الكهانة والعلم .. تصارع الأضداد ووحدتها!
د. عمر ظاهر
تقول المادية التاريخية، ودون تقديم دليل مادي على ما تقول، أن البشر الأوائل الذين كانوا يعيشون في أحضان الطبيعة المفتوحة، ويتعرضون لتأثير قواها، كانوا يخافون من تلك القوى بسبب جهلهم بطبيعتها، فصاروا يعبدونها – لتجنب شرورها. هذا الحديث ليس علما، بل هو تصورات أو تخيلات لما كانت الحال عليه أثناء طفولة البشرية. ومع ذلك، فهو حديث لا يمكن إفحامه بمجرد القول إن ذلك غير صحيح لأن الإنسان خلق مؤمنا بالله بالفطرة، فهذا الحديث أيضا ادعاء لا دليل ملموسا عليه. لكنْ، دعنا نجد طريقا وسطا، فنقول أن البشر الأوائل، مع نشوء الوعي لديهم – هذا إذا لم يكونوا أصلا قد خلقوا وهم واعون، انبهروا بظواهر الطبيعة، ليس فقط ما يخيف منها، مثل الرعود، والفيضانات، والزلازل، بل أيضا بتلك الظواهر التي جعلت الإنسان يطرح أولى أسئلته الوجودية: كيف نشأ كل هذا؟ مختلف الحيوانات، ومختلف النباتات، ومختلف الألوان، والتضاريس، والفصول، والماء، والسماء، والشمس، والقمر، والنجوم، والحياة والموت، وغير ذلك، والإنسان نفسه. نعم: من أين جئت أنا، وإلى أين أنا ذاهب؟
إن الإنسان، وعلى عكس ما يفترض الكثيرون بأنه لم تكن لديه أجوبة عن تلك الأسئلة، كان لديه في الحقيقة جواب شامل: هناك “شيء ما” وراء كل هذا. وليس صعبا على التصور أن “شيئا ما” تحول تدريجيا إلى “أحد ما”، أي “هناك أحد ما وراء كل هذا”. وكانت أقرب صورة إلى مخيلة الإنسان عن ذلك الـ “أحد” المجهول هي صورة الإنسان نفسه، فهناك أحد ما مثل الإنسان وراء كل ذلك. وذلك “الأحد” يتميز ببعض صفات الإنسان إنما على مقياس أكبر بكثير، أي سوبر إنسان، فهو شديد القوة، وكثير العلم، ومبدع حتى أن بعض التجمعات البشرية وجدت أن تعدد ظواهر الطبيعة وتنوعها كان يستوجب تعدد ذلك الـ “أحد”، فيتخصص كل “أحد” بظاهرة من تلك الظواهر، بل وربما كان كل أولئك “الأحد” أفراد عائلة واحدة.
يمكننا أن نواصل التخيل أبعد مما ذهبت إليه المادية التاريخية، فنقول أن البشر بعدما كانوا ينسبون إلى ذلك الـ “أحد” صفات منطقية بأنه قوي، وكثير العلم والمعرفة، صاروا ينسبون إليه أخريات من صفات الإنسان. لكننا نعود عند نقطة ما لنتفق مع المادية التاريخية في أن ما حصل في المراحل اللاحقة والمتأخرة من تاريخ الإنسان هو ظهور الأديان التي لم تبقِ ذلك أو أولئك “الأحد” في نطاق المعقول والمنطقي فيما يتعلق بصفاته، بل أسقطت عليه كل صفات الإنسان، فهو يحب ويكره أيضا، ويمكر، ويغضب، وينتقم، ويصبر، ويعدل، ويحق الحق، بل إن بعض الأديان، ولسبب واضح، صورت ذلك الـ “أحد” رجلا أعطته شكلا واضحا، وهو يرتبط مع البشر بعلاقة وثيقة فيصطفي من بينهم رجالا – ليس نساء أبدا، يوحي إليهم، أو يسلمهم وثائق، يبين فيها كيف يريدهم أن يعيشوا، ويقرر لهم الشرائع، ويقر وسائل لتطبيقها، ويعد من يتبعون شريعته بجزاء حسن، ويتوعد من يخالفونها بالويل والثبور.
