من زوايا ذاكرة عراقية.. قراءة في كتاب الاستاذ الدكتور طارق يوسف اسماعيل (من زوايا الذاكرة: على هامش ثورة 14 تموز 1958)!

د. سعد ناجي جواد

هناك اشخاص يقودهم القدر الى المشاركة في احداث هامة منذ نعومة اظفارهم، ويمنحهم الله القدرة على ادراك انهم يعيشون في مرحلة غير عادية، والذكي منهم هو من يلعب دورا في هذه الاحداث ولا يتركها تلعب به، والاذكى هو من يحرص على تدوين ما يجري لكي تكون تجربته شهادة معاشة على تاريخ مهم.

والاخ الدكتور طارق يوسف اسماعيل هو احد هذه الفئة من الشخصيات والاكاديميين. سبق عمره ووجد نفسه من حيث لا يدري، وفي سن مبكرة، يعيش وسط قامات اكاديمية-علمية وسياسية وفنية واجتماعية كثيرة، واستطاع ان يكون قريبا منها، او بالاحرى ان العديد من هذه الشخصيات اكتشفت مواهبه وفطنته وتفانيه في العمل فقربته منها، ولم يخيب هو املها.

تعرفت على الاخ طارق (ابو شيرين) منذ فترة طويلة جدا. وقصة لقائي الاول به قصة طريفة تستحق الذكر. فبعد ان حصلت على درجتي العلمية وعدت الى العراق عام 1978، علمت انه كان قد قضى قبل عودتي سنة تفرغ علمي في العام الدراسي (1973-1974) في جامعة بغداد، وفي كلية القانون والسياسة، كليتي الام والتي عُينتُ استاذا فيها بعد عودتي. ثم كانت هناك مراسلات بيننا حول امور علمية متعددة، حيث كانت الكلية تستعين باراءه في ترقيات علمية تخص اساتذتها. في عام 1986،وفي ذروة الحرب العراقية-الايرانية، وجه الدكتور طارق لي وللمرحوم د وميض نظمي (رئيس قسم العلوم السياسية آنذاك، وقبل ان يصبح كلية منفصلة بعد ثلاثة اعوام) دعوة للمشاركة في المؤتمر العلمي السادس للجمعية الدولي لدراسات الشرق الاوسط التي كان يتراسها، والتي عقدت الموتمر في جامعة (كالكري) الكندية التي اصبح، ولا يزال، احد اعمدتها منذ عام 1966. وكان موعد المؤتمر في صيف العام نفسه(آب/اغسطس). فرحنا بالدعوة خاصة في تلك الظروف الصعبة وتقييدات السفر بسبب الحرب. استغرق الامر وقتا طويلا للحصول على الموافقة وتاشيرة الدخول الى كندا. بعد انتظار منحتي السفارة تاشيرة دخول رفضت السفارة الكندية منحها للمرحوم وميض (وهذا موقف كانت تتخذه منه كل من بريطانيا والولايات المتحدة بين الفينة والاخرى بسبب تاريخه النضالي المعروف المؤيد للحقوق الفلسطينية، والذي حذا فيه حذو مثله الاعلى خاله الشهيد باسل الكبيسي الذي اغتالته الموساد الاسرائيلية في باريس، والذي كان من اقرب اصدقاء الدكتور طارق ايضا). ولكن بعد ان حصلت على كل الموافقات والتاشيرة، صدر قرارا رئاسيًا بالغاء العطلة الصيفية للجامعات وتحويلها الى فترة تدريب عسكري اجباري للاساتذة والطلبة. وبالفعل تم الحاقنا في بداية شهر تموز / يوليو نحن اساتذة وطلبة الجامعات العراقية كافة بمعسكرات تدريب تابعة للجيش العراقي في كل انحاء البلاد، وكانت عقوبة عدم الالتحاق الفصل من الخدمة نهائيا. عندها سلمت امري الى الله ونسيت موضوع السفر تماما. لكن شاء القدر بعد ثلاثة اسابيع من التحاقنا بالتدريب ان يتم استدعائي من قبل دائرة التوجيه السياسي في وزارة الدفاع لمناقشتي حول بحث كنت قد كتبته بطلب من وزير الدفاع انذاك عن القضية الكردية. وفي امر الاستدعاء تم تنسيبي لدائرة التوجيه السياسي لمدة ثلاثة اسابيع لتوسيع البحث والافاضة في بعض جوانبه لصراحته وجرأته، والذي ظهر انه ذهب الى جهة اخرى اعلى، (وهذا موضوع يحتاج الى مقالة اخرى). بعد ان انجزت ما مطلوب مني من اضافات اخبرت اللواء مدير الدائرة بالدعوة التي وصلتني وسالته ان كان بالامكان منحني موافقة لحضور المؤتمر، خاصة واني بحكم القانون الرئاسي الذي صدر اصبحت (متدربا) ملحقا بوزارة الدفاع. وبالفعل حصل لي على موافقة من وزير الدفاع وسافرت مباشرة الى كندا وانا بين مصدق ومكذب. في المطار كان في استقبالي الاخ الدكتور طارق واخذني مباشرة الى منزله حيث كان يقيم حفل استقبال للمشاركين في المؤتمر. وهناك تعرفت ايضا على الدكتورة السيدة جاكلين زوجته الكريمة، وعلى وجوه علمية واكاديمية كبيرة. ومنذ ذلك الوقت توطدت علاقتي به واستمرت لحد اليوم. بعد انتهاء الموتمر عدت والتحقت بمعسكر التدريب ثانية، وسط حسد وغبطة الزملاء كل حسب مشاعره تجاهي.

