من جاوة إلى منسيك.. اللاجئون العراقيون ورحلة العذاب الأبدية!
عادل الجبوري
مشاهد الشباب والنساء والأطفال العراقيين، وهم يرابطون على الحدود البيلاروسية-البولندية ويعانون البرد القارس والجوع القاتل، ربما لم تكن الأولى من نوعها.

تعكس محنة عشرات اللاجئين العراقيين على الحدود البيلاروسية-البولندية وجود أزمة سياسية-اقتصادية-اجتماعية عميقة ومركّبة، تعود جذورها إلى عدّة عقود من الزمن. وبدلاً من أن تجد طريقها إلى الحلّ أو الحلحلة، راحت خيوطها تتشابك، وخطوطها تتداخل، وحلقاتها تستحكم.

مشاهد الشباب والنساء والأطفال العراقيين، وهم يرابطون على الحدود البيلاروسية-البولندية ويعانون البرد القارس والجوع القاتل، ربما لم تكن الأولى من نوعها، وإن بدت درجة مأساويتها أكبر وأفظع وأقسى من سواها. وللعراقيين تاريخ حافل مع رحلات العذاب الأبدية مع شبكات التهريب وطريق ومسالك الهروب من جحيم الظلم والطغيان والاستبداد والفقر والحرمان، وهي رحلات طويلة جداً، بيد أنَّ وتيرتها تسارعت، ونطاقها اتسع شيئاً فشيئاً بصورة مطردة مع تنامي النزعات الديكتاتورية الاستبدادية لنظام الحكم البعثي (1968-2003)، وما حفلت به تلك الحقبة من حروب داخلية وخارجية، وحصار اقتصادي، وتدمير وخراب للبشر والحجر على حد سواء.

المفارقة اللافتة هنا هي أنَّ أعداداً كبيرة جداً من العراقيين، على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم القومية والدينية والمذهبية والمناطقية والفكرية والثقافية، كانوا يفرون من جحيم الأوضاع الاقتصادية، بكلّ ما تعنيه كلمة الجحيم من معنى، ليتيهوا في لجّة مجاهيل المحيطات والبحار والجبال والوديان والغابات، بدءاً من الحدود الطويلة مع إيران والعراق، مروراً ببحر إيجة والبوسفور في تركيا، وحدودها البرية والبحرية مع اليونان، ومن ثم في بلدان أوروبية وآسيوية مختلفة، وصولاً إلى إندونيسيا وأستراليا، وربما أبعد من ذلك.

وإذا كانت الحدود البريّة بين بولندا وبيلاروسيا وكذلك مع ليتوانيا، قد مثلت مسرح الأحداث والوقائع المأساوية الأخيرة، حيث الموت جراء البرد والجوع، والغازات المسيّلة للدموع، وخراطيم المياه، والرصاص الحيّ، واليأس والإحباط، والشعور بالضياع في نفوس هؤلاء اللاجئين، فقبل 20 عاماً، ابتلع المحيط الهندي أكثر من 330 مواطناً عراقياً، بعد غرق سفينتهم المتجهة من جزيرة جاوة الإندونيسية نحو أستراليا، التي كانوا يرومون طلب اللجوء فيها، علماً أن حوادث غرق عديدة حصلت في ظروف مشابهة، بيد أنَّ ذلك الحادث كان الأكثر مأساوية وفظاعة، حتى إن بعض وسائل الإعلام العراقية والعربية والأجنبية شبّهته بحادث غرق سفينة “تايتانيك” الأميركية في قاع المحيط الأطلسي في 15 نيسان/أبريل 1912.

