ما بين المبادئ والمصالح وموقف طالبان من اقتصاد الأفيون!

بقلم بكر السباتين..

التطورات في أفغانستان مثيرة للاهتمام لاعتبارات إنسانية تتعلق بحقوق الإنسان المهدورة في تلك البلاد الوعرة وخاصة المرأة التي يجب أن ترتدي النقاب وأن تخضع لإملاءات الرجل فيما يتعلق بالتعليم والخروج للعمل، وفق رواية الاحتلال التي تركز على مساوئ الخصوم إعلامياً دون الاعتراف بجرائم قوى التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي عاثت فساداً في البلاد، ودكت مرتفعات تورابورا الوعرة وكهوفها المتوارية، بأم القنابل بذريعة اجتثاث الإرهاب وكأن العالم غافل عن أطماعها بثروات أفغانستان في باطن الأرض.. رغم كل ذلك تكبدت أمريكا الخسائر وخرجت مرغمة من أفغانستان دون أن تظفر ولو بعظمة.

إن الفوضى التي عمت البلاد مع مجيء الاحتلال شتاء 2001، فتحت المجال لتنامي كل الظواهر السلبية في المجتمع الأفغاني مثل الفقر والجريمة بأشكالها والفساد المستشري وتجارة الرقيق الأبيض والمخدرات.. وضيقت على الشعب الأفغاني قائمة خياراته الاقتصادية لتنحصر في زراعة الخشخاش الذي يستخلص من زهرته البيضاء مادتي الأفيون والهوروين الأشد خطورة على شباب البلاد والعالم.

وفي النهاية خرج الاحتلال الأمريكي وحلفاؤه يجرون أذيالَ الخيبة بلا رجعة.

إلا أن اهتمام العالم الإسلامي بالشأن الأفغاني كانت له بواعثه أيضاً، ومرتبط بترسبات الخيبة والهزيمة في العقل الباطن وعبر التاريخ المعاصر الذي شهد فيه المسلمون تنكيلاً واضطهادًا قل نظيره؛ ليتحول كل نصر يحظى به المسلمون في أرجاء الأرض إلى مناسبة للاحتفاء بها، عسى من بين ركامِها يخرُجُ منقذٌ يعيدُ للأمة مجدَها التليد، فتسترد عافيتَها، ويزول عنها الظلم.

وقد أناط كثيرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في المجالس الخاصة مَهَمَّةَ إعادةِ الخلافة الإسلامية بطالبان! التي أعلنت من جهتها عن إقامة إمارة إسلامية في أفغانستان وقد دُمِغَتْ راياتُها البيض بعبارة “لا إله إلا الله ومحمد رسول الله”.. لا بل وبعثت طالبان أمل التحرر من نير الاحتلال في الشعوب المغبونة مثل الشعب الفلسطيني.

وفي حسبة موضوعية لمجريات الأحداث في أفغانستان ستكتشف صعوبةَ الموقف الطالباني إزاء ما يكتنف خطواته من صعوبات بالغة، في ظل شعارات إسلامية تحتاج إلى تطبيق على أرض الواقع حتى لا تتحول إلى مجرد دعاية جوفاء فتتحول إلى وعود تجلب الحظ الجماهيري لكنها غير قابلة للتطبيق.. وهذا لن يكون سهلاً لأسباب سنأتي على ذكرها.

أي أن الخروج الأمريكي وضع حركة طالبان على محك الأزمة، فهل هي قادرة على تخطي كل ذلك ومن ثم التفرغ للبناء في ظل إمارة إسلامية تتسم بالتسامح!؟ ويتكالب عليها الأعداء!

دعونا نشرح ذلك من خلال ذكر أهم الصعوبات التي ستواجه حركة طالبان في مسيرتها الصعبة.. وهي على النحو التالي:

أولاً:– ظهور المعارضة الأفغانية التي يقودها أحمد شاه مسعود بدعم فرنسي من خلال المنسق الصهيوني المخابراتي برناند هنري ليفي وبالتحالف مع نائب “الرئيس الأفغاني الهارب”، أمر الله صالح، وقيام طالبان بمشاغلة الموقف سياسياً من خلال المفاوضات، في الوقت الذي تضغط فيه على المعارضة بمواجهتها عسكرياً ومحاولة تحرير بنشجير بأقل الخسائر.