عُرِفَ الدكتور طارق منذ بداية حياته العلمية بكتاباته الاكاديمية الموثقة والرصينة عن مواضيع عراقية وعربية وعالمية. وكلها كانت لها ردود افعال كبيرة، والاهم انها اصبحت مراجع لا يمكن لاي باحث ان يستغني عنها. الا ان كتابه الاخير (من زوايا الذاكرة) والذي صدر عن (مكتبة النهضة العربية) العريقة في بغداد نهاية 2020، يكتسب اهمية من نوع اخر، اذ انه وَثّق لفترة مهمة من تاريخ العراق الا وهي تغير النظام من ملكي الى جمهوري. لقد اراد الدكتور طارق من الكتاب ان يكون بمثابة مذكراته الشخصية، او سيرة حياته، ولكنه جاء ايضا سجلا مهما لاحداث عاشها ولم يكتفي بسردها وانما كان له رايا فيها وتحليلا لها.

منذ البداية يشعرك الدكتور طارق بروحه الوطنية الطاغية وحبه الكبير للعراق وبزهوه لانتمائه الى عائلة ذات جذور عربية (من ناجية الاب) وكردية (من ناحية الام)، وهذا الاختلاط ومنذ قديم الزمان كان ولا يزال منتشرا في المجتمع العراقي، ويظهر الترابط الوثيق بين القوميتين في العراق. وكيف انه حرص فيما بعد على ان ياتي بعائلته (زوجته وابنتيه) الى بغداد ليعيشوا فيها لمدة سنة كي يتعرفوا على عائلتهم وجذورهم العراقية. ويَظهر حبه لوطنه اكثر من خلال حسرته على العراق الذي احتُلَ ودُمِر، وكيف انه اختلف اختلافا جوهريا عن ذلك العراق الذي ولد فيه ودرس في مدارسه وجامعته، ثم عمل فيه لفترة من الزمن كي يغترب للدراسة، وكيف ان ما حدث لبلده الحبيب وخشيته من ان يكون ضحية الصراعات السياسية العنيفة اجبره على ان يبقى مغتربا لحد هذا اليوم. ولمن يشكك في ما يسرده الكاتب من احداث مهمة وفي دوره فيها فلقد وثق حديثه بالصور الفوتوغرافية.

لقد مكنه قربه من منفذي ثورة 14 تموز، (والذي جاء ليس بتخطيط منه وانما بالصدفة البحته، ثم بعد ذلك بجهده وذكاءه وحسن تدبيره)، من ان يرصد ويسجل رايه في احداث جسام كالصراع بين قادة الثورة والتنافس، الذي اخذ شكلا عنيفا بين الاحزاب والتيارات السياسية، واكثرها بشاعة المذابح التي جرت في الموصل عام 1959، والتي حرفت الثورة عن اهدافها.

كما يمتاز الكتاب بان كاتبه، على الرغم من اعترافه بميوله اليسارية، الا ان هذا لم يمنعه من توجيه النقد للحزب الشيوعي العراقي على بعض سياساته في مرحلة الجمهورية الاولى 1958-1963، ثم استنكاره الشديد للمذابح التي تعرض لها نفس الحزب عام 1963، والتي يعزوها الى الدور الذي لعبته دوائر المخابرات الغربية والامريكية والتي يؤكد (مع ذكر بعض الوثائق) ان تلك الدوائر كانت قد وضعت خططا مسبقة لهذه التصفيات وبالاسماء، سلمتها للانقلابيين الجدد. وبسبب موضوعيته فانه يعود ويستهجن دور الحزب الشيوعي وقادته في التعاون مع القوى الامبريالية-الصهيونية التي خططت لاحتلال العراق، وعودتهم مع الدبابات الامريكية وبدون اي خجل اثناء وبعد الاحتلال 2003.