وحتى بالنسبة إلى مأساة الباحثين عن اللجوء بين بولندا وليتوانيا وبيلاروسيا، فإنها لم تكن الأولى من نوعها؛ ففي مطلع شهر آذار/مارس من العام الماضي، شهدت الحدود التركية-اليونانية تدفق الآلاف من اللاجئين العراقيين وغير العراقيين الساعين للوصول إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي عبر اليونان. وقد واجه هؤلاء اللاجئون ظروفاً صعبة للغاية، بسبب الانخفاض الحاد في درجات الحرارة والأساليب القمعية للسلطات اليونانية لمنعهم من الدخول.

ومن بين ما ذكره عدد ممن حاولوا اجتياز الحدود التركية – اليونانية، “أنَّ الشرطة اليونانية تتعامل مع المهاجرين بشكل سيئ للغاية، وهناك أسر ونساء وأطفال يعيشون في ظل طقس بارد على الحدود، ولا يملكون الماء والطعام، ناهيك بقيامها بالاستحواذ على أموال اللاجئين وهواتفهم قبل طردهم”.

ما هو واضح جداً أنَّ حكومات بلدان مختلفة استخدمت ورقة اللاجئين والمهاجرين للضغط والمساومة وتحقيق المكاسب السياسية، فلم يعد خافياً أنَّ السلطات البيلاروسية هي التي أتاحت للاجئين التدفق باتجاه الحدود مع بولندا وليتوانيا، لإحراج الأخيرتين، ومعهما منظومة الاتحاد الأوروبي على وجه العموم، رداً على عقوبات اقتصادية فرضها عليها الاتحاد في أواخر شهر حزيران/يونيو الماضي، بسبب ما وُصف بـ”تصاعد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في بيلاروسيا، والقمع العنيف للمجتمع المدني والمعارضة الديمقراطية والصحافيين”.

في الحقيقة، تلك العقوبات كانت موجهة بشكل غير مباشر إلى روسيا الداعمة بقوة لنظام الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، والأمر نفسه بالنسبة إلى الكثير من أزمات اللاجئين المتوجّهين من تركيا إلى اليونان، إذ إنَّ البلدين يتلاعبان بمأساة آلاف الأشخاص ومعاناتهم في إطار الصراع السياسي بينهما.

وتتجلّى الازدواجية في أوضح صورها حين يكون الواقع على الأرض بعيداً كلَّ البعد عما جاء في بيان مشترك صدر مؤخراً عن الاتحاد الدّولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وشدّد على أهمية أن “يحصل جميع المهاجرين، بصرف النظر عن وضعهم القانوني، على المساعدة الإنسانية والطبية على نحوٍ فعال، فضلًا عن الحماية. وسواء كانت هذه الحماية دولية أو عودة طوعية إلى بلدانهم الأصلية، يجب احترام حقوق المهاجرين في جميع الأوقات، ويجب على السلطات تجنّب فصل أفراد العائلة وتعريض حياتهم وسلامتهم الجسدية للخطر!”.

وإذا كانت بعض الحكومات الأجنبية تستغلّ موجات الهجرة واللجوء من بعض بلدان الشرق الأوسط – والعراق أبرزها – وتوظّفها سياسياً، وإذا كانت المبررات والحجج والذرائع في الماضي متوافرة وجاهزة ومقنعة لدى الهاربين من جحيم السلطات الاستبدادية الديكتاتورية إلى جحيم المجهول، فإنها يفترض ألا تكون كذلك بعد زوال تلك السلطات وتبدّل الظروف والأحوال، ولا سيّما في العراق.. لماذا بقيت الصّور ذاتها المأساوية؟ ولماذا ظلَّت مشاهد رحلات العذاب الأبدية المؤلمة تتكرر وكأن شيئاً لم يتغير بعد التاسع من نيسان/أبريل 2003؛ ذلك اليوم الذي شهد إطاحة نظام صدام؟

لا بدَّ من أنَّ هناك إشكالية كبيرة قد ترقى إلى مستوى المؤامرة، وخصوصاً إذا عرفنا أن الغالبية العظمى من الهاربين نحو جحيم المجهول هم من الكرد الذين يفترض أن يتمتعوا بمستوى حياتي جيد بعد ما يقارب 30 عاماً على نيل الإقليم استقلاله الذاتي وتحقيقه نهضة عمرانية واقتصادية لا بأس بها، مستفيداً من الموارد المالية المتحصلة له، سواء من خلال حصته في الموازنات المالية الاتحادية، أو عبر نشاطاته التجارية والاقتصادية الخاصة مع البلدان التي يشترك معها بحدود جغرافية، كإيران وتركيا، فضلاً عن المشاريع الاستثمارية العديدة والكثيرة في الإقليم الكردي.

