التنكيل والتضليل والاشاعة !

فريد العليبي

 الاشاعة وسيلة من الوسائل المستعملة في السياسة والحرب، وفي علم النفس العسكري باب خاص بالإشاعة وكيفية استعمالها  و مواجهتها أيضا ، ويتعلق الأمر فيها باستعمال شبكة من الوسائل والطرق  مثل دس معلومة  مُضللة عن قصد . ولا يحدث ذلك عفويا  وانما  توضع له الخطط   ، وهى تتنزل ضمن هجوم  عادة ما يكون رديفا لهجمات أخرى تقع في ميادين مختلفة ، والقصد من ذلك مغالطة الشعب والتأثير فيه  وبث الهلع بين صفوفه وتدمير العدو  معنويا في أذهان اتباعه لتحقيق مصالح سياسية وعسكرية واقتصادية وحتى ثقافية .

وفي تونس تستمر المعركة بين معسكرين ، معسكر 24 جويلية المؤلف من الإسلام السياسي وحلفائه الليبراليين أي منظومة 14 جانفي التي حكمت تونس طيلة سنوات عشر من جهة ، و معسكر 25 جويلية المكون من رئيس الجمهورية   وأوسع الشعب الذي يثق فيه بحسب ما تذكره  مراكز سبر الآراء ، فضلا عن منظمات نقابية وسياسية من جهة ثانية .

وفي الهجوم بالإشاعة على 25 جويلية  ردد المُضللون  خلال الأيام الأخيرة اشاعات ثلاث  ، تقول الأولى  أن البريد التونسي أقرض الدولة مالا لخلاص أجور الموظفين ، وراج   ذلك على نطاق واسع  ، وكان  مصدره الأول  الإسلام السياسي ، أما المروجون  اللاحقون فهم من مختلف الأوساط . و  الهدف خلق حالة من الخوف حتى يهرع المودعون الى سحب ودائعهم  من مراكز البريد  فتحدث أزمة في السيولة المالية ، وقد جربوا سابقا  ذلك مع كبار المودعين الذين سحب  بعضهم الودائع وحولوها الى عملة صعبة وهربوها ، والمفارقة أن يعضها انتهي بين أيدي  الجمارك واستقر في خزينة الدولة . وقد أصدر البريد   بلاغا ينفي فيه تلك الشائعة، التي صمت أصحابها ولم تتوفر  فيهم القدرة على الخجل للاعتذار عما رددوه.

تقول  الشائعة الثانية  أن البنك المركزي طبع أوراقا مالية جديدة  حتى تتمكن الدولة من سداد أجور الموظفين أيضا ، ولم ينفع   التكذيب  الرسمي الذي قام به ذلك  البنك ،   فقد راهن أصحابها  على النسيان، والمهم بالنسبة اليهم أنها ترددت بين الناس .

أما الشائعة الثالثة فتقول إن رئيس نادي باريس قد جاء  الى تونس على عجل ،فقد تهاوى اقتصادها و عليها إعادة جدولتها ودخول النادي صاغرة ، و الحال أن الرجل حل بصفته مديرا عاما  للخزينة الفرنسية  على وجه الدقة ، وترك هناك في باريس صفته التي أبرزوها دون غيرها لغاية في نفس يعقوب ، بل أكثر من هذا فإنه جاء داعما كما قال للدولة التونسية في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي .

 وما يجب الانتباه اليه أن المُضلل يتمادى  في تضليل ضحيته ، فحتى عندما يصدر تكذيب الاشاعة التي روجها فإنه  لا يهتم بذلك  ويعمد الى تجاهله ، مُعولا على النسيان  كما ذكرنا فطالما راجت الاشاعة فقد حقق التضليل هدفه.

وفي حملة التضليل المتصاعدة  في تونس  هناك أغبياء في خدمة الإسلام السياسي، ورغم أنهم يشهرون استقلالهم  عنه ، فإنهم  لا يتساءلون حتى مجرد سؤال : لماذا يُصفق لهم ؟

ورغم أن   قيس سعيد بنى خطابه حتى الآن على الفكري والسياسي والاجتماعي ، مُكررا التزامه بالدفاع عن المفقرين والمعطلين الخ … يروج المضللون  أنه لا علاقة له من قريب أو بعيد بالجانب الاقتصادي الاجتماعي، وانتشرت هذه السردية إعلاميا ووجدت رواجا لها  علي ألسنة  السياسيين الليبراليين المتحالفين مع  الاسلام السياسي . فالتضليل لا يتم بالإشاعة وحدها وانــــــما أيضا بصناعة سردية وتكرارها لتستقر في الأذهان كحقيقة لا يرقى اليها الشك .

وللتغلب على التضليل يجب الرجوع الى مصدر المعلومة  المضللة  والسردية المصنعة والغاية منهما وفحص ذلك بموضوعية، كما العودة الى المصادر المعترف بها علميا للخبر والتحلي بالنزاهة في نقله .

والتضليل قرين التنكيل فهو واياه  توأمان ، لذلك عرفت تونس بعد هبة 25 جويلية  احتكار مواد غذائية أساسية و خلو  الأسواق منها ، و إغراق مدن في النفايات ، وتعطيل صرف الأجور في ابانها ، و نقص الأدوية .  وتعرض الشعب الى  أنْوَاعِ  مختلفة من التَّعْذِيبِ وَالعَسفِ ، وتم ذلك في أحيان كثيرة في علاقة بمعاقبته على الانتفاض والاحتجاج والثورة ، حتى لا يفكر في القيام بذلك مرة أخرى ، ولكن هيهات فقد خابت حملات تنكيل سابقة ،ولن يكون مصير الحملة الحالية مختلفا في بلد تربى شعبه على النخوة والعزة ، أما التضليل فإنه لا يدوم طويلا ، فهو حبل من حبال الكذب ، التي هي هشة و قصيرة.

جريدة الأنوار.

‎2022-‎02-‎05