وكل هذا ما يزال مجرد افتراضات بعضها منطقية وبعضها مجرد إسقاطات لإسقاطات، فليس لدينا دليل ملموس من مراحل ما قبل التاريخ يثبت ما ندعيه، أو ما تدعيه المادية التاريخية. هناك، في أفضل الأحوال، استنتاجات من آثار المجتمعات البشرية. على أن ما لا يمكن إنكاره يتجسد في حقيقة واحدة، ألا وهي أن الأديان على اختلاف أشكالها ولّدت جميعا كهنة يحتكرون معرفة أسرارها. لكل دين كهنته وكهنوتيته. أولئك الكهنة احتكروا ليس فقط تفسير وتأويل نصوص الشرائع، بل أحاطوا أنفسهم بهالة من القدسية باعتبارهم مطلعين على أسرار مقدسة لا يجوز أن تتجاوز معرفتها دائرة الكهنة. وصار هؤلاء بدورهم طبقات تعرف كل منها أكثر ممن تحتها، والطبقة الأعلى تعرف الأسرار المطلقة عن الماضي، وعن الخلق، وعن المستقبل وأحداثه الكبرى. ووصلنا بذلك، وفي وقت مبكر من التاريخ، إلى مرحلة صار فيها الكهنة يحتكرون أسرار أو معارف دينهم، ولا يبوحون بها للناس العاديين الذين يدينون بذلك الدين. إنه احتكار المعرفة، المعرفة الغيبية، وإحاطتها بالسرية والقدسية. وما على الناس إلا اتباع ما يقوله المطلعون على الأسرار.
والتاريخ يخبرنا أنه بالتزامن والتوازي مع ظهور الكهنوتية الدينية ظهر أفراد أكثر قدرة من غيرهم على التفكير المستقل، فرفضوا ربما ليس الكهنوتية وحدها، بل الدين جملة وتفصيلا، وحاولوا أن يجدوا أجوبة عن الأسئلة الوجودية، في البداية بالتفكير المنطقي، ثم بالبحث والتقصي، ووضع النظريات. أولئك الرافضون للكهنوتية لم يكونوا في البداية يسمون بالعلماء، بل كانوا مفكرين وفلاسفة وذلك لأن مفهوم “العلم” لم يكن قد تبلور بشكل واضح، مع أن نهج المفكرين كان علميا، فقد كان قائما على البحث عن الدليل الملموس، إنما ليس بالتجربة وإجراء الأبحاث المختبرية أو الميدانية.
الفوارق بين الكهانة والعلم
أحد الفوارق الأساسية بين فريق الكهنة وفريق المفكرين كان أن الأول أقام كيانه، ونظامه، وسيطرته على “السرية”، أي على وجود أسرار يعلمها الكهنة دون غيرهم، بينما المفكرون أقاموا شريعتهم على العلنية ومشاركة الفكر والمعرفة مع الآخرين. المفكرون الإغريق كانوا يكتبون أفكارهم لينشروها بين معاصريهم وبين الأجيال اللاحقة. وهذا كان ديدن المفكرين على امتداد التاريخ. الباحثون العرب والمسلمون، والذين ظهرت بواكير العلوم على أيديهم، أو طوروها عن الإغريق أو الفرس، مثلا الطب، والرياضيات والفلك، بل وحتى علم الأحياء، لم يكونوا استثناء من هذا النهج، فالجاحظ، وإخوان الصفا، وابن سينا، وابن رشد وابن خلدون كتبوا ونشروا معارفهم وعلومهم ليستفيد منها كل البشر. ومن المفارقات الكبرى أن الأنبياء الذين قالوا أنهم يتلقون الوحي من الـ “أحد” كانوا في معسكر المفكرين الأحرار، وكانوا يسيرون على نفس نهجهم، فلم يبقوا شيئا سرا تقتصر معرفته عليهم وحدهم. لقد قالوا كل ما رأوه، وكل ما أوحي به إليهم دون إخفاء شيء عن الناس. لكن أتباعهم شكلوا من بعدهم كهنوتيات على منوال من سبقوهم.