والاهم من كل ذلك ان كل المغريات التي كانت امامه في تلك الفترة، وهو في ذلك السن المبكر، لم تجعله يتراجع عن هدفه الاساسي وهو اكمال دراسته العليا في الخارج. وظل يتحين الفرص ويعد العدة للحصول على شهادة اعلى حتى وهو في مواقع يحسده عليها الكثير من اقرانه. فمن العمل في الصحافة العراقية بين اعمدة الحركة الوطنية قبل الثورة، الى العمل في مكتب رئيس الوزراء الجمهوري الاول الفريق (العميد حينها) عبد الكريم قاسم، الى انتدابه للعمل في الاذاعة العراقية وفي محكمة الشعب، وكلها مواقع مهمة وحساسة جعلت اشخاصا كثيرين يغترون بها ويسقطون في المهالك فيما بعد.

بعد ان غادر العراق في بداية الستينيات حاملا معه ارشيفه المصور والمكتوب عن الاحداث، هذه المنابع التي مكنته من كتابة هذه الكتاب، وبعد ان تصور انه سيعود الى مسقط راسه بعد ان يحصل على شهادته العليا، تغيرت الظروف واصبح مطاردا بسبب مواقفه السياسية. وهذه مع الاسف هي حالة مئات الالوف او اكثر من النخبة العراقية المثقفة والمتعلمة والكفوءة، وخاصة بعد عام 1958، والتي ما زالت تعاني من هذه الظاهرة حتى اليوم.

ولم تكن مسيرته العلمية في الخارج بالسهلة ايضا. فبعد ان نال شهادة الدكتوراة حصل على وظيفة في جامعة واشنطن عام 1966. واستمر في العمل هناك حتى عام 1969، حيث تمت مضايقته من السلطات الامريكية بسبب موقفه الرافض للحرب في فيتنام، فاضطر الى ترك الجامعة هو وزوجته وانتقل الى جامعة كالكري الكندية التي لا يزال يعمل فيها. كما دُعي من قبل جامعات عالمية وعربية عديدة (بغداد وبيروت والقاهرة وبعض دول الخليج) استضافته للاستفادة من علمه وخبرته. وفي نهاية الكتاب يعود به الحنين الى عراقيته وبغداديته كي يفرد فصلا للحديث عن المقام العراقي الذي عشقه، وعن علاقاته مع قامات هذا الطرب العراقي الاصيل والفنانين الرواد، والتي توطدت من خلال عمله في دار الاذاعة العراقية كضابط احتياط بعد تخرجه من الكلية.

ان هذا الكتاب سيبقى وثيقة لشاهد عيان على احداث مهمة مر بها العراق. ربما لن يكون هناك من بقي على قيد الحياة من الاشخاص الذين لعبوا دورا مهما في تلك الفترة، لكي يضيف على، او يناقش ما ورد فيه، وبالتالي فان ذلك سيحرم القاريء من تعقيبات مهمة كانت ستغني الكتاب. ولكن بالتاكيد فان الباحثين المهتمين سيكون لهم تعليقات كثيرة عليه وكل حسب مزاجه السياسي.

عندما اخبرني الاخ طارق عن الكتاب كان متالما من ان الطباعة لم تكن كما كان يتمنى. وبالفعل وجدت الكتاب، (على الرغم من اناقة المظهر الخارجي والطباعة الجيدة) قد احتوى على بعض الصفحات البيضاء الفارغة في البداية، والتي ادت الى قطع في تسلسل الاحداث، (10 صفحات). ولكن هذا الخطأ المطبعي لم يؤثر كثيرا على تسلسل الاحداث.

ملاحظتين او معلومتين اخيرتين، ارجو ان يسمح لي الاخ الدكتور طارق بتصويبهما، الاولى ان العلامة القانوني (العربي/ المصري) عبد الرزاق السنهوري لم يكتب دستور العراق الاول (القانون الاساسي 1925) (ص 50) هذه الوثيقة كتبت من قبل ضباط سياسيين بريطانيين عام 1923 وسلمت لمجلس النواب العراقي آنذاك، والذي رفض ان يعتمدها كما هي، وقضى سنتين في دراسة المسودة واجرى تعديلات كثيرة عليها حتى ظهرت بصيغتها النهائية. نعم كان للسنهوري دورا في وضع بعض التشريعات العراقية حيث انه كتب اغلب مواد ( او اساس) القانون المدني العراقي عام 1935. ثم طُلِبَ منه ان يكتب الدستور المؤقت الثاني في عام 1964.

الملاحظة الثانية هي ان عبد الوهاب مرجان لم يخلف نوري السعيد في رئاسة وزارة العراق بعد الاتحاد الهاشمي بين العراق والاردن 1958 (ص 81)، وانما من خلفه هو السياسي الكردي احمد مختار بابان، ولقد قيل في حينها ان هذا الاختيار جاء مقصودا وذلك لطمانة الاكراد العراقيين من ان هويتهم الخاصة سوف لن تطمس في ظل الاتحاد الجديد.

هذه الملاحظات البسيطة بالتاكيد لم ولن تقلل من قيمة هذا الكتاب الذي يضاف الى نتاج الاخ الدكتور طارق، اطال الله في عمره ومكنه من كتابة المزيد.

2021-10-15