفات الأستراتيجية الحساسة، وتفرض شروطها واملاءاتها في ما يخص سياستها الخارجية، وهذا ما بدأت دوائر صنع القرار في العديد من الدول الغربية في دراسته، وهو الشيء الذي يؤكد بأن حلف الناتو قد فشل في تحويل الجزائر لدولة تابعة تدور في فلك المنظومة الغربية كما هو الحال بالنسبة للعديد من الدول العربية والأفريقية.
_كاتب جزائري
2022-03-31