آراء المفكرين الإسلاميين حول نظم الحكم!
رجائي عطية
يأخذنا الأستاذ العقاد فى ختام كتابه القيم عن «الديمقراطية فى الإسلام»، فى جولة نطوف معه فيها بآراء كبار المفكرين فى الإسلام حول نظم الحكم فيه وعناصره ومقوماته، وحقوق كل من الراعى والرعية، وآراء الفقهاء والمؤرخين والفلاسفة فى ذلك، وما اجتمع فى آرائهم من وصايا وتحليلات.
ويبادر فيبدى أن مباحث الفقهاء مفصلة فى مسألة الإمامة وحقوق الراعى والرعية، وأن فقهاء السنة قد اتفقوا جميعا على أن الحكم نيابة أو وكالة عن الأمة، وجمع الآمدى فى كتاب الإمامة من الأشباه والنظائر العناصر والمقومات الواجب توافرها فى الإمام (أو الحاكم): الاجتهاد فى الأحكام الشرعية، والبصر بأمور الحرب والإدارة والتدبير، والقوة على القيام بالأمور، وأن يكون عدلا، بالغا، ذكرا، حرا، نافذ الحكم مطاعا قادرا على من خرج على طاعته.
وهذا هو المجمع عليه اتفاقا بين أهل السنة، ولكن الشيعة يضيفون شروط القرشية والهاشمية والعصمة.
وواضح أن أهم الشروط المتفق عليها شرط القدرة ونفاذ الحكم.
هذا ويحق للرعية أن تخلع الحاكم إذا خرج على عهده أو فقد شروط الإمامة، ولا يمنع خلعه إلا اتقاء الفتنة، لأن أضرارها وما تؤدى إليه أسـوأ عاقبة.
بعد ذلك مضى الأستاذ العقاد فى طوافه، فعرض لبعض آراء حجة الإسلام أبى حامد الغزالى، والشيخ الرئيس ابن سينا، وابن خلدون، والفارابى، ولن يفوتك أن أوفرهم حظا فيما عرضه الأستاذ العقاد هو الغزالى، الذى كان يكبره إكبارا خاصا ويرى أنه جمع فى اقتدار بين الفقه والفلسفة، وأفصح فى بعض أحاديثه ومقالاته عن أنه كان يتمنى أن يفرد عنه كتابا مستقلا، استعاض عنه وقد داهمه الوقت بمحاضرته الواسعة الضافية التى ألقاها عن فلسفته فى الأزهر الشريف.
وفى معرض الحديث هنا، فقد استعرض الأستاذ العقاد آراء الغزالى فى كتاب الإحياء وغيره، وعرض فيما عرضه ــ تحفظه على خلع الإمام إذا كان فى خلعه ما يؤدى إلى فتنة ثائرة لا تطاق، هذا وقد أدار قوله فى الإمامة على ثلاثة أطراف، أولها وجوب تنصيب إمام، حالة كون نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا الذى يستوجب إماما مطاعا.. وهو لن يصل إلى مقدرته إلا بالمعرفة والعبادة، ولذلك عناصر، ثم انتقل من ذلك إلى المقدمة الثانية التى أوضح فيها أن الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا تنتظم إلا بسلطان مطاع لمواجهة ما شهدت به أوقات الفتن من فوضى وهرج وعنف وقحط وهلاك وتعطل الصناعات، واستطرد الغزالى من ذلك إلى الحالة التى يتأتى فيها للحاكم أن يجمع شتات الآراء ويمنع المحاربة والاقتتال ويحمل الناس على مصالح المعاش والمعاد.
ورد الغزالى على قول الإمامية بأن النبى عليه الصلاة والسلام قد نص على اختيار على ابن أبى طالب ــ بأن البيعة التى تمت تقطع الخلاف، وأنها بالفعل قطعت الخلاف بدليل استقامة الأمور فى زمن الصديق وعثمان اللذين توليا بالبيعة، فى الوقت الذى كثر فيه الخلاف زمن الإمام على رغم البيعة فضلا عن أنه منصوص فى قول الإمامية على اختياره.
أما الفلاسفة الإسلاميون فقد كان بحثهم فى مسائل الحكم عمرانيا يصدق على المجتمعات كافة، وكان الرأى الغالب بينهم عن أصل الحكومة ــ هو الرأى الذى ألم به الغزالى وعلل فيه وجود الحكومة بالحاجة إلى الأمن وكف الفوضى والعدوان فيما بين الناس.
إلا أن « ابن سينا » يرى أن اختلاف الناس هو سر بقائهم وانتظام عمرانهم، ونظر فى أرجوزته فى الطب إلى اختلاف أحوال الأمم وأمزجتها باختلاف مواقعها وأجوائها.
