هل نحن أحرار ؟
ثريا عاصي
كتبت أن ما تناهى إلى العلم عن مشروع السفارة في عوكر تلازماً مع الكلام عن استخدام قوات أميركية لمطار حامات في قضاء البترون، جعلني موقِنة بأن مفاهيم مثل الدولة والقضاء والأمن والرؤساء والمجلس النيابي والحكومة والوزراء والمقاومة والتحرير تختلف في بلادنا عن مدلولاتها في سنوات 1960 ـ 1970، وربما يكون التغير والتحول عاماً، مكوكباً، وليس محصوراً .

فمن البديهي أننا لسنا أحراراً، بل نرزح تحت إحتلال يشبه المرض .. كونه متقمصا في أشخاص يعيشون بيننا أو يعملون في إدارة الدولة وفي مؤسساتها . نحن في الواقع تحت رحمتهم، علمًا انهم ذوو قلوب قاسية. لا أظن أننا بحاجة إلى براهين على ذلك . نكتفي بالقول أن الكثيرين من الناس باتوا لا يحصلون على القوت والدواء ووسائل التدفئة والإنارة وماء الشفة إلا بصعوبة كبيرة وبمقدار دون اللازم . نستثني هنا طبعا المحتلين، زعماء طوائف، رجال الدين، موظفين، قضاة، نواب، وزراء ورؤساء وحاشياتهم، غير المرضى، الذين أتخيلهم مثل الخلايا السرطانية التي تموت في النهاية ولكن بعد أن تخنق الجسم الذي تحتله. ولا ننسى أيضا الإشارة إلى الاضطرابات العصبية التي يعاني منها الكثيرون من المرضى الجهلاء والخبثاء ، فتتبدى في تصرفات فظة ومعاملات غزيزية .

ولكن العجب العجاب هو خضوعنا لهذا الإحتلال. فنحن لا نقاوم، لعل وسائل المقاومة مفتقدة. نعم من حقنا أن نتسائل عن ضياع هذه الوسائل، والرأي عندي أنها صودرت من قبل المحتلين، ليس عن جهل أو غباء، ولكن خدمة لمصالحهم التي يعتقدون أنها تنمو وتزدهر عن طريق التضحية بنا قرابين على مذابح جبابرة هذا العالم.
لا شك في أن ما يجري في بلادنا لا يدخل في مضمار السياسة وصدام الدول فيما بينها . فنحن لسنا دولة وأغلب الظن أننا مهددون في وجودنا، أي المطلوب ببساطة هو إبعاد أو نفي الناجين من البرد والجوع والقتل والغرق. إننا نتعرض لإبادة!

وما يثير الريبة ويفاقم الشعور بالإحباط هو سلوك المحتلين وكأن “الدنيا بألف خير”، فلا يرتجف أطفالنا برداً ولا أبواب المستشفيات موصدة بأوجهنا، ولا يموت منا الذين كانوا يتناولون علاجاً صار ثمنه خيالياً، حيث يشغلون أنفسهم بإعداد ميزانية وموازنة، الغاية منها هي تخفيض أسعارنا، بالمفرق والجملة، في سوق النخاسة، لكي يتمكنوا من الإستفادة بما تبقى منا . ولكن المهزلة التي ما بعدها وقاحة وانحطاط ، هي دون أي شك، الإنتخابات “الديمقراطية ـ التوافقية” التي يستعدون لها في بلاد جعلوا الإنسان فيها جائعاً، وما أدراك كيف يتصرف الإنسان عندما يكون جائعاً وعندما يموت طفله من الجوع والبرد.
وأخيرا وبالرغم من هذا كله، ليس مستبعداً أن ينقلب السحر على الساحر!
‎2022-‎01-‎31