هل تتجه ألمانيا نحو تغيير عقيدتها العسكرية مستقبلاً؟
عميرة أيسر
تعتبر ألمانيا من الدول المركزية في المنظومة الغربية، ومن حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية الأستراتيجيين المهمين في أوروبا، وبالرغم من أن ألمانيا تعتبر من الدول المتطورة جداً من الناحيتين الاقتصادية والصناعية، حيث يعد الاقتصاد الألماني أكبر اقتصاد منتج على المستوى الأوروبي، كما يحتل المرتبة الرابعة عالمياً بعد كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان، بالإضافة إلى النفوذ الكبير الذي تحظى به برلين في مختلف المؤسسات الأوروبية ومنها على سبيل المثال لا الحصر الاتحاد الأوروبي، والتي تعتبر من أكبر الدول المساهمة فيه مالياً، وتتحكم بالتالي في الكثير من قراراته السّياسية السيادية، ولكن لا تزال ألمانيا تعتبر قوة عسكرية متواضعة، اذا ما قورنت بنظيرتها الفرنسية أو البريطانية، حيث لا يتجاوز حجم الإنفاق العسكري الألماني على التسلح 1.2بالماء من الناتج الإجمالي المحلي للبلاد.
فهذا البلد الأوروبي الذي استطاع خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية وابان فترة العهد البروسي في القرن 19، اخضاع الكثير من الدول الأوروبية والسيطرة عليها، والذي كان يحظى في تلك الحقبة من التاريخ بتأييد شعبي واسع، سرعان ما تحول هذا التأييد إلى نفور جماعي للشعب الألماني من مؤسسته العسكرية، وذلك بعد المصائب والكوارث التي جرتها عليه جراء تلك المغامرات الغير محسوبة العواقب، وهذا ما يدفع الكثير من الألمان إلى رفض امتلاك بلادهم لجيش متطور، بل يعارض هؤلاء امتلاك ألمانيا لقوات عسكرية مسلحة من الأساس، وهذا ما يتعارض كلية مع تصورات المستشارة الألمانية السّابقة أنجيلا ميركل، التي وكما يقول السّياسي الألماني ورنركريتشل الذي يعرف جيداً كيف تفكر، إن المستشارة ” تريد جيشاً ألمانيا قوياً، يتحمل مسؤوليات دولية، ولكن الصعوبة التي تواجهها هي أن الشعب الألماني يعارض انشاء جيش قوي “.كما ذكر موقع الخليج أون لاين، بتاريخ 16جويلية/يوليو 2017م في مقال بعنوان ( هل تصبح ألمانيا قوة عسكرية؟).
وقد عانت ألمانيا الاتحادية كثيراً، وخاصة في عهد حكم الرئيس الأمريكي ترامب من غياب جيش ألماني كبير وقوي، وقادر على تغيير معادلات القوة والنفوذ في أوروبا، وخاصة بعد المواقف الأمريكية السلبية من أزمة جزيرة القرم سنة 2014م، والسماح لروسيا باحتلالها بكل أريحية، وكذا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومن دول منظومة البريكست، وذلك بعد الاستفتاء الشعبي الذي حصل بتاريخ 23 جوان/يونيو 2016م، حيث أيد أزيد من 51.9 بالمائة من البريطانيين الإنسحاب من هذا الاتحاد القاري، وبالتالي خسرت أوروبا قوة عسكرية نووية مهمة جداً في القارة العجوز مثل بريطانيا، إضافة إلى تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية للتحالف الأنجلوسكسوني الذي تراه ألمانيا وعدة دول أوروبية محاولة أمريكية لحصارها في الزاوية، تمهيداً لحل حلف الناتو، وهذا ما ألمح إليه الكثير من السّاسة في واشنطن بما فيهم الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، وهذا ما دفع بصناع القرار في برلين لإعادة التفكير في مختلف السّياسات الألمانية المنتهجة منذ إعادة توحيدها بعد انهيار جدار برلين في 13أكتوبر/ تشرين الأول 1990م.
وضرورة الاستفادة من الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، من أجل إعادة هيكلة و تحديث القوات المسلحة الألمانية، خصوصاً وأن ألمانيا تعتبر من الدول الرائدة عالمياً في صناعة مختلف أنواع الأسلحة المتطورة وتصديرها وخاصة الغواصات، وحسب تقرير صدر عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولية (SIPRI)، نشر في شهر مارس/أذار الماضي، فقد شهدت صادرات الأسلحة الروسية والصينية تراجعاً خلال الفترة ما بين عامي 2016-2020م، قابله نمو لدى الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا، ضمن البلدان الخمسة الأكثر تصديراً للسلاح، وأضاف التقرير بأن ألمانيا التي تعتبر كرابع مصدر للأسلحة في العالم، قد زادت صادراتها بنسبة 21بالماءة في الفترة ما بين 2016-2020م، لتشكل حصتها 50بالماءة من الحصة الإجمالية العالمية. كما ذكر موقع العين الإخبارية، بتاريخ 3نوفمبر/تشرين الثاني 2021م، في مقتل بعنوان ( عزوف عالمي عن شراء الأسلحة الألمانية، والحكومة تبحث عن الأسباب).
