المتحولون…!
خالد صبيح
من يعيش في أوربا قد يكون صادف أحد المتحولين جنسيا، أولئك الذين يختارون، لأسباب هرمونية وثقافية، أن يغّيروا جنسهم.
في متجر للمواد الغذائية صادفت هكذا شخص. شاب اختار أن يغيّر جنسه، وقد شهدت، لأني دائم التردد على المتجر ولمدة طويلة، عملية تحوّله؛ غيّر من ملبسه وأخذ يضع مساحيق على وجهه. طبعا هو حر وهذا خياره وأنا أتعاطف معه ولكني أتساءل: ألا يعاني هؤلاء الأشخاص في تفاصيل حياتهم اليومية؟ مثلا، أين سيغّير هذا الشاب ملابسه في العمل، في منزع النساء أم الرجال؟ والأكثر احراجا وحيرة أين سيفعل ذلك إذا ذهب إلى المسبح، هناك الوضع أكثر احراجا؛ لا النساء تقبلن حضوره بينهن، ولا هو يستوعب مكانه بين الرجال.
حيرة!
ولسوء الحظ “لا توجد، كما يدعي قباني، منطقة وسطى بين الجنة والنار”، حيث يستطيع هؤلاء أن يحلّوا هذه الإشكالات الحياتية البسيطة.
لكن هؤلاء ليسوا هم موضوعي، انا فقط استعنت بهم، لما أراه من تشابه بينهم وبين المتحولين فكريا، أعني أولئك الذين بدّلوا قناعاتهم “الفكرية” و…. “الأخلاقية”، بحكم أن للأخلاق علاقة بالسياسة، أو بمعنى أدق بخيارات الإنسان الحياتية.
ومن هؤلاء يعنيني بالتحديد من كانوا شيوعيين وصاروا، “ما بين غَمضةِ عَين وانتباهتها”، و”بقفزة نوعية”….. ليبراليين.
أول شيء يلفت النظر في هؤلاء المتحولين هو أنهم، وكأي مستجد في الصنعة، تسلحوا بالعدة الليبرالية بفجاجة تفوق الفجاجة الليبرالية الأصلية. والعدة الليبرالية بنسختها العربية، لمن لا يعرف، لها مفردات “تموينية” محدودة، على رأسها كراهية مطلقة للماضي، كل الماضي، بكل حمولاته وتلاوينه، ورفض عدمي لكل شيء اسمه واقع عياني، والتشبث الأعمى والشكلي بما يعتبرونه أساسات الحداثة، مثل رفض القيم الاجتماعية (والمجتمع) بالجملة، والانبهار المطلق بكل ما في الحضارة الأوربية، دون تمييز أو غربلة.

وعدتهم “النظرية” المعتمدة تقوم على عمودين أساسيين؛ هما كراهية الإسلام، والوله بحب إسرائيل. في الأول يمارسون عمى الوان فاضح بوضعهم كل الإسلام في سلة واحدة واختزاله برأي واحد، هو الذي يمثله الإسلام السياسي العنيف والمتطرف، ويلغون كل تدرجات الطيف الّلوني الأخرى؛ مثل الصوفية والتدين الشعبي وغيره من تنوعات الحالة الإسلامية، التي تتلون بتنوع وتعدد المجتمع الذي تحيا فيه، هذا عدا سوء الفهم الذي يختزل الإسلام الى عقيدة ونصوص، ويتخطى ما يقوم عليه من تاريخ ووقائع مادية امتدت على مدى قرون وتركت أثرها المجتمعي والقيمي داخل الفرد والمجتمع، الأمر الذي يصبح فيه من غير الممكن التعامل مع الإسلام، كما مع أي عقيدة أخرى، باعتباره حالة واحدة يمكن اجتثاثها بالقمع والمصادرة أو بالتحول الماهوي الذي يحلمون به ويقيسون ممكناته على حالتهم الشخصية في تحولاتهم الكاريكاتورية.