وفارق آخر كان أن الفكر والعلم بقيا، وإلى حد كبير، خارج سيطرة الدولة. ومعروف أن الدول في العصور القديمة كانت – في سعيها إلى شرعنة سلطتها و ترسيخها، قد وجدت في فريق الكهنة ضالتها، فأولئك كانوا أقدر على تسويق القادة، والأمراء، والملوك بين شعوبهم عن طريق إضفاء شيء من قدسيتهم على أولئك الطامعين في سلطة مطلقة على الناس. إن الكهنة كانوا أكثر استعداد لفعل ذلك، بينما المفكرون كانوا دائما إلى جانب الشعوب والمضطهدين.
يمكننا أن نقفز من هذا كله إلى القول أن الكهنوتية الدينية والفكر الحر سارا على خطين متوازيين، وهما في صراع متواصل، ولم يلتقيا قبل القرن السابع عشر للميلاد. يمكننا أن نقول أيضا، ونترك أمر التيقن مما نقول للقارئ نفسه، أن غاليليو، وكوبرنيكوس، وإسحاق نيوتن كانوا آخر من في تلك السلسلة النبيلة التي امتدت من زمن السومريين إلى زمنهم. عندما اكتشف كوبرنيكوس أن الأرض تدور حول الشمس، وليس العكس، ودافع عن ذلك غاليليو فإنهما أعلنا ما اكتشفاه على الملأ دون أن يخافا من سوء العاقبة. وليس هناك من يدعي أن إسحاق نيوتن اكتشف شيئا أخفاه عن الناس، أو أن الدولة وضعت يدها على اكتشافاته. وكان أولئك يخدمون العلم في سبيل العلم والحقيقة.
عصر احتكار العلم وبروز الكهنوتية العلمية
بعد العصر الذهبي للعلم في أوروبا على أيام العلماء العظام الذين تم ذكرهم وغيرهم، بدت بوادر على أن الدولة صارت تضع يدها على المكتشفات العلمية، والأفكار والابداعات لأن العلم والبحث العلمي وما يمكن أن يؤديا إليه من اكتشافات واختراعات صار ينظر إليهما كمورد استراتيجي للدولة يعضد قوتها، ويمدها بوسائل الغلبة على غيرها من الدول. وترتبت على هذا نتيجتان كارثيتان، الأولى أن العلم وما يولده من معرفة ومخترعات لم يعد للنشر المباشر، وإنما صار عليه أن يمر أولا عبر مصفيات سياسات الدولة، وتحقيق المنفعة الاستراتيجية – الدفاعية أو الهجومية – لها، قبل أن تعرض على الآخرين كبضاعة تجارية ذات منافع للناس. وموصول بهذا أيضا أن المعرفة العلمية صارت حكرا على مجموعة دون سواها – العلماء المكتشفون ونخبة السياسيين في إدارة الدولة، مما استتبع ظهور الكهنوتية العلمية. وثانيهما أن التفكير الاستراتيجي استوجب أن تقوم الدولة، ليس فقط باحتكار العلم وحصره في نطاق النخبة، بل بنشر ما هو زائف وغير حقيقي في مختلف مجالات العلوم على سبيل التمويه والتشويش على الأعداء. وقد شكل البريطاني تشارلس داروين نقطة انعطاف حقيقية في هذا الاتجاه، فقد نُشرت له قصص خرافية تحت مسمى “نظرية التطور” شوشت عقول ملايين الناس في مختلف البلدان والدول في كل أرجاء الأرض، محولة إياها نحو الضياع في متاهة ادعاءات عن تطور الحياة، والكائنات الحية، لا سند لها على الإطلاق. ثم نجحت الدولة (وهنا بريطانيا) في أن تؤسس بالفعل كهنوتية علمية تكلكل على كل المؤسسات العلمية، والتعليمية، والتربوية في نطاق مجالها من خلال جعل تخريفات تشارلس داروين إطارا للتفكير في مسار الحياة والكائنات الحية على وجه الأرض، وفرض ذلك الإطار على الجميع.