من الطبيعي أن الازدهار الاقتصادي بجوانبه المختلفة في الإقليم، كان ينبغي أن يستتبعه توفر مختلف فرص العمل، وتحقّق قدر نسبي من الرفاهية أو قل الاكتفاء المعيشي للقسم الأكبر من المواطنين، إن لم يكن جميعهم، ولكن ما ينبغي أن يكون شيء، وما هو كائن شيء آخر، مع وجود مفارقات قد تبدو غريبة إلى حد ما، فبينما شكَّل الإقليم بيئة جاذبة لأعداد كبيرة من العمالة الأجنبية القادمة من بعض دول الجوار ومن دول أخرى بعيدة، فإنه في الوقت ذاته شكل بيئة طاردة لقسم لا يُستهان به من أبنائه، بحثاً عن حياة أفضل، وهذا لا ينفصل بشكل أو بآخر عن مظاهر الفساد الإداري والمالي واستئثار المنظومات الحزبية السلطوية، التي تمثل أقلية عددية في المجتمع، بالجزء الأكبر من الموارد والثروات، علماً أن ذلك لا يقتصر على إقليم كردستان، بل بات يعد ظاهرة خطرة للغاية تهدد البناء المجتمعي برمّته. ولعل المؤشرات والمعطيات السلبية الكثيرة ذاهبة بهذا الاتجاه.

الأمر الآخر الذي يثير جملة من التساؤلات والاستفهامات يتعلَّق بالحلقات العديدة المترابطة لشبكات التهريب التي تبدأ من داخل العراق، وحصراً من مدن الإقليم، ولا تنتهي إلا عند الحدود البيلاروسية البولندية، وكذلك الليتوانية، إذ إنَّ الحكومة البيلاروسية تعلم علم اليقين أنَّ آلاف الأشخاص الذين يحصلون على سمة الدخول إلى البلاد، إنما يسعون للوصول إلى منظومة الاتحاد الأوروبي، وهي من سهلت وتسهل وصولهم إلى الحدود مع بولندا، والشيء نفسه بالنسبة إلى سلطات الإقليم التي أعلنت قبل بضعة أيام اعتقال 10 من المهربين، وربما أرادت سلطات الإقليم فتح متنفس ومهرب لمن يرغب بالخلاص من الظروف الاقتصادية الضاغطة. بعبارة أخرى، إنَّ شبكات التهريب ما كان بإمكانها إيصال اللاجئين إلى جحيم المجهول لولا مساعدة وتسهيل من مفاصل حكومية في كل المحطات التي انطلق منها وتحرك فيها هؤلاء اللاجئون.

خلاصة القول، إنَّ الأزمات والصراعات السياسية بين الدول، إلى جانب المعضلات والمشاكل الاقتصادية، راحت تلقي بظلالها الثقيلة على الأبعاد والمساحات الاجتماعية، لتنتج واقعاً سيئاً وخطراً ومؤلماً يؤطّره الكثير من الشعارات البراقة والخطب الرنانة عن قيمة الإنسان العليا وحقوقه المثلى؛ ذلك الإنسان الذي ابتلعته البحار والمحيطات، وسحقه الجوع والحرمان، وقتله البرد القارس، وأجهزت عليه الغازات المسيّلة وخراطيم المياه وأسلحة الجند في كلِّ زمان ومكان.