تصاعد اليمين المتطرف في فرنسا!
عميرة أيسر*
تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي صدمت الكثير من أنصاره في قصر الإيليزي، بل وحتى حلفائه في حلف الناتو أو في الاتحاد الأوربي، وأثارت كذلك حفيظة اليسار الفرنسي المعتدل، إذ أكد من خلالها على أن فرنسا الديمقراطية العلمانية لن تتساهل بعد اليوم مع المهاجرين، وخاصة الوافدين إليها من دول شمال إفريقيا وستعمل على ترحيلهم لبلدانهم التي جاؤوا منها في أقرب الآجال، كما أنها ستتعامل براديكالية شديدة مع مختلف المظاهر الدينية الإسلامية على وجه الخصوص، وستفرض عقوبات قاسية على كل المعلمين والمعلمات وحتىّ الطلبة الذين يلتزمون باللباس الديني المتحشم، وذهب لأبعد من ذلك في تصريحاته العنصرية الاستفزازية المقيتة، والتي تستهدف شريحة واسعة ومهمة من المجتمع الفرنسي، عندما أكد في خطابه الذي ألقاه في حي ” لميه موروه” بضاحية باريس، “بأن الإسلام ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم”، وأشار إلى أنه يحارب ما أسماه ” النزعات المتطرفة الانفصالية في المجتمع الفرنسي، ومن يوظفون الدين للتشكيك في قيم الجمهورية”، فبرأيه أن هناك نظاماً موازياً من طرف الانعزالية الإسلامية التي تسعى لإنكار قيم الجمهورية الفرنسية. مثلما ذكر موقع الأناضول بتاريخ 7أكتوبر/ تشرين الثاني 2020م في مقال بعنوان ” عنصرية وتأجيج للكراهية”…تصريحات ماكرون تشعل غضب العرب”.
فهذه التصريحات التي قوبلت برفض واسع من طرف المجتمع الفرنسي المعتدل، والذي تمثله النخب العاقلة المتزنة تشير إلى أن هناك اتجاهاً عاماً لدى العديد من النخب السّياسية في الدولة الفرنسية، يرى في الآخر المختلف عنه ثقافياً وقيمياً ودينياً وحضارياً تهديداً حقيقياً لقيم الجمهورية الفرنسية التي كانت أحد مخرجات النظام الوستفالي الذي أسس لقيم الدو ل القومية الوطنية الحديثة في أوروبا، والذي يعيش أزمة قيم سلطوية، ومأزقاً تاريخياً يؤشر إلى بداية عودة النزعات الفاشية والنازية في العديد من الدول الأوروبية، ومنها فرنسا التي كانت من الدول التي قامت على إلغاء وتدمير ومحو ذاكرة وماضي الكثير من الشعوب التي احتلتها منذ عهد الملك لويس الثالث عشر.
فتصريحات رئيس فرنسا التي شملت السود إلى جانب المسلمين والعرب قوبلت ب تأييد كبير من طرف لوبيات اليمين المتطرف الذي بات يشكل كتلة انتخابية مهمة، والتي تتنامى بشكل مضطرد في الكثير من الدول الغربية منذ تفجيرات 11سبتمبر/ أيلول 2001م.
فهذا التيار العلماني المتطرف الذي يسعى للوصول لسدة الحكم في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويتهم ماكرون بأن كل تصريحاته اتجاه المسلمين ليست سوى محاولة لكسب المزيد من الوقت، والاستعداد للمواجهة القادمة مع الكثير من قيادات حزبه ” الجمهورية إلى الأمام” الذي خسر الغالبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية التي جرت في شهر ماي/أيار 2020م، ويعيش العديد من الانقسامات بين صفوفه خصوصاً بعد تشكيل كتلة سياسية جديدة تحت اسم ” بيئة ديمقراطية وتضامن” مؤلفة من 17 نائباً مستقلاً، لا ينتمون لا للغالبية ولا للمعارضة، حيث تراجع عدد نواب حزبه إلى 288 نائباً، وذلك دون تجاوز عتبة الغالبية المطلقة التي تقدر ب(289نائباً) التي كان يحظى بها لوحده، مثلما ذكر موقع فرانس 24 بتاريخ 19ماي/ آذار 2020م في مقال بعنوان ” فرنسا: حرب ماكرون يخسر غالبيته المطلقة في مجلس النواب بعد تشكيل كتلة جديدة”.