والأخبار تتحدث عن تمكن طالبان من الاستيلاء على أربع مقاطعات جديدة وهي الآن تحاصر عاصمة ولاية بنشجير، “بازارك”؛ تأهباً لاقتحامها أو فرض أجندتها على المعارضة فيما لو اختارت العودة إلى المفاوضات غير المشروطة.

ثانياً:– المأزق الأمني الكبير والظهور المباغت لتنظيم داعش- خراسان، في المشهد الأفغاني، ومحاولات ذلك التنظيم في تحويل أفغانستان إلى حاضنة جديدة للحركات المتطرفة، ومنطقة صراع عرقي ما بين السنة والشيعة، ومناطق مفتوحة للنفوذ الاستخباراتي ؛ لمنع طالبان من تحويل أفغانستان إلى دولة مستقرة على حساب الاقتصاد الأفيوني الذي تعتمد عليه الحركات بكل توجهاتها بالتنسيق مع أباطرة المخدرات الموجودين في الدولة الأفغانية العميقة؛ ما قد يجفف منابع الدعم المالي لتلك الحركات. هذا لو استثنينا حركة طالبان في المستقبل القريب حينما تتمكن من الاستعاضة عن ذلك المصدر المالي المحرم على صعيد عالمي، بالاعتماد على مخصصات التنمية من ميزانية الدولة السنوية حينما تتولى طالبان قيادتها.

ولعل من أخطر الأجندات الاستخباراتية التي تتقاطع فيها المصالح مع تنظيم داعش- خراسان، أجندة الموساد الإسرائيلي، الذي يسعى من خلال امتطاء صهوتها إلى زيادة الأعباء الأمنية على طالبان، حتى يتهيأ لضرب الخاصرة الإيرانية، ومن ثم تأجيج حرب طائفية استنزافية تستهدف خصم الاحتلال الإسرائيلي اللدود، إيران وطالبان.

وهذه مَهَمَّةٌ يتبناها الموساد الإسرائيلي في كل الأزمات الإقليمية وخاصة سوريا. ولنا في قصة أبي حفص الليبي مثال يمكن القياس عليه.. هذا الشيخ الجليل الذي جّمَّعّ الليبيين من حوله، وتمكن من تنظيم جماعة إسلامية شديدة التطرف ومنبثقة عن تنظيم داعش.. وكانت هذه الجماعة تقتل الليبيين باسم الدين، وتُكَفِّر بدون حساب، وكأن مهمتها منحصرة على التنفير من الإسلام لرميه بتهمة الإرهاب؛ لكن سقطات أبي حفص الصغيرة أماطت اللثام عن وجهه القبيح ليتبين فيما بعد، بأنه عميل للموساد واسمه الحقيقي: بنيامين إفراي.. وهو أحد خريجي جامعة تل أبيب الإسلامية التي يديرها الموساد.. حيث نجح هذا الصرح الأكاديمي الاستخباري في غرس عناصر إسرائيلية مدربة ومن أصول يهودية عربية، بين قادة الحركات الإسلامية المتطرفة في كلٍّ من سوريا وليبيا والجزائر وأفغانستان ولبنان وسيناء.. وربما في غزة أيضاً.

ثالثاً:– الصراع بين المبادئ والمصالح في اقتصاد يخالف الشرع ويقوم على تجارة المخدرات وانتشار مزارع الخشخاش على طول الأرض وعرضها وبخاصة ولاية بنشجير.. وانتشار منتجات زهرة الخشخاش البيضاء من أفيون وهيروين في دول الجوار وصولاً إلى أوروبا.

ويتم تهريب المخدرات- وفق تقديرات الخبراء- عبر أسيا الوسطى وصولاً إلى روسيا.. ومباشرة إلى الصين والباكستان وإيران، وإلى أوروبا عبر طريق الأزورد القديمة (تركمستان – بحر قزوين- جورجيا- أذربيجان- تركيا- أوروبا). حتى تحولت الدولة الأفغانية العميقة إلى مافيا مُقَنَّعَةٍ تجمع بين كل الفئات والجماعات الأفغانية في سياق المصالح وإن تنافرت أيدلوجياً، وعلى رأس أولئك، حركة طالبان إلى جانب المعارضة وتنظيم الدولة الإسلامية داعش- خراسان، ومثيلاتها.

