الميتاشِعريّة عربيًّا.. بين المُحدَثين العبّاسيّين وحداثيّي القرن العشرين!

عمر شبانة

تخوض الناقدة والأكاديميّة اللبنانية د. هدى فخر الدين عبر كتابها “الميتاشعريّة في التراث العربي: من الحداثيّين إلى المُحدَثين”، وفي الأصل الإنكليزيّ (Metapoesis in the Arabic From Modernists to Muḥdathūn Tradition)، في خضمّ قراءات شعرية تتناول ما هو “ميتاشعريّ” في القصيدة العربيّة المعاصرة، قبل أن تنطلق إلى قراءات شبيهة في متون عددٍ من شعراء العصر العبّاسيّ، لتقول لقارئ بحثها إن مصطلح الـ”ميتاشعرية” يجد حضوره، على نحو ما، في قصائد وأشعار المحدثين العباسيّين، كما في شعر الشعراء الحداثيّين العرب المُعاصِرين.

البحث الغنيّ بالتفاصيل، المطوّل (حوالي ثلاثمائة وستين صفحة)، والذي ترجمته آية علي (وصدر في دار أدب للنشر والتوزيع، الرياض، 2021)، يعمل ضمن منهجية بنيويّة توليديّة منفتحة على قراءات متعددة الطبقات للشعر العربي وما حوله، ليستخلص ما مفاده أن نظرية الميتاشعريّة وتطبيقاتها، اتّخذت صورًا وأشكالًا عدة في الشعر العربي، قديمه وحديثه، وبتصنيفاته كلّها، من غزل وهجاء ومديح و”معارَضات شعريّة” بين الشُّعراء، كما في تحوّلات بعض المفاهيم والعناصر التكوينيّة التي عليها وبها تنبني القصيدة العربية.

 

تنتمي دراسة فخر الدين هذه إلى حقل الدراسات النقدية العلمية الرصينة، حيث تتّخذ من المراجع والمصادر العربيّة والأجنبية، الحديثة والقديمة، مصدرًا أساسيًّا تتّكئ عليه لتُنتج دراستها النقديّة “الخاصّة” والمتخصّصة، بين القليل من الدراسات النقدية المشابهة التي تعمل في الحقل نفسه، إذ قلّما قرأ المتلقّي العربيّ دراسة على هذا القدر من التخصّص والدقة. إنّه حقل جديد في أرض الدراسات النقديّة العربية. ورغم ما يبدو عليه المصطلح من “ضبابيّة”، فهو يظلّ يُعنى بما هو حول الشعر وفوقه وتحته من عناصر وعوامل تُسهم في بناء القصيدة/ النصّ الشعريّ، كما يُعنى باستحضار الشاعر نفسه في قصيدته، والتعريف بطريقته في بناء هذه القصيدة.

ولعلّ استناد الناقدة (العربيّة) إلى أحدث المراجع الغربية، ومن بينها كتابات أستاذتها الجامعية سوزان ستيتكيفيتش، الباحثة المتخصصة في الشعر العباسي، التي أشرفت على رسالتها هذه (للدكتوراه)، وكذلك كتابات ياروسلاف ستيتكيفيتش ومايكل سيللرز، وما قاربها من مصادر يكاد يكون الكثير منها مجهولًا للقارئ العربيّ، ولعلّ كتابة الرسالة باللغة الإنكليزيّة أصلًا، توحي كلّها بأن هذه الأطروحة وفرَضيّاتها موجّهة إلى القارئ الغربيّ أوّلًا، وأساسًا، وأنّ ترجمتها إلى العربيّة هي عودة من “الغربة” و”الاغتراب” في لغة وثقافة مختلفتين، ولتكون حاضرة في النقد العربيّ، وللمتلقّي العربيّ. وهي كما تقول المؤلّفة “عودة بعد اغتراب، وتوجّه إلى القارئ العربي العارف بالشعر، الذي طالما كان في ذهني هو المتلقي المقصود لهذه الدراسة”.

عناوين وقضايا رئيسية

تبدأ الباحثة دراستها بمقدّمة تقسّمها إلى عناوين عدّة؛ فتقدّم تعريفًا بالميتاشعرية في التراث العربي، وتنطلق من الشعر العربي في القرن العشرين، وحركة الشعر الحُر بوصفها مشروعًا ميتاشعريًّا، وتتناول الجيل الثاني بعنوان “الميتاشعريّة قيد التطوّر”، قبل الانتقال إلى التعريف بمفهوم الميتاشعرية في العصر العباسي، من خلال عناوين وقضايا تشكّل بِنيةَ الكتاب، مثل: “الجمهور والنقّاد والنقاشات الشعريّة”، و”الشعراء العباسيون وتأمّلات شعرية”، و”الميتانسيب العباسيّ”، و”المقدمة الطللية: استحضار الصوت في القصيدة”، ثمّ تتفرّع العناوين فتتناول الباحثة تجربة “أبو نواس: العبث بموتيف الأطلال”، و”مقدمات أبي تمام الطلليّة: التجريد والتغيير”، و”تحرير موتيف الأطلال: ما بعد أبي تمام”، وثيمة “الرحلة في الشعر العباسيّ”، ونرى “أبو تمام يسوق قطيع “معانٍ بِكر”، و”ابن الرومي يرحل مجاوزًا “بيتًا بعد البيت”، وصولًا إلى “تجربة البحتري وعبيد الله بن طاهر: والتبادل الفاشل”، وهكذا حتى “الخاتمة”.
وتشير مقدّمة الناشر إلى صور من المعاناة في ترجمة الكتاب إلى العربية، وإلى “صعوبة العمل وتشعّبه، مع وجود الكثير من المصطلحات التراثية العربية التي ستُعاد إلى أصلها الصحيح، وكذلك المصطلحات الأجنبية التي تحتاج إلى تسكينها في مقابلها العربي الأنسب، وما قد ينشأ من اختلاف في اجتهادات المترجمين، إلى غير ذلك من الإشكالات التي يعرفُها من يعمل في الترجمة وعوالمها المربكة”.

مقدّمات وأساسات للدراسة

يأتي كتاب “الميتاشعرية” هذا، في سياق البحث عن أصول هذا المفهوم -الذي يبدو حداثيًّا في مصطلحه- لدى الشعراء المحدثين في العصر العباسيّ (ابن الرومي/ البحتري/ أبو تمام/ أبو نواس، والمتنبي)، ويتتبَّعُ الكتابُ، بنَفَس علمي دقيق وروح أدبية نقدية شفَّافة، مظاهرَ “الميتاشعرية” عند المُحدَثين والحداثيين بلغةٍ راقية وممتعة.

| | | Next → |

قد ترغب قراءة:

مقالات

سنحملك في قلوبنا إلى فلسطين!ملاك خالد

مقالات

تصنيف أستراليا لحزب الله منظمة “إرهابية”.. أيّ دلالات!شرحبيل الغريب

الاخبار

اشتراكيون ضد العدوان يدين قرار أستراليا تصنيف حزب الله منظمة إرهابية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

 

Today Today 1,640
Yesterday Yesterday 1,766
This Week This Week 18,197
This Month This Month 58,809
All Days All Days 201,931