فماكرون يريد الاستفادة من تصاعد المد اليميني المتطرف لتحقيق مكاسب سياسية استراتيجية، والمزايدة بالتالي على زعيمة حزب ” التجمع الوطني” الجبهة الوطنية سابقاً، بقيادة زعيمته مارين لوبان التي تترأسه منذ سنة 2011م، بعد أن انتخبت لولاية رابعة وحصلت على نسبة 98.35 بالمئة من أصوات المنتسبين في اقتراع أعقب افتتاح الحزب لمؤتمره في مدينة بربينيان جنوبي فرنسا في جويلية الفارط، حسبما ذكر موقع فرانس 24 بتاريخ 7 أفريل/ نيسان 2021م في مقال بعنوان ” فرنسا، مارين لوبان زعيمة ” التجمع الوطني اليميني المتطرف ” لولاية رابعة”.
والتي تعتزم خوض الانتخابات الرئاسية القادمة في فرنسا المزمع إجراؤها في خريف العام القادم، ومنافسة ماكرون على حكم البلاد، بالرغم من خسارة حزبها لمعظم المجالس البلدية في الانتخابات المحلية التي جرت في شهر جوان/ يونيو المنصرم، وهي الانتخابات التي عرفت عزوفاً انتخابياً كبيراً بسبب جائحة كورونا.
وبالرغم من ذلك فإن نجم التيار اليميني المتطرف الذي يتعاظم نفوذه ويزداد عدد المعتنقين لأيديولوجيته السّياسية منذ 40 سنة، جعلت الكثير من المراقبين يحذرون من أنه يمكن له أن يحقق نتائج مبهرة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية القادمة في فرنسا، إذا ما تمّ تعديل قانون الانتخاب الحالي الذي يراه أنصاره والمحسوبين عليه أكبر عائق في سبيل سطوع نجمه السّياسي.
فهذا التيار أصبح الكثير من السّياسيين في فرنسا، وحتى من أصول غير فرنسية يرون فيه البوابة التي ستوصلهم لهرم صناعة القرار في باريس، وأبرز مثال على ذلك هو السّياسي والكاتب الصحفي الفرنسي إيريك زامور الذي ينحدر أبواه من عائلة يهودية هاجرت إلى فرنسا إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر، والذي يريد أن يكون بمثابة ترامب فرنسا الجديد، حيث يعتبر المراقبون النسخة الأكثر تطرفاً وعنصرية من مارين لوبان، فهو مثلاً يرى بأن النازية أفضل بكثير من الإسلام وبأنه سيقوم بمنع تداول الأسماء الأجنبية داخل فرنسا ومنها اسم محمد(صلى الله عليه وسلم) في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية المقبلة، بالإضافة لرغبته في محاربة كل أنواع الهجرة سواء الشرعية منها أو الغير شرعية.
فهذا اليميني المتطرف الذي يرد إفراغ الهوية الإسلامية في أوروبا من كل مميزاتها ومضامينها الأخلاقية والدينية والقيمية، باعتباره من أنصار نظرية ” الاستبدال الكبير” الذي طرحها في كتابه ” فرنسا لم تقبل كلمتها الأخيرة بعد” والذي يحقق نسب مبيعات عالية ويحظى باهتمام إعلامي غير مسبوق في فرنسا، وفيه يطرح جملة من الأفكار على الرئيس الحالي ماكرون تدعو إلى القضاء على كل مظاهر الممارسات الإسلامية داخل المجتمع الفرنسي، كارتداء الحجاب، والأكل الحلال وأداء الصوات الخمس في المساجد…إلخ، ويدعو إلى عودة فرنسا لحضارتها العلمانية التي لها جذور مسيحية ويهودية بالرغم من علمه بأن العمل على إقصاء ملايين الفرنسين المسلمين قد يؤدي لاندلاع حرب أهلية كبرى في فرنسا، مثلما ذكر موقع الجزيرة بتاريخ 28أكتوبر/ تشرين الأول 2021م في مقال بعنوان ” هل اقترب الحاقد على المسلمين” من رئاسة فرنسا”.
وبالتالي فاليمين المتطرف الذي أصبح له أنصار حتى داخل المؤسسة العسكرية الفرنسية، ويعمل على تطهير المجتمع الفرنسي الأبيض (حسب وجهة نظرهم )، من كل من يعتبرهم يشكلون خطراً على القيم العلمانية الفرنسية، يعد بمثابة قنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة في ظل بروز حركات يمينية متطرفة مسلحة تدعو لاستهداف تجمعات الجاليات العربية والمسلمة، وكذا المهاجرين الهاربين من الحروب والأزمات، لتتحول فرنسا من دولة علمانية جمهورية لدولة عنصرية يمينية متطرفة، لا تختلف كثيراً في رؤيتها للأخرين عن الحركات الإرهابية المتطرفة كداعش والنصرة التي تصنف الناس على أساس ديني طائفي وعرقي.
– كاتب جزائري
2021-12-08