فألمانيا التي تسعى لضمان الأمن الجماعي لأوروبا، وبناء جيش أوروبي موحد يكون قادراً على حمايتها من مختلف التهديدات العسكرية خصوصاً بعد الموقف الأمريكي السلبي من الحرب الروسية على أوكرانيا، وعدم قدرة الجيش الألماني ومختلف الجيوش الأوروبية المنظمة لحلف الناتو، على التدخل عسكرياً بصورة مباشرة في أوكرانيا وبشكل منفرد، لأنها لا تمتلك القدرات العسكرية والقتالية التي تمكنها من مواجهة قوة عسكرية كبرى كروسيا، وبدون أخذ الضوء الأخضر من واشنطن، التي أعلن رئيسها جوزيف بايدن بأن بلاده لن تتدخل عسكرياً ضد القوات الروسية في أوكرانيا، ولن يرسل قواته للدفاع عنها، كل هذه المتغيرات الحاصلة في أوروبا دفعت بالمستشار الألماني الحالي أولاف شولتس الذي خلف أنجيلا ميركل في قيادة البلاد، والذي يعد رابع مستشار لألمانيا من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بعد كل من فيلي برانت و هيلموت سميث و غيرهارد شرويدر، وهو الذي تبنى سياسة برغماتية في السّياسة الدولية، وتبنى نهج الاشتراكية الراديكالية كحل للتغلب على الاقتصاد الرأسمالي. كما ذكر موقع DW الألماني، بتاريخ 8ديسمبر/كانون الأول 2021م في كقتل بعنوان ( أولاف شولتس، من هو مستشار ألمانيا الجديد بعد أنجيلا ميركل؟).
لزيادة حجم الإنفاق العسكري على الجيش الألماني لما يقارب 100مليار يورو، وهو ما يمثل 2بالماءة من الناتج القومي الإجمالي لألمانيا، وتحديث سلاك الجو بأحدث أنواع الطائرات الأمريكية المقاتلة من نوع F.35و القادرة على حمل رؤوس نووية، والتي تعوض طائرات التورنيدو القديمة، الغير قادرة على مجاراة طائرات روسية وصينية متقدمة جداً، والتي تتخطى سرعتها حاجز الصوت كالسوخوي 35 الروسية الصنع، أو نظيرتها الصينية الشبحية جي 20، بالإضافة لتوقيعها لاتفاقية عسكرية مع الجانب الأمريكي، والتي بقيت معظم بنودها سرية تقضي بالابقاءعلى الصواريخ النووية الأمريكية فوق الأراضي الألمانية، وهي المخبأة في أماكن سرية، منذ عشرات السنين، والتي لطالما طالبت واشنطن برلين بضرورة إعادتها للجيش الأمريكي في أكثر من مناسبة.
فهذه السياسة الدفاعية التي تتبناها ألمانيا في عهد وزيرة الدفاع الحالية كريستينه لامبرشت، تهدف كما أوضحت في الكثير من تصريحاتها الإعلامية إلى تحديث البوندسفير ” الجيش الألماني “، ليصبح جيشاً متطوراً ومجهزاً بالكامل، وقادراً على حمايتها بشكل موثوق به، وحماية شركاءنا في التحالف. كما ذكر موقع اليوم، بتاريخ 17مارس/أذار 2022م في مقال بعنوان ( ألمانيا تعتزم بناء جيش فائق التطور).
وبالتالي يبدو أن ألمانيا رغم المعارضة الشعبية لهذا القرار، تتجه نحو إعادة بناء الجيش الألماني اعتماداً على المعطيات الجيواستراتيجية و التغيرات الحاصلة في بنية النظام الدولي، مع الأخذ بعين الاعتبار كل المؤشرات التي تؤكد بأن العملية العسكرية الروسية على أوكرانيا متواصلة، وهذا ما قد يؤدي إلى ازدياد أعداد المهاجرين الأوكران لألمانيا وهو ما قد يشكل عبأ اقتصادياً اضافياً على الاقتصاد الألماني الذي لا يزال يعاني من التداعيات السلبية لانتشار فيروس كورونا، وقد تمتد تلك الحرب لتشمل دولاً أوروبية أخرى وهو ما قد يشكل تهديداً جدياً للأمن القومي لألمانيا، وعليها الاستعداد بالتالي لكل تلك الاحتمالات عملاً بمقولة الجنرال كارل فون كلاوزفيتر، التي ذكرها في كتابه ” الموجز في الحرب”، والتي تقول ” بأن أفضل وسيلة لتجنب الحرب هي الاستعداد لها” وهذا ما أدركه صناع القرار السياسي والأمني في برلين مؤخراً، لأن حليفهم الاستراتيجي ونقصد به الولايات المتحدة الأمريكية قد يتخلى عنهم في أية مواجهة عسكرية مستقبلاً مع قوى عسكرية عظمى، ولن يجازف بالدخول في حرب عالمية ثالثة مع دول نووية كروسيا أو الصين من أجل الدفاع شركاءه الاستراتيجيين في أوروبا، فهو بالتأكيد سيتخلى عن ألمانيا ويتركها وحيدة في صراعها مع هاته القوى كما فعل مع أوكرانيا.
_كاتب جزائري
2022-03-23