ماذا تخفي واشنطن خلف ستار ترحيبها بفتح الأردن حدوده مع سورية؟
براء سمير إبراهيم
بالرغم من الأصداء الواسعة التي أخذها قرار الأردن بفتح حدوده مع سورية بشكل كامل في التاسع والعشرين من شهر أيلول الماضي عبر مركز “جابر_نصيب”، والذي أعلنه وزير الداخلية الأردني مازن الفرايه، عقب فتورٍ وجفاءٍ سياسي أصاب العلاقات بين البلدين وامتد لسنوات، إلا أن الترحيب الأمريكي بالقرار الأردني كانت له أصداءه الخاصة بالنظر إلى السياسية الأمريكية حيال سورية والقائمة على قطع الدبلوماسية وفرض العقوبات الاقتصادية ودعم المجموعات الإرهابية.

[ كسر قانون قيصر للحد من نفوذ إيران]

يتساءل البعض حول سبب التغيير الذي دفع الأردن لاتخاذ هكذا قرار خاصةً وأن العلاقات بين البلدين شهدت محطات توتر عالية، كان من أبرزها اعتبار عمّان السفير السوري السابق في الأردن بهجت سليمان “شخصاً غير مرغوب فيه” وإصدارها في العام 2014 قراراً رسمياً بمغادرته أراضي المملكة، ليعقب ذلك إعلان الأردن إغلاق حدوده مع سورية في حزيران/ يونيو 2016 بعد تفجير الرقبان الحدودي، وما تلا ذلك من شد وجذب في العلاقات بين عمّان ودمشق، وبالإضافة إلى ذلك علينا أن لا ننسى أن القرار الأردني هو تجاوز واختراق واضح لقانون قيصر المفروض على سورية والذي يحظر التعاون والتعامل مع الحكومة السورية في دمشق بأي شكل كان.

ولتفسير ذلك علينا أن نعود قليلاً إلى الأحداث الواقعة في الأشهر القليلة التي سبقت الإعلان الرسمي عن فتح الحدود ما بين عمّان ودمشق، ومنها زيارة وزير الطاقة والثروة المعدنية السورية بسام طعمة ووزير الكهرباء غسان الزامل إلى الأردن في الثالث والعشرين من شهر حزيران الماضي ولقائهما وزيرة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية هالة الزواتي ومسؤولين في قطاع الطاقة الأردنية، لبحث سبل تعزيز التعاون بين البلدين في قطاع النفط والغاز والربط الكهربائي، وإذا ما أشرنا إلى التحدي الكبير الذي قام به حزب الله اللبناني للولايات المتحدة الأمريكية بإدخاله النفط الإيراني إلى لبنان عبر سورية في السادس عشر من الشهر الماضي، يمكننا القول أن واشنطن لم ترد أن تنكسر شوكتها أكثر لذلك أرادت الحفاظ على ماء وجهها عبر السماح للأردن بإعادة العلاقات الاقتصادية والتجارية مع سورية، لتحصل دمشق على متنفس اقتصادي يدفعها قليلاً بعيداً عن إيران وبالتالي الحد من سلسة كسر الهيبة الأمريكية التي لطالما كانت إيران بطلتها الأولى في معظم الأحيان.

إلى جانب ذلك فإن استمرار سورية باستجرار حاجاتها النفطية من إيران فقط من شأنه تعزيز الوجود الإيراني في سورية الذي تسعى واشنطن إلى الحد منه بطرق عديدة ومختلفة وبشكل مستمر، كذلك فإن استيراد دمشق المشتقات النفطية من طهران يفضي بطبيعة الحال إلى خرق العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على إيران وخلق ثغرة فيها.

[ لعنة ترامب وتأثيرها على القرار الأردني]

أما فيما يتعلق بالترحيب الأمريكي بالمبادرة الأردنية فهو يرمي إلى تحقيق الأهداف الآتية :

_ الإعلان بأن عمّان لن تتجاوز الإرادة الأمريكية في قرارها الأخير كما فعل البعض عندما تحدّوا عقوبات واشنطن.

