الصعود الى السماء من حفرة في الارض!

ابو زيزوم 
تقاطر عليها الخاطبون في منحنىً تصاعدي بدءاً بفتيان الحي الفقراء مروراً بأغنى الناس واعظمهم جاهاً ، وهي ترفض الجميع بلا تردد . لم يحصل ان طلبت وقتاً للتفكير مما يعني ان لديها قراراً مسبقاً بالرفض ذهب الناس في تفسيره مذاهب شتى أوجهها أنها تحب رجلاً هو ذاك الذي ستوافق عليه عندما يأتي … فما باله لا يأتي !. انها مجرد فرضية فرضها المنطق رغم ان الفتاة معروفة بتحفظها الزائد وتشدد اسرتها .
كلما تقدم اليها مشهور من المشاهير طار صيتها اكثر فأغرى من هو اشهر منه بخوض التجربة العقيمة الى ان قيل ذات يوم انها تزوجت .. هه !؟ الـ هه صدرت من جميع الصدور متبوعة بـ مَن ؟ مَن هو سعيد الحظ الذي فاز بهذه الدرة المكنونة ؟. انه رشيد الكواي ، فيغلب عدم التصديق على كل من يسمع الجواب !. فالكواي هذا عامل بسيط وخامل وشبه أمي واكبر منها بكثير ، ليس في ملامحه او سيرته ما يجذب فتاة عادية فضلاً عن حورية باذخة الجمال !. والسؤال الاهم : كيف تجرأ هذا الرجل الهامشي على خطبتها بعد كل المشاهير الذين رفضتهم دون نقاش ؟ لا بد ان وراء الأكمة ما وراءها !. وتناسلت قصص لا يشبه بعضها بعضاً عن خفايا الموضوع ليست الا بالونات ملونة تتزاحم في الفضاء بحثاً عن الحقيقة ، جميعها تنطلق من ان الكواي لم يأت اعتباطا ! وزاد الامر غموضاً انه رجل بلا اصدقاء وصموت وغائب عن اهتمام الناس حتى انفجر نبأ زواجه الصادم فألقاه في دائرة الاهتمام بل في مركزها .
فجأة وجد نفسه محط الانظار قاطبةً ، يمشي في الشارع فتنهشه عيون الحاسدين من كل مكان ، ويتعامل معه الناس بغير الاهمال الجارح الذي كان يلقاه من قبل . إن فضولاً ملتهباً يتدفق من الوجوه التي تواجهه لاستقراء ما يخبّىء شخصه البليد من اسرار تستثير اجنحة الخيال . أصبح يُستقبل بترحاب لم تعهده ايامه الشقية ، وينهض الجالسون كي يفسحوا له في المكان ، وتتناثر عليه كلمات الوداد والتزلف . كل ذلك لأن تلك الفاتنة الشقراء رأت فيه ما لم تره في صفوة مَن تقدموا للإقتران بها .
بعد الخطوبة مرت على الكواي أيام حافلة بالإرباك . لا مثيل له الا جندي رُقّي دفعة واحدة الى رتبة ضابط فتعذر عليه الاندماج في مجتمع الضباط وغير وارد رجوعه الى جندي. انه مرموق في نظر أغنى الناس وأجلّهم إذ بلغ ما يتحسرون عليه . فكان سنده الوحيد على تلك الشدة طبعه الانطوائي في كتمان ما يعتمل في نفسه من انفعالات ينهار تحت وطأتها اعتى الرجال . ويبقى ذلك كله يسيراً دون الشدة القاصمة التي تنتظره يوم الزفاف عندما يلقاها وجهاً لوجه ، وقد تخور قواه امام وهج حسنها الأخاذ كبرق صاعق .
ليلة الزفاف ثقيلة ليس عليه وحده وانما على آخرين كُثر يقيم في قلوبهم طيف تلك الشمس المضيئة ابد الدهر ، سوف تتفجر في دمائهم تصورات ملتهبة عما يجري داخل غرفة العرس الموصدة .
في الحقيقة لا يعرف الكواي اكثر مما يعرف غيره عن اسرار تلك القصة الغريبة التي عصفت بالمجتمع وباتت حديثه المتواصل . كل ما في الامر ان الفتاة إعترضته يوماً في مكان مقفر وطلبت منه ان يطلب يدها ، ومضت لا تلوي على شيء ولبث هو في المكان يشحذ عقله المجفل للتأكد من ان الذي حصل له حقيقي وليس حلماً . ولم يتثبت من الامر الا بعد ذهابه خاطباً وقبولها به .
لم يكن مهيئاً نفسياً او مادياً لخطب بهذا الحجم الا ان الفتاة سهّلت كل شيء وزهدت بالكثير الكثير مما ترجوه عذراء بمناسبة زواجها . كان يحدوها أرب بعيد غير الذي تنقّب عنه أخيلة المشغولين بمجاهل هذا الزواج الغريب . فالفتاة ومنذ ان شبت ووعت كم هي جميلة تنامى في حسها غرور ما فتىء يتضخم حتى وقع في روعها ان جمالها أوسع بكثير من أن يحتكره رجل واحد مهما أوتي من الرجولة . تولدت لديها رغبة جارفة بأن تشرع لهذا الجمال المترامي كل ابواب التألق والإشعاع كي يأخذ مداه ويحكم العالم من حولها.
الكواي بالنسبة لها جواز سفر مزور يفقد قيمته بمجرد عبور الحدود الحائلة دون احلامها المتمردة ، وتلك وظيفة لا يصلح لها الا شخص على شاكلته . وبعد الزواج بأيام رحل العريسان بعيداً عن مجتمعهما .
هناك تحررت من كل القيود ، وقذفت نفسها في خضم الحياة الصارخة مثل سمكة تجوب عباب البحر . وأصبح بمقدور الذين رفضتهم من قبل ان يلتقوها الان بلا حواجز .
( ابو زيزوم _ 1129 )
‎2021-‎11-‎15