وهذا القصور في الفهم تجسد حرفيا في فهمهم لظاهرة التطرف وجماعات العنف الإسلاموية على أنها نتاج نصوص، وهو تصور يلغي عمق وتجذر وتأثيرات الواقع المادي، أي المكان والزمان وتحولاتهما التي يتحرك فيها النص ويتفاعل. فالنص ثابت في بنيته لكنه متحرك في معناه الذي يخضع لمتغيرات واقعية ومادية (اجتماعية واقتصادية وثقافية و “نفسية”) وهي التي تحدد سماته ومفاعيله، وليس بنيته الثابتة التي لو صح ما يدعونه من تأثيرها المطلق وقدرتها على صنع الواقع، وهذه (مثالية متهافتة)، لكان النص هذا قادرا على انتاج الظواهر، ظاهرة العنف مثلا، وإعادة انتاجها بشكل متكرر وعلى مدى تاريخ كينونته.

وهذا الفهم المبتسر لا ينطوي على قصور منهجي فقط وإنما هو خطأ سياسي تكتيكي أيضا. لأن واحدة من أهم مقتضيات مواجهة الإرهاب الإسلاموي هي تجريده من أسلحته ومن ما يمنحه الشرعية، وليس تسليحه، كما يفعل الليبراليون، بأسلحة يحتاجها ويتمناها، فأنت حين تعتبر أن الإسلام، كل الإسلام، هو الإسلام السياسي (داعش مثلا) تمنح هذه التنظيمات قوة وشرعية هي بأمس الحاجة إليها، فأقصى ما يتمناه هؤلاء ويحتاجونه هو حصولهم على “شرعية” تمثيل الإسلام والمسلمين.

أما تولههم بإسرائيل فهذا هو الحدث العجاب، ليس لأنه مجاف للواقع، المفهوم والبسيط، وتشوها فكريا أو تدنٍ في مستوى الوعي والنظر، وحسب، وإنما هو تعبير عن سقوط أخلاقي بالمعنى الحرفي والمباشر. فهم يغطّون الوجه العنصري الاستيطاني للصهيونية و” إسرائيل” بغطاء ما يسمونه حداثتها وتطورها..” كذا” وكأن الاستعمار الأوربي، بشكله القديم الذي باتت صورته وجوهره معروفين ولا يمكن تغطيتهما، لم يكن متطورا وحداثيا هو الآخر. لكن، ولكي تختبر مدى متانة سلعتهم النظرية في هذه النقطة يكفي أن تدعهم يتحدثون عن قناعتهم دون مقاطعة لتجدهم وقد تعثروا، لاإراديا، في تهافت منطقهم، ليقعوا، بطريقة مضحكة، في تناقضات موقفهم المشوه.

والغريب أن هؤلاء لا يعيشون التوتر الذي يعانيه المتحولون عادة، وهو التوتر الطبيعي الذي يعيشه عادة من تفتح الحياة أمامهم الخيارات ويجدون أنفسهم أمام منعطف ما، بل تجدهم، مثلهم مثل المؤمن الغيبي، مستسلمين لقناعاتهم أو “إيمانهم” الجديد، ومتناومين على مسلماتها، دون أي أثر مترسب في أعماقهم، ولو بدرجة “مليلترية”، من قناعاتهم السابقة، بل تجدهم مطمئنين أقصى حدود الطمأنينة، لأحكام تصوراتهم الجديدة دون مساءلة.