وتدرك حركة طالبان بأن المخدرات وضعتها في أزمة متفاقمة ذات بعدين: اقتصادي وأخلاقي، وذلك على النحو التالي:

1- البعد الاقتصادي ويتجلى في صعوبة إيجاد البديل عن اقتصاد الأفيون المحرم دولياً والمخالف لمبادئ الحركة القائمة على الدين الإسلامي الحنيف.

فكلما حاولت طالبان توفير البدائل عن زراعة الخشخاش، وجدت ممانعة شعبية وعراقيل غير مباشرة من داخل الدولة العميقة التي لم تسقط بانهيار النظام؛ لأن مافيا المخدرات هي جزءٌ من الدولة العميقة والمجتمع الذي دفعه الفقر المدقع إلى زراعة خشخاش الموت أو نبتة الشيطان، وأصبح العائد منها على الاستثمار من مقومات الاقتصاد الأفغاني ويصعب الاستغناء عنه في وقت وجيز.

ويدرك العالم ذلك، إلا أن بعض الدول الكبرى لا تثق بجدية طالبان في التعامل مع هذا المورد الضخم الذي ما فتئ يغذي نشاطات الحركة عبر تاريخها الطويل، فكيف ستتحول عنه في الوقت الراهن حينما أصبحت بأمس الحاجة إلى الدعم المالي!.

من هنا فإن بعض مسؤولي الأمم المتحدة والولايات المتحدة يشعرون بأن طالبان لن تعمل على ضرب زراعة الخشخاش، بل ربما تسعى لزيادة إنتاج الأفيون غير المشروع، وهو “نعمة” محتملة لطالبان.

وقدّر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الاقتصادَ الأفيونيَّ غير المشروع الإجمالي للبلد في العام 2017 بما يصل إلى 6.6 مليار دولار.

وتؤكد الأمم المتحدة وواشنطن أن طالبان متورطة في جميع الجوانب، من زراعة الخشخاش واستخراج الأفيون والاتجار به، وصولاً إلى فرض “ضرائب” من المزارعين ومختبرات المخدرات، وفرض رسوم للمهربين على الشحنات المتجهة إلى إفريقيا وأوروبا وكندا وروسيا ودول أخرى.

وفي دراسة ميدانية أجراها الباحث مانسفيلد لصالح الولايات المتحدة، خلص فيها إلى أن ما تكسبه طالبان من المواد الأفيونية غير المشروعة هو نحو 40 مليون دولار سنويا، معظمها من الرسوم المفروضة على إنتاج الأفيون ومختبرات الهيروين وشحنات المخدرات.

ومنذ عام 2008 فصاعداً، جنت طالبان أكثر من نصف إيراداتها من المخدرات، وتنظيم الزراعة، وحماية المحاصيل، وتأمين طرق الإمداد الإجرامية إلى آسيا الوسطى. فهل تتخلى طالبان عن كل ذلك بسهولة ما لم يتوفر البديل!

وفي عام 2020 وفقا لآخر مسح أجراه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، كانت هناك زيادة بنسبة 37% في مساحة الأراضي المخصصة لزراعة الخشخاش. وهذا سيأخذنا إلى المأزق الأخلاقي الذي وُضِعَت فيه حركةُ طالبان؛ لتعارض مبادئِ الدين الحنيف مع مُخرجات الاقتصاد الأفيوني الذي يقوم عليه اقتصاد دولة مهزوزة أصبحت في عهدة طالبان.

 

2-  لا ريب أن اقتصاد الأفيون سيضع طالبان في أزمة فكرية أخلاقية حقيقية.. وفي تقديري أن حركة طالبان ستسعى إلى إيجاد البديل الاستثماري مرحلياً وسوف تلقى الدعم الخارجي لتحقيق ذلك لشدة خطورة المخدرات الأفغانية على دول العالم.

