هل الخيار العسكري ضد إيران مجرد وهم؟
الكاتب: أليستر كروك.
مع تراجع احتمال العودة إلى الاتفاق النووي، من المتوقع أن يفكر الغرب في الخيارات العسكرية.
كتب الدبلوماسي البريطاني السابق أليستر كروك مقالة في موقع “الميادين” باللغة الإنجليزية تناول فيه احتمال لجوء الولايات المتحدة و”إسرائيل” إلى الخيار العسكري ضد إيران بعد توقف المفاوضات النووية في فيينا.

وقال الكاتب إن الولايات المتحدة تغضب بسرعة بشأن المفاوضات حول العودة إلى الاتفاق النووي المعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”. وكان روبرت مالي، كبير المفاوضين الأميركيين، “يرفع صوته” خلال عطلة نهاية الأسبوع مثيراً شكوكه المتزايدة في إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران. فقد وعد الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي وفريقه المقبل للسياسة الخارجية بالمطالبة “بالتنفيذ المناسب” لخطة العمل الشاملة المشتركة، في حالة استئناف محادثات فيينا في أيلول / سبتمبر أو تشرين الأول / أكتوبر.

وأشار الكاتب إلى أنه مع احتمال تراجع عودة الجانبين الأميركي والإيراني إلى خطة العمل المشتركة الشاملة، من المتوقع أن يفكر الغرب في الخيارات العسكرية. فيوم الاثنين الماضي، قال وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس إن على “إسرائيل” اتخاذ إجراءات “الآن” في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة الأسبوع الماضي على سفينة تديرها “إسرائيل” بالقرب من سلطنة عُمان. وألقت “إسرائيل” والولايات المتحدة والمملكة المتحدة باللوم على طهران، لكن إيران تنفي ذلك.

وأوضح الكاتب أن المؤسسة الأميركية ترغب اليوم بشدة في أن تترك وراءها “الحرب على الإرهاب” القديمة التي تتمحور حول الشرق الأوسط، والانتقال إلى “التهديد” الجديد المزعوم في نظرها، “منافسة القوى العظمى”، مع التصويب أكثر على الصين. النقطة هنا هي أن صراعات الشرق الأوسط لم تعد كافية لإيقاظ الناخبين الأميركيين من الفراش (هذه الصباحات)، ولكن في نظام حكم أميركي مُستقطب بشكل جذري، فإن الشيء الوحيد الذي يولّد توافقاً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي هو ضرب الصين. فالصين هي القضية الوحيدة التي يُنظر إليها على أنها قادرة على جمع الأمريركيين “المتحاربين” معاً، في وقت ما في المستقبل.

تمثل “الحرب الكبرى” إشكالية للولايات المتحدة المنقسمة بدورها. لذلك، فإن أميركا اليوم تتبع استراتيجية إلحاق الألم بالأعداء عبر “آلاف الطعنات”. يبدو هذا أسهل وأقل تكلفة بالنسبة للولايات المتحدة. وسيتم تعذيب الصين من خلال تغريب تايوان، وفي الوقت نفسه “توجيه الاتهام” لها بشأن “انتهاكاتها” المزعومة في شينجيانغ وتفشي فيروس “كوفيد”.

وأضاف الكاتب أن روسيا مطاردة في كل شيء تقريباً، ويستمر مستنقع أوكرانيا في الظهور (في حالة احتياج الولايات المتحدة لإثارته). لكن الصين وروسيا تدركان أن الولايات المتحدة – برغم أنها لا تزال خطرة – لكنها فقدت تفوقها العسكري العالمي، ودخلت في الاضطراب السياسي.

وتابع: إذن، في ظل هذه الخلفية، ما هو الخيار العسكري فيما يتعلق بإيران؟ هنا في الشرق الأوسط، فقدت الولايات المتحدة و”إسرائيل” كذلك “التفوق العسكري”، مما أفسح المجال لتجميع كميات من الصواريخ الذكية وأسراب الطائرات بدون طيار. فقد كتب الدكتور عوزي روبين، المؤسس والمدير الأول لمنظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية في “وزارة الأمن الإسرائيلية”، في تشرين الأول / أكتوبر 2019، في أعقاب “الضربة الجوية الأكثر تدميراً” على مصفاة بقيق التابعة لشركة أرامكو السعودية، أن ذلك كان هجوماً مفاجئاً يشبه بجرأته، إن لم يكن في نطاقه، الهجوم الياباني المفاجئ عام 1941 على بيرل هاربور. بمعنى ما، قد يُذكر أيلول / سبتمبر 2019 بأنه “سبتمبر الأسود” في المملكة العربية السعودية. وأشار إلى أن “إسرائيل” كانت بدورها عرضة لهذا النوع من الهجمات.