والطمأنينة في عالمنا وزمننا المضطربين، هي علامة لأشياء عديدة من بينها، وربما أتعسها، هو السطحية.
ومرّد ذلك، بتصوري، يعود إلى الآلية، أو قل الروحية، التي يتبنون بها قناعاتهم.
قال لي مرة أحدهم: عندما كنت شيوعيا كنت هكذا.. وأشار بيده علامة الخط المستقيم، وكان يعني الجمود والحرفية. ولكن يا عزيزي وأنت ليبرالي مازلت أيضا هكذا، جامد وتأخذ الأشياء بأشكالها دون فهم ولا إدراك.
لهذا نجد هذه الهجنة والخلط في أفكارهم، حيث يمزجون بقايا جمود شيوعي مع جمود ليبرالي مبتكر، فهم ليبراليون مؤمنون بحرية الفرد والرأي، لكنهم يقصرونها على “جماعتهم”، ويحرمون غيرهم منها، ولا يتورعون عن إطلاق أحكام فاشية في مسائل ملموسة، مثل طرد اللاجئين أو اعدامهم.
قال أحدهم مرة، وبكل قناعة، إن على أوربا أن تعدم المجرمين من أصول أجنبية لديها. وهذه فكرة لم يجرؤ أعتى نازي اوربي على اطلاقها.
وهنا في هذا المفصل يجسدون تلاقيهم مع المتحولين جنسيا، ويعبرون عن ضياعهم الفكري مثلما ضاع أولئك بين الأجناس.
وعلى هامش هذا التحول وفي حياضه وقعت ارتدادات موضعية عند بعض آخر، نتج عنها عصبيات قومية ودينية، وفي حالات نادرة وبدرجة أقل، مذهبية. وصرنا نرى تقدم تلك الهويات الضيقة عند هؤلاء على هوية الانتماء الفكري والسياسي. لكن هذا نتج، بتصوري، عن حالة اليأس التي مر بها الشيوعيون بعد عام 1988؛ الأنفال واحتلال الكويت وهزيمة العراق بالحرب، ثم الحصار، الذي أعقبته حالة انكفاء عامة ولّدت نزعة عدمية غلّفتها ومهدت لها ومنحتها التبريرات بريسترويكا غورباتشوف، الأمر الذي أدى الى شعور جماعي بالإحباط أنعش نزعة ذاتية عند كثيرين منهم جعلتهم ينسحبون إلى همومهم الشخصية ومصالحهم الخاصة. وبرزت آنذاك حالة من السوداوية والإحباط، ولمواجهة مشاعر النكوص التي ولدت عن هذه الحالة، احتاج هؤلاء الى مكان يوفر لهم الإحساس بالأمن والدفء فوجدوه في حضن انتماءاتهم الاجتماعية الأولى. لكن مع انفراجات الواقع، خصوصا بعد 2003، استعاد بعض من هؤلاء مشاعره السياسية والأيدلوجية القديمة لكنه مزجها وغطاها بميوله المتأخرة، (الدينية والقومية)، التي أخذت عنده موقع الأولوية في دائرة ممارساته وقناعاته.

ومن بين هؤلاء انفرد الكرد بالذهاب عميقا ودون رجعة نحو خيار التعصب والانغلاق القومي وقدموه على قيم ماضيهم الوطنية والأممية المنفتحة، مع ملاحظة أن عمر التحول عند الكرد، الذي كان أشبه بالارتداد منه بالتحول، أقدم في الزمن وأبعد في الأسباب عما هو في الحالات الأخرى.

يمكن فهم وأيضا تفهم أن يحدث تحولا فكريا عند بعض الناس، خاصة في المنعطفات، بعد مراجعة لأفكارهم وقناعاتهم، وهذا مظهر عافية، لكن ذلك يتطلب، منطقيا، تدرج معقول في انتقالهم إلى الفكرة الأخرى، يمرون خلاله بمراحل انتقالية، كأن يتحول، مثلا، شيوعي إلى اشتراكي ديمقراطي، أما القفز مرة واحدة، دون ممهدات منطقية، من فكر إلى نقيضه، كما فعل المتلبرلون، فتبدو حالة صعبة الاقناع وعسيرة الهضم.

وإذا كانت دوافع المتحولين، من المتلبرلين ومن غيرهم، حقيقية، سواء كانت قائمة على القناعة أو الوهم، فهي ليست كذلك عند مجموعة أخرى كانت دوافعهم للتحول انتهازية، فهؤلاء، وبعد أن عجز انتماءهم الأول، الشيوعي، عن تقديم النفع لهم، وتوقف عن تأمين مصالحهم الشخصية الضيقة، تنصلوا منه بادعاءات كاذبة غلّفت سلوكهم ومواقفهم بغلالة مزيفة، تكشف أكثر مما تستر، حول “انتقالة فكرية” برروا بها انعطافتهم الانتهازية.

والان، وبعد أن أفلست الليبرالية وغربت شمسها وما عادت موضة يتزيّن بها السذج، كيف سيكون موقف المتلبرلين منها، وهل سيغّيرون من قناعاتهم فيها، وإلى أي اتجاه عندها سيذهبون، وفي أي منعطف سينعطفون؟
‎2021-‎10-‎16