ويصدق ذلك فيما أبدى الأستاذ العقاد، ولكن مع شىء من الإسهاب والإفاضة، فيما أبداه «ابن خلدون» فى مقدمته النفيسة، فقد أضاف فيها عبرا تاريخية وتعقيبات على أطوار الاجتماع البشرى تجعل مدى الدولة كله على الغلبة والعصبية، وتجعل الحكومة قوة غالبة تمنع التغالب بين آحاد الناس.
وتكلم ابن خلدون عن أثر النبوة فى السياسة، فصار المُلْك لا يحدث لدى العرب إلا بصبغة دينية، فقلما تجتمع أهواؤهم، ومن ثم كان الدين بالنبوة أو الولاية الوازع لهم من أنفسهم.
ولا يرى الأستاذ العقاد تعارضا بين مذهب ابن خلدون فى اعتماد المُلْك على الغلبة بالعصبية، وبين قيام المُلْك على مبادئ الحرية أو مبادئ الديمقراطية بإلهام من العقيدة الروحية والآداب الدينية، وقد كانت المساواة من إلهامات هذه العقيدة وتلك الآداب.
أما «الفارابى» الفيلسوف الإسلامى الذى جعل السياسة مذهبا مستقلا، فهو صاحب السـياسة المدنيـة أو آراء أهل المدينة الفاضلة، ولكن كلامه فى هذه المسألة من قبيل «الطوبى» أو المثال الكامل للحكومة كما ينبغى أن تكون فى أرفع درجاتها، وهو ما أفاض فيه الأستاذ العقاد عارضا بعض الآراء فى المدينة الفاضلة وشروط الرئيس فيها والذى لا يرأسه إنسان آخر أصلا.
وبعد هذا الطواف الذى أوجزته لك قدر المستطاع، يعقب الأستاذ العقاد بأن هذا الحاكم «المثالى» يحكم بحق كماله ويتصل بالعقل الفعال فى يقظته، ويشبه أن يكون من أصحاب الوحى أو من أصحاب البصيرة التى تنطبع فيها الحقائق الإلهية، وأوجز ما يوصف به ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ أنه أمنية جميلة تريدها الأمة لنفسها وللرئيس وللحياة عامة ولطبائع الأشياء على الوجه الأعم، إلا أن الواقع كثيرا ما خالف هذه الأمانى الجميلة وكشف ــ وهذا كلامى ــ عن وجه لحكام ابتعدوا ابتعادا كبيرا عن هذه الصورة الجميلة المرجوة.
* * *
وينتهى الأستاذ عباس العقاد إلى أن صورة الديمقراطية فى الإسلام، أنها ديمقراطية خاصة بين الديمقراطية العملية والنظرية التى تطورت بها حوادث التاريخ، من أيام البداوة إلى أيامنا هذه فى حضارتنا الحديثة.
وهو لا يسميها ديمقراطية خاصة لأنها تضيق عن غيرها كما يضيق كل تخصيص بعد تعميم، ولكنها خاصة لأنها تخالف الديمقراطيات الأخرى فى نشأتها وغايتها، وتتسع أصول الحكم فيها حتى تخرج بها من الصبغة المحلية إلى الصبغة الإنسانية بل الكونية، فليس فى عقيدة المسلم نظام بين السماوات والأرضين لا يستقر على هذا الأساس.
«إله رحمن رحيم، يجرى الكون على سنن، ويحاسب الخلق ببلاغ ونذير، ولا يظلم أحدا، وما هو بظلام للعبيد».
«ونبى ليس بالمسيطر ولا بالمتجبر، ولكنه بشير ونذير، وليس له من الأمر شىء والأمر بينه وبين أمته على المشاورة ومكارم الأخلاق».
«وإمام يطيع قبل أن يُطاع، ويتولى الحكم من أيدى المحكومين».
«وأمة هى المرجع فى كل سلطان وكل سياسة، وكما تكونوا يولَى عليكم، فهى المسئولة عمن يسمونهم فى عصرنا الحاضر بالمسئولين».
«ليس لأحد حق العسف والطغيان، وليس لأحد حق الفتنة والعصيان، ولهم حق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، كل فيما يعلم وحسبما يستطيع».
«لا سيادة لنسب، ولا سيادة لمال، ولا سيادة لعلم، ولا سيادة لإنسان ولا لطائفة من الناس، ولكنهم جميعا بنية واحدة تأخذ حياتها من كل عضو وتمد كل عضو بحياته، وينتظم قوامها على التعاون والمؤازرة، لا على التنازع والملاحاة…» «وتعاونوا على البر والتقوى» «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم».
«والناس سواء، حتى يؤخذ من القوى حق الضعيف، فإذا تفاوتت بهم الأقدار بعد ذلك فإنما يتفاوتون ليكون أفضلهم أكبرهم فى التبعة وأنفعهم للناس».
«وهى ديمقراطية خاصة، لأنها أعم من كل ديمقراطية عداها، قامت على حق الإنسان وتبعته أمام ربه وأمام ضميره، فحيثما وجد إنسان بين الناس فهو صاحب حق فى هذه الديمقراطية».

Email :rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com
‎2021-‎10-‎07