أصناف العلوم .. نهاية الصراع بين الكهانة والعلم
رغم أن من يتولون تصنيف العلوم يمكنهم التحدث عن أصناف مختلفة منها، حسب مناهج البحث والوسائل التي يتبعها كل مجال علمي، إلا إن الحقيقة هي أن العلوم قاطبة يمكن تقسيمها اليوم إلى صنفين. هناك: أولا، صنف العلوم التي تعمل على تشكيل وعينا بالواقع الاجتماعي، وإعادة تشكيل هذا الواقع باستمرار من خلال تغيير الواقع؛ وهنا نذكر كل العلوم التطبيقية في مجال التكنولوجيا، والطب والمواصلات، والاتصالات، وكذلك علم النفس وعلم الاجتماع. ثانيا، صنف العلوم التي تحاول تشكيل وعينا بالواقع المحيط بنا، من تاريخ الحياة على الأرض، إلى طبيعة الأرض، وإلى الكون؛ وهنا نذكر علوم الفضاء، والفلك، والجيولوجيا، والبيولوجيا، وغيرها.
اليوم لا نخطئ عندما نقول إن العلم بصنفيه التقى مع الكهانة على خط احتكار المعرفة، بل وأنه اندمج أيضا بالكهانة في صنعة الاحتفاظ بالأسرار، واتخاذها وسيلة للتحكم بالعقول، والنفوس، والشعوب. وتطرفت علوم الصنف الثاني في اندماجها بالكهانة إلى حد تجاوز مجرد حجب المعرفة عن البشر – بمن فيهم عبدة العلم، ووصل حد الإمعان في اختلاق الخرافات ونشرها على أوسع نطاق ممكن. انتهت مرحلة صراع الأضداد بين الدين والعلم، وبدأت مرحلة التقارب ثم الوحدة بين الكهنوتية الدينية والكهنوتية العلمية.
إننا نعرف أن المعرفة المتولدة من علوم الصنف الأول حكر على نخب صغيرة في بضع دول متقدمة، لكننا نميل، أحيانا مرغمين غير مخيرين، إلى تقبل الاحتكار كأمر واقع لأننا رغم ذلك نتمتع بثمار تلك المعرفة المحتكرة التي تعد بمثابة أسرار استراتيجية. معظم البشر يستفيدون، أو يمكنهم على الأقل أن يستفيدوا من وسائل النقل الحديثة مثل الطائرات النفاثة، والقاطرات والسيارات. كذلك نستفيد من أجهزة الهواتف الذكية، ومن الحواسيب، وغيرها. ونستفيد من الأدوية التي تحتكر صناعتها شركات معينة في دول معينة. ومن الممكن أن نعدد مجالات أخرى تقتصر المعرفة فيها على نخب تغتني وتحتل مواقع القوة والتأثير على مقدرات البشر، مثلها مثل النخب الكهنوتية في الأديان، قديمها وحديثها. إن من يتوصلون إلى صناعة أنظمة التجسس على الهواتف وعلى الحواسيب لا يعلنون نتائج علمهم على الملأ كما كان يفعل نيوتن مع اكتشافاته، بل هم يضربون أسوارا منيعة حولها خوفا من التسرب، ليس فقط تسرب المعرفة نفسها إلى غيرهم، بل وأيضا تسرب العلم بوجود تلك المعرفة ووجود تلك الأنظمة أصلا. لم يعد هناك علم من أجل العلم أو الحقيقة. هناك علم من أجل التجارة والسيطرة.