فتقرير الأمم المتحدة أعلاه لم يأخذ بعين الاعتبار أن تأسيس إمارة إسلامية يعني بأن المقاييس ستصبح شرعية وفق القرآن والسنة، وهذا النوع من الاقتصاد الأفيوني يخالف تعاليم الإسلام الحنيف؛ لارتباطه بقتل النفس التي حرّم الله، وكون المخدرات تساهم في تفشي ظاهرة الدعارة والمتاجرة بالرقيق الأبيض وتقتل روح العطاء لدى شريحة واسعة من الشباب!! وفي تقديري أن الأمر سيختلف حينما تتوفر لطالبان ميزانية حكومية تساعدها على وضع الخطط والتعامل مع أسباب الظاهرة تمهيداً لاجتثاثها وهذا ليس بالأمر الهيِّن. فالحركة لا تأخذ بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، فالكرة في ملعبها وعليها أن تتخطا هذه العقبة الكأداء أو تنسجم معها فتصبح الإمارة الإسلامية في أفغانستان مجرد شكل دعائي دون جوهر.

رابعاً:– الصعوبة في كسب ثقة الشركاء المحتملين لأفغانستان،

ولتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي، لا بد من توضيب البيت الأفغاني على أساس:

1- تحقيق الأمن وبناء أجهزة الأمن والجيش الأفغاني وتسليحه جيداً ورفده بالموارد البشرية المدربة.

2- بناء اقتصاد حقيقية يعتمد على استخراج المعادن واستثمارها وتحفيز الاستثمار في كافة القطاعات الصناعية والخدماتية. وذلك بالتوازي مع وضع الخطط التقنية التي تشارك بها الأجهزة الأمنية للتخلص من زراعة الخشخاش توطئة للتخلص من تجارة المخدرات وتبعاتها المحلية والإقليمية.. وذلك من خلال إعادة إحياء زراعة محاصيل بديلة مثل الفستق وجرف مزارع الخشخاش وتطهير البلاد من الفساد.

3-  البحث عن شراكة إقليمية ناجحة وخاصة مع الصين.. لاستخراج المعادن المتنوعة والثمينة في ظل اتفاقيات شراكة ناجحة.

وللعلم فإن باطن الأرض في أفغانستان يختزن النحاس والليثيوم والأتربة النادرة.. ونقلت وسائل إعلام صينية رسمية عن سهيل شاهين المتحدث باسم حركة طالبان الأفغانية قوله يوم الخميس الماضي إن بإمكان الصين المساهمة في جهود التنمية بأفغانستان في المستقبل.

والفرصة ستكون مهيأة لربط طريق الحرير بطريق الأزورد .

وكانت الحكومة الأفغانية السابقة قد أبرمت اتفاقاً لفتح طريق الأزورد مع الدول الواقعة عليه، ويضم إلى جانب أفغانستان كل من، تركمانستان وعبر بحر قزوين: جورجيا، أذربيجان، تركيا ثم أوروبا عبر البحر الأسود أو بلغاريا وربما اليونان.

في المحصلة فإن أفغانستان لو أحسنت التدبير سيكون بإمكانها الخروج بالبلاد إلى مشارف الأمان والازدهار فالمعطيات لذلك متوفرة في البشر وتحت الأرض وفوقها.. وخاصة أن العالم يحاول دعمها حتى لا تتحول أفغانستان إلى دولة فاشلة ومصدر للإرهاب الدولي والتطرف الإسلامي ومزرعة كبرى للخشخاش الذي جلب الموت لشباب العالم وفي وضح النهار.

ولكن! هل يكون بوسع طالبان أن تجمع بين الأخلاق الإسلامية والاقتصاد النظيف في إمارة تمثل روح الإسلام وتنسجم مع معطيات العصر والقبول بالآخر والابتعاد عن العصبية القبلية والمذهبية الدينية، في سياق محليّ لا يطمح إلى التمدد على حساب الآخرين! هل تشهد أفغانستان معجزة رواندية أسوة برواندا تلك البلاد الأفريقية التي دمرتها الحروب والمجاعات لتنهض بعد أن تخلصت من الفساد، وأصبحت سابع دولة في العالم من حيث التسارع التنموي.

هذا ممكن لو صدقت النوايا وأحسنت طالبان التدبير.

5 سبتمبر 2021