وقال الكاتب إنه إذا كان الهجوم العسكري المباشر على إيران يمثل إشكالية بسبب قدرات الردع الإيرانية الجديدة، وإذا كان بعض الانتقام الغربي لحادث الناقلة يمثل مشكلة كذلك لأن ضربة الناقلة السرية – كما يلاحظ بن كاسبيت، المحلل والصحافي الإسرائيلي- التي يمكن إنكارها، تأتي في سياق المعاملة العين بالعين بين “إسرائيل” وإيران منذ نحو عامين (مع تقدم “إسرائيل” بنحو 12 نقطة، مقابل 5 نقاط لإيران). خلاصة القول هي أن “إسرائيل” ستكون الأكثر ضعفاً في هذه “اللعبة”.

يتساءل الكاتب: إذن ما هي الخطوة التالية؟ بلقنة أميركية إسرائيلية لإيران متعددة الأعراق للإطاحة بالحكومة؟ ويجيب قائلاً: هذا حلم قديم. ولكن كما يعترف إسرائيلي آخر، وهو مراقب إيران المخضرم في الجيش الإسرائيلي، راز زيمت، فإن “بلقنة إيران” من المحتمل أن تكون “خيالاً”. فالاحتجاجات التي اندلعت بسبب أزمة المياه الحادة في خوزستان جنوب غرب إيران (حيث ورد أن منظمة “مجاهدي خلق” الإرهابية لديها يد فيها) كانت في الغالب في مناطق ذات أغلبية عربية. (يشكل العرب – ومعظمهم من الشيعة – حوالى ثلث سكان المحافظة).

يكتب زيمت أن الحقيقة هي أن إيران كانت موجودة كدولة حضارية متميزة لقرون، ودرجة اندماج الأقليات داخل المجتمع الإيراني تقلل بشكل كبير من التهديد للتماسك الوطني الإيراني.

فعلى سبيل المثال، العرب الذين يعيشون في إيران هم في الغالب من الشيعة، مما يعزز ارتباطهم بمركز حضاري شيعي، والذي أحبط بشكل كبير الجهود المبذولة لحشد دعمهم ضد “الجمهورية الإسلامية” خلال الحرب العراقية الإيرانية. كما شغل أعضاء من الأقليات العرقية مناصب عليا على مر السنين، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي (والده من العرق الأذري).

وقد أعرب القادة الإسرائيليون عن سعادتهم بخطة بريطانيا لنشر قوات خاصة ضد الجناة المفترضين للهجوم على سفينة “ميرسر” بطائرات مسيّرة، لكنهم قلقون من العزلة المفترضة لـ”إسرائيل” – مع محاولة الولايات المتحدة الخروج من المنطقة، ومع تحوّل في المشاعر تجاه “إسرائيل” التي تعيق نفوذها في السياسة الداخلية للولايات المتحدة. لكن من الناحية الواقعية، ما الذي يمكن أن تفعله “إسرائيل”؟

ويجيب الدبلوماسي البريطاني السابق قائلاً: “إن قلق “إسرائيل” الأكبر هو مما تسميه “مشروع الصواريخ الدقيقة” في ترسانة حزب الله التي يُنظر إليها في “إسرائيل” على أنها “كاسر التعادل” الاستراتيجي، ومن تحويل حزب الله إلى قوة قادرة على شلّ “إسرائيل” على نطاق كبير في حالة وقوع أي اشتباك عسكري. وخلص الكاتب إلى أن المواجهة مع حزب الله، في حد ذاتها، يمكن أن تؤدي إلى حرب متعددة الجبهات. فهل سيخاطر رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت بالتورط في هكذا حرب؟

يذكر أن بينيت كان قائد المدفعية الذي صدر بحقه اللوم لأنه أمر عام 1996 بإطلاق نيران المدفعية مما تسبب في مجزرة قانا في جنوب لبنان، مما أسفر عن استشهاد 102 مدني وعدد من ضباط الأمم المتحدة.
نقله إلى العربية بتصرف: هيثم مزاحم
المصدر: الميادين إنغلش
‎2021-‎08-‎10