أما علوم الصنف الثاني فأصبحت كهنوتية ليس فيما يتعلق بالاحتكار فقط، وشرعنة الاحتفاظ بأسرار مقدسة، والإصرار على ألا ينتفع منها أحد غير الكهنة، بل وأيضا في صناعة الخرافات ونشر غيرها مما لا يستطيع أحد الحكم على صحتها من خرافيتها، ودون أن يكون لأحد أيضا أي نفع في الاطلاع عليها، هذا إن لم يكن فيها ضرر، مثلا عندما تحاول تلك العلوم تشكيل وعينا بالطبيعة والكون بمعلومات تنعكس سلبا على وعينا لواقعنا الإنساني. لنضرب مثلا، ما قصة الأطباق الطائرة التي تنشغل البشرية بها منذ الحرب العالمية الثانية؟ ما قصة الموقع رقم 51 في صحراء نيفادا؟ ما قصة أسرار القطب الجنوبي؟ ثم هل نزل الأمريكيون فعلا على القمر؟ وماذا وجدوا على المريخ؟ النخب في الدول الكبرى تتركنا في انشغالنا الفارغ بما هو غير حقيقي.
العبث بوعينا للطبيعة والكون
إن الكهنوتية الداروينية في علم البيولوجيا شوهت فهم ملايين الناس لتاريخ الطبيعة والحياة، ولنشوء الإنسان. هذا عار لا يمكن محوه من جبين العلم إلا بمحاكمة عادلة لداروين والذين صنعوا كهنوتيته. لكن داروين كان البداية وحسب. اليوم فإن وكالة الفضاء الأمريكية – ناسا – تعتبر أكبر الكهنة في مجال الفضاء. ولا يتوقف الأمر هنا على أن ناسا تعرف أكثر بكثير مما نعرف نحن الذين كان بإمكاننا قبل قرون معرفة كل ما يكتشفه كوبرنيكوس وغاليليو مباشرة، بل إن كهنوتية ناسا أخطر من الكهنوتية الدينية إذ إنها تعرف غير ما تجعلنا نظن أننا نعرفه. بالتأكيد فإن ناسا لديها حق الكهانة فهي لا تستثمر مليارات الدولارات وجهود آلاف العلماء لكي تقدم معلومات مجانية للروس والصينيين، وغيرهم. ونفس السلوك الاحتكاري الكهنوتي يسلكه الآخرون، الروس والصينيون وغيرهم. ولكن هل تسهم ناسا أو غيرها في تشكيل وعينا بالكون بطريقة سليمة؟ كلا. وهذا ليس فقط لأنها تحجب معلومات مهمة عن الناس، بل لأنها تنشر معلومات مشوشة لا أحد يعرف الغرض أو الفائدة منها. مثلا ماذا ننتفع من معرفة أن قطر المجرة التي تقع فيها مجموعتنا الشمسية يبلغ تسعين ألف سنة ضوئية؟ معلومة مفيدة؟ لكن المعلومة تصحح لاحقا إلى أن قطر المجرة يبلغ في الحقيقة خمسمئة ألف سنة ضوئية. ويجب أن نتهيأ لتصحيحات لا نهائية، ولا قيمة لها. كل ما تنشره ناسا وتعلنه مشكوك فيه لأنه يرمي إلى تضليل خصوم أمريكا.
