إنتصاراتنا المُبهمة!


ثريا عاصي
من الطبيعي أن يؤثر الموروث الثقافي على المواقف والتصرفات سواء على صعيد الفرد في تفرده أو الجماعة التي تتنازعها الميول والمصالح. أكتفي بهذا الكلام لانتقل إلى موضوع صراعنا من أجل تحرير بلادنا من الاستعمار الإستغلالي والاستيطاني المتواصل والمتوسّع باطراد، بالرغم من «الإنتصارات» التي تزعم حكوماتنا أنها حققتها في الماضي ضد الاستعمار، على أنواعه، والتي تؤمّلنا باحرازها في المستقبل .

هل النكبة والنكسة «إنتصاران»؟ كيف ننعت المشاهد المرعبة التي تسبّب بها «الربيع العربي» الذي حرّض عليه الحلف الأطلسي، أهلنا الذين حرموا من العمل والمدرسة والطبابة والسكن اللائق، بينما كان أقطاب السلطة الحاكمة يشيّدون لأنفسهم ولأبنائهم وأقاربهم وزبائنهم القصور، ويمكّنوهم من امتلاك اليخوت الفخمة ومرافقة النجوم الفنية والمالية في الأماكن السياحية؟

مهما يكن، إن العنجهية البدوية التي تصوّر «البقاء» انتصاراً والتضحيات بطولة، والمواجهة شجاعة في الوقت والمكان اللذين يحددهما المعتدي والظروف الملائمة له، لم تعد تكفي لتضميد الجراح النفسية والمعنوية، وتغني عن ضرورة مراعاة المنطق واستخدام العقل بدل الحماسة والحَميِّة .

لا أظن أن مسألة التحرير الوطني تحسم بالإندفاع والشجاعة والعصبية. فلا يمكننا الإنتصار في مواجهة خصم، لديه قوة أعظم مما لدينا، تنظيماً وعتاداً، لا سيما عندما يقتصر عتادنا على أنواع تخلى عنها وباعها لنا.

ad
لا مفر في الواقع من الإعتراف بأن المستعمر انتزع زمام المبادرة إلى الحرب نهائيًا من أيدينا. فأوجد أساليب ووسائل جديدة مناسبة لمواصلة حروبه ضدنا. فبعد أن فرض علينا القتال بسلاح لا ننتجه، خرّب الإقتصاد الإنتاجي في بلادنا بواسطة عائدات النفط وسوء الإدارة وانحطاط الحكام، فبارت الأرض وصرنا نشتري منه، أو بإذن منه، خبزنا والغاز والمازوت والبنزين، فهو على يقين من أن الجوع والفقر يبدد الشعوب أو يبيدها.

قد يقول قائل أن العدو لم يعد يجرؤ على مهاجمتنا، فلقد أفشلناه في عدد من الجولات. هذا صحيح، لم تعد الحرب علينا نزهة. ولكن كيف نسد احتياجاتنا المعيشية تحت قانون الغيتو المفروض علينا؟ كيف نواجه الجواسيس الكثيرين الذين تسللوا على الأرجح إلى بلداننا وتمكنوا من خلق شبكات متشعبة لهم من المتعاونين؟ كيف ننتصر على الجوع والفقر، والمنظمات غير الحكومية التي تغوي الجوعى والشبكات الجاسوسية التي أدخلها العدو في يومياتنا في غفلة منا. ولكن هل ينتصر المغفلون المتغطرسون؟
‎2022-‎02-‎16