_بايدن يريد من خلال إعلان إدارته ترحيبها بعودة فتح الحدود مابين سورية والأردن، ترجمة ما جاء في برنامجه الانتخابي حول اعتماده للدبلوماسية والسياسية أكثر من الاتكال كلياً على الضغوط الاقتصادية والحلول العسكرية، وبالتالي اتخاذ نهج مختلف عن نهج الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب، على اعتبار أن كل رئيس أمريكي يسعى نحو اعتماد استراتيجية تختلف عن أسلوب سلفه.

_ تذكير كل من روسيا وإيران وتركيا، بأن أمريكا ما زالت لاعباً رئيسياً في الحرب السورية ولها ثقلها ودورها الكبير في هذا الملف بالتزامن مع زيارة أردوغان إلى روسيا ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين في سوتشي لبحث الأزمة السورية، وتأكيد رئيس النظام التركي على أن السلام في سورية هو رهن العلاقات التركية_الروسية.

_محاولة التقرب والتودد من الشعب السوري بعد سنوات من الحرب التي فرضتها أمريكا ضده لإيهامه أن أمريكا هي الصديق والمخلص.

[ ڤيينا والشرق الأوسط الجديد]

ولا بد من الإشارة إلى أن قرب استئناف اجتماعات ڤيينا لبحث عودة واشنطن وطهران إلى الإلتزام بالاتفاق النووي من جديد، ربما كان سبباً آخر في إعلان واشنطن ترحيبها بإعادة العلاقات ما بين سورية والأردن، إذ أن تمسك إيران برفع العقوبات عنها كشرطٍ أساسي للعودة إلى الإلتزام ببنود المعاهدة النووية قد يكون هو الدافع لإدارة بايدن نحو رفع العقوبات جزئياً عن سورية التي هي بطبيعة الحال حليفة لإيران وجزء من محور المقاومة الذي تقوده طهران، ليكون ذلك بمثابة خطوة إيجابية من جانب واشنطن لإثمار المحادثات المتوقع استئنافها قريباً، خاصةً أن الجانب الأمريكي دائماً ما كان يجعل كل من الملف النووي ونشاط إيران الإقليمي ملفاً واحداً غير مجزأ.

وعلاوةً على كل ذلك، فإن هناك نقطة رئيسية وأساسية في كل ما جرى ما بين الأردن وسورية، وهو أن عودة العلاقات بين البلدين لم تكن على المستوى السياسي الرفيع بل كانت منحصرة نوعاً ما في المجال الاقتصادي وكذلك الأمني، وهذا ما يذكرنا بمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي حضّرت له واشنطن وتل أبيب منذ عشرات السنين، حيث نجد بين سطوره الخطة الأمريكية لجعل العلاقات بين دول المنطقة قائمة على أساسٍ واحد فقط وهو “الاقتصاد” دون الالتفات إلى الروابط الأخوية والتاريخية التي تجمع ما بين الشعوب العربية والإسلامية، وهو المنطلق الذي لطالما حاولت واشنطن من خلاله الترويج للتطبيع مع “إسرائيل” من بوابة الإقتصاد لتلحقها السياسة فيما بعد.

[ كل الطرق تؤدي إلى دمشق]

وبغض النظر عن الأسباب والدوافع التي حملت الأردن على اتخاذ هكذا قرار فإننا يجب ألاّ ننسى أن الأردن تتضرر اقتصادياً جراء إغلاق حدوده مع سورية وأن إعادة فتح حدوده مع سورية ستحقق له مكاسب تجارية وأرباح اقتصادية كبيرة، لتتكلل الانفراجة بين البلدين بالاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس السوري بشار الأسد مع الملك الأردني عبد الله الثاني يوم أمس الأحد.

إذاً الأردن يفتح حدوده مع سورية بعد أيام قليلة على زيارة وفد لبناني حكومي هو الأعلى مستوى منذ عشر سنوات للعاصمة السورية، وما سبقه من اتخاذ السعودية في شهر أيار الماضي قراراً يقضي بإعادة افتتاح سفارتها في دمشق، بالتوازي مع الجهود العربية الرامية لإعادة سورية إلى جامعة الدول العربية وسط تكاثف التواصل العربي مع دمشق عبر الاتصالات والزيارات بشكل غير مسبوق منذ بدايات الأزمة السورية، وهذا كله إنْ دلّ على شيء فهو يدل على أن دمشق كانت وستبقى عاصمة العرب وقلب العروبة النابض.
‎2021-‎10-‎05