أما البيولوجيا والجيولوجيا فحدث ولا حرج، فقد زمروا ورقصوا وكتبوا مجلدات عن “لوسي”، أم البشرية التي عاشت قبل ثلاثة ملايين سنة في تنزانيا، ووجدوا بقايا بعض من عظامها هناك. لقد ألفوا عنها قصصا مشوقة، فقد حددوا باكتشاف عظام لوسي تاريخ البشرية. لكنهم أعلنوا قبل بضعة أيام عن اكتشاف آثار أقدام بشرية محفورة في الصخور في جزيرة كريت عمرها أكثر من ستة ملايين سنة!! ألا تكفي هذه الهمروجات العلمية؟
وغير هذا، فإن علماء الفضاء والفيزياء يغرقوننا باستمرار بمعلومات سرعان ما يتبين أنها افتراضات يعرفون هم سلفا أنها مجرد افتراضات لا دليل ملموسا عليها، لكنها تعتبر لدى البشر العاديين حجر الزاوية في وعيهم للعالم لأنها معلومات تأتي من “علماء”. نكاد نقول إن أي عالم اليوم لا يتخلق بخُلق غاليليو في البحث عن الحقيقة والتضحية بالحياة من أجلها. إن الشهرة وتسجيل الأهداف في المبارايات العلمية هدف أكبر من الحقيقة ويتقدم عليها. إن ملايين البشر تنفسوا الصعداء عند نشر نظرية الانفجار الكبير، وظنوا أنهم أخيرا عرفوا قصة الكون، بل إن كهنة الأديان سارعوا إلى تأييدها لأنها تتطابق مع معرفتهم عن بداية للكون ونهاية لها، وأن البداية دليل على وجود المُبدِئ. إنها ضربة معلم. لكن ما الدليل؟ وأين سينتهي الانفجار الكبير وتوسع الكون الذي نجمَ عنه؟ بضياع المادة في الفراغ اللانهائي أم بالانقلاب عند نقطة ما إلى عملية عكسية حيث ستعمل الجاذبية على تجميع ما تشتت فيرجع الكون إلى النقطة التي حدث فيها الانفجار الكبير؟ من يجيب؟ إن القصة ليست أكثر مصداقية من الحديث عن الأكوان المتعددة. إنهم يحاولون تشكيل وعينا بالكون، لكنهم يعبثون، في الحقيقة، بوعينا بالكون! كل ما يقولونه لا يختلف في حقيقته عن القصص التي روتها الأديان عن خلق السماوات والأرض. صدق بها أو لا تصدق. آمِن بها أو لا تؤمِن. المسألة مسألة إيمان لا غير.
انقراض الديناصورات .. ولقصص الخيال العلمي بقية
لننظر في جزئية أخرى في عملية تشكيل وعينا بالطبيعة التي يقوم بها علماء الصنف الثاني. هل هناك من لا يعرف أن الأرض كانت تعمرها قبل عشرات ملايين السنين كائنات عملاقة هي الديناصورات؟ وهل هناك من لا يعرف أنها انقرضت؟ أو لا يعرف متى، وكيف؟ بالتحديد قبل ستة وستين مليون سنة انقرضت الديناصورات بسبب كويكب ضخم ضرب الأرض فأحدث زلازل وتسوناميات ضخمة، وتسبب في ارتفاع سحب من الغبار غطى سماء الكرة الأرضية، وحجب عنها حرارة الشمس فساد على الأرض مناخ قاس من البرد استمر لعصور طويلة، وأدى إلى فناء جزء كبير من الكائنات الحية، ومنها الديناصورات. حسنا، ومن رأى ذلك الحدث وسجله؟ لا أحد. إنما الكويكب الذي ارتطم بالأرض ترك فوهة بركان قطرها 200 كيلومترا ما تزال موجودة في المكسيك. وهذا كلام استند إلى دراسات “علمية”! كثيرة منها لقيعان المحيط، ومنها لفوهة البركان، إلخ.
إن قصة انقراض الديناصورات جزء من وعينا لتاريخ الطبيعة الممتد على مئات الملايين من السنين. وهي قصة مشوقة، لولا أنها لا تصمد أمام أي نقد يرفض الخزعبلات العلمية مثلما يرفض الخزعبلات الدينية. لا نسأل لماذا الديناصورات بالذات تحتل هذه المكانة في وعينا؟ لقد انقرضت على مدى ملايين السنين كائنات حية عديدة. بل إن مئتي مليون من الهنود البشر انقرضوا في أمريكا قبل نيف ومئة سنة، فلماذا لا يشغلون نفس الحيز في وعينا؟ ولماذا لا نبحث في أسباب انقراضهم وهي في متناول ايدينا؟ بل إن هوليوود أنتجت مئات الأفلام التي ترسخ في أذهاننا أن الهنود الحمر كانوا برابرة يعادون حضارة الرجل الأبيض. إننا بمثل هذا الاستطراد ندخل مجال علم آخر يقع على الحدود بين الصنف الأول والثاني، علم السياسة الذي يحمل بصمات ميكافيللي والبدع التي علمها للسياسيين للتلاعب بوعي الناس، عبر الذراع الإعلامية لهذا العلم. علم السياسة هو بحق علم الأكاذيب، والتضليل، وتبرير المظالم. دعنا نواصل الحديث عن أسطورة الديناصورات.
نعود إلى فوهة البركان التي تسبب بها الكويكب الكارثة، فنسأل: هل حدث الارتطام في المكسيك فملأ الغبار السماء فوق الصين والهند وأفريقيا، وأستراليا أيضا إلى ارتفاعات مئات الكيلومترات؟ ما الفرق بين هذا الادعاء وبين قصة الطوفان التي تتحدث عن أن الماء غطى وجه الأرض كلها؟ لماذا الطوفان خرافة وهذه القصة علم؟ هناك سبب واحد وهو أن الكهنوتية العلمية أقوى بما لا يقاس من الكهنوتية الدينية.
ثم نسأل: تلك الفوهة التي أحدثها ارتطام الكويكب بالأرض بقيت هناك من ستة وستين مليون سنة كما هي بمقاييسها التي تخبرنا اليوم عن حجم الكويكب وسرعة ارتطامه بالأرض، ألم تتأثر بأي شيء؟ ألم تحدث زلازل في المنطقة في الستة وستين مليون سنة الأخيرة فتغير من الفوهة شيئا؟ ألم يحدث تغير مناخي فأصبحت المنطقة ضمن دائرة الأمطار فامتلأت الفوهة/الحفرة بالماء وأصبحت بحيرة؟ ألم تتعرض لفعل الرياح والتآكل؟ لا، إنها اختارت أن تبقى كما شكلها الكويكب لتولع خيال علمائنا بقصص مشوقة، علمية فوق هذا وذاك. لكن صبرا، فقد ظهرت نظرية جديدة تقول إن الديناصورات انقرضت، في الحقيقة، نتيجة انفجار بركان ضخم في الهند أدى إلى امتلاء السماء الدنيا بدخان كثيف تسبب في اختناق أكثر الكائنات الحية يومها، ومنها الديناصورات. ويمكن أن نقول .. ولقصص الخيال العلمي بقية ما بقيت الكهانة ودامت.
المؤمنون بالعلم
في ظل الاحتكار الكهنوتي للعلم وما يولده من كم هائل من المعرفة التي لا نستطيع الحكم على صحتها، وما ينشرونه من معرفة لا أدلة عليها، نسأل من يقولون إنهم يؤمنون بالعلم: أي علم تؤمنون به؟ العلم الذي تعرفون النزر اليسير من قشوره، ولا تعرفون جوهره وما خفي منه، وهو أعظم؟ أم العلم الذي تحتكره نخبة مجهولة الهوية، وتستخدمه للتحكم بكم وبمليارات البشر، وبحياتنا، وبعقولنا، فتحولنا إلى روبوتات تستهلك منتجاته؟ أم العلم المزيف الذي يُنشر للتمويه على الأعداء، وغسل أدمغة البشر وجعلهم يلتفون حول الكهنة، ويفغرون أفواههم بانتظار ما سينطق به الكهنة/العلماء؟ العلم الذي تؤمنون به لا وجود له إلا في رؤوسكم. إن السائد منه لن يوصلكم إلى أية حقيقة لأن الوصول إلى الحقيقة ليس غرضه وهدفه.
لقد وصلنا إلى منعطف جديد في تاريخ الإنسانية صار فيه لزاما على الأفراد الذين لديهم قدرة على التفكير الحر المستقل، أن يرفضوا الكهنوتية العلمية مثلما رفضوا الكهنوتية الدينية جملة وتفصيلا، ويحاولوا أن يجدوا أجوبة عن الأسئلة الوجودية بالتفكير المنطقي، بالعودة إلى العقل وقدرته على النقد وعلى فرز الغث من السمين، وفرز الحقيقي من الزائف. لسنا بحاجة إلى أن يسمينا أحد “علماء”. يكفي أن نكون مفكرين أحرارا، ونشق طريقنا في ظلمات الكهنوتيات بنور العقل.
2021-10-21