الارهاب بإسم  الدين   !

د. رفعت سيد أحمد.

 إن تاريخ الجماعات المتأسلمة في مصر وباقي المنطقة ،يقطع بأنها تتغطي بالدين لتمارس الارهاب المسلح المنافي لكل قيم هذا الدين المحمدي الاصيل ،لا فارق هنا بين جماعة وآخري فكلهم سواء وبدرجات مختلفة ..ولعل  أبرز تلك الجماعات المتلونة  في درب الاسلام السياسي  كانت جماعة الاخوان والتي كما نعلم حاولت  عبر تاريخها الممتد من 1928-2021 ،أن تقدم نفسها بإعتبارها جماعة وسطية تنبذ العنف وترفض الارهاب …وإذ بها في مصر بعد ثورة 30/6/2013 تكشف عن ماضيها الارهابي ،ذلك الماضي الذي يقدم منذ الاربعينات وحتي اليوم(2021)  العمليات الارهابية التالية

(علي سبيل المثال لا الحصر):

1-مصرع أحمد ماهر – فبراير سنة 1945.

2- نسف سينما ميامى – مايو سنة 1946 .

3- نسف سينما مترو – مايو سنة 1947.

4- مصرع الإمام يحيى – فبراير سنة 1948.

5- مصرع الخازندار – مارس سنة 1948.

6- نسف حارة اليهود – يونيه سنة 1948.

7- نسف شارع فؤاد – يوليه سنة 1948.

8- نسف عدس وبنزايون – أغسطس سنة 1948.

9- نسف شركة الاعلانات – 12 نوفمبر سنة 1948.

10- حادث السيارة الجيب – 15 نوفمبر سنة 1948.

11- مصرع النقراشى – ديسمبر سنة 1948.

12- محاولة نسف محكمة الاستئناف – يناير سنة 1949.

13- جرائم الأوكار – أبريل سنة 1949.

14- محاولة اغتيال حامد جودة – مايو سنة 1949. ثم جاءت الخمسينات فكانت الصدمات الدامية  الشهيرة مع نظام ثورة يوليو الناصرية (صدامي 1954 و1965)وكذلك الصدامات الدامية مع السادات ومبارك وصولا الي الرئيس السيسي .والامر لم يقف علي مصر وحدها بل تعداها الي سوريا والعراق وليبيا وغيرها من البلاد العربية التي أكتوت بنار جماعة الاخوان وأخواتها من التنظيمات الداعشية والتي أستخدمت الدين كغطاء لنشر الارهاب والعنف                                         ***********                                                                          أمام هذا التاريخ الاسود ينبغي للأمّة أن تقف ملياً أمام تلك الموجات  الجديدة المُجرمة من الإرهاب المُسلّح الذي خطف الإسلام وصادره لأكثر من عشر سنوات عِجاف سُمّيت زوراً بسنوات الربيع العربي، والوقوف هنا هدفه التعلّم والحَذَر حتى لا تعود موجات الإرهاب بإسم الدين ثانية وتعيش بلادنا نفس الدورة من الفوضى والدمار   .************

 

وفي إطار مواجهة الظاهرة من جذورها لا بدّ وأن نبدأ بفَهمها، وفي هذا السياق يُحدّثنا التاريخ الإسلامي بأن التعبير عن الرأي الاجتهادي عقديّاً وفُقهيّاً ظلّ في أدبيات الإسلام ضمن الضوابط المُقرّرة، وكان أمراً مشروعاً، وحقاً مكفولاً للجميع، ولا يصحّ أن تحتكره جهة وتصادره من الآخرين، فإن ذلك إرهاب فكري، وإغلاق فِعليٌّ لباب الاجتهاد، وحِرمان للساحة العلمية من الثراء المَعرفي.

 

لكن الحَذَر كان ولا يزال من وجود آراء خاطئة، وطروحات مُنحرِفة، تخالف المُعتقدات السائدة، والاتجاهات الفُقهية المشهورة، كما هي حال موجات القاعدة وداعش وأخواتهم وهذا يتم التصدّي له، ليس بالاستعراضات الفكرية بل بالمواجهة العلمية الفُقهية الرصينة، التي تثبت ضعف الرأي الآخر وخطأه، ومكامن الانحراف والثغرات فيه، وتظهر صحّة الرأي الإسلامي الحق وأصالته، وتُعالج الإشكالات المُثارة حوله.

 

أما أساليب عدم المواجهة الفكرية والاجتماعية  لهذة التنظيمات  ودفن الرؤؤس في الرمال ؛ فإنها لا تستطيع أن توقف زحف تلك الجماعات بل قد تخدمها بإثارة الاهتمام بها وتكتّل أتباع  فكرهم  للدفاع عنه، وربما تعاطُف الكثيرين معه.لذلك لابد  من المواجهة وبقوة وعقلانية

******************

لقد أثبتت الموجة الداعشية وثورات ما سُمّي بالربيع العربي أن أحد أبرز أهدافها كان هو تمزيق صفوف المسلمين وتحويل ساحتهم إلى خنادق للصراع والاحتراب، ودفعهم إلى انتهاك حُرمات بعضهم بعضاً، وإسقاط كل طرف وتشويهه لرموز وشخصيات الطرف الآخر، وهو هدف يُعدّ بمعايير الدين الصحيح جريمة أكبر وخطراً أعظم.

 

ثم إن تعاليم الإسلام وأخلاقياته، وسيرة النبي والأئمّة والصحابة الأخيار ترفض الإرهاب بإسم الدين ولا تقبل مثل هذه الأساليب ولا تتطابق معها، فالإرهاب الذي اختطف الإسلام أول ما طال، طال البلاد الإسلامية نفسها، في البداية لأسبابٍ مختلفة ولكنها تعود لأصلٍ واحدٍ هو الفَهْم الخاطئ والـتأويل المُتعسّف لآيات القرآن الكريم، والتي تذهب لغير المعاني التي يجب فَهمها على حقيقتها القرآنية، وفي تاريخ ظاهرة الإرهاب تُحدّثنا وقائع التاريخ أن أغلب الدول الإسلامية، شهدت منذ مطلع سبعينات القرن العشرين، تنامي وبروز ظاهرة ما سُمّي بالإحياء الإسلامي أو الصحوة الإسلامية، وهي ليست بالظاهرة الحديثة أو الجديدة، بل يمكن تتبّع جذورها وامتداداتها عبر التاريخ الإسلامي بخبراته ومراحله المختلفة، واتّخذت هذه الظاهرة صوَراً وأشكالاً مُتعدّدة، ثقافية وفكرية، اقتصادية واجتماعية، سياسية وسلوكية، وقد تضمّنت الكتابات والدراسات التي تناولت تلك الظاهرة مجموعة ضخمة من المُصطلحات لتعريفها،كلاسلام السياسي والصحوة والاسلام التقدمي وغيرها من المصطلحات غير الدقيقة في الاحاطة بالظاهرة

 

علي رأية حال إن  ما جرى خلال الفترة من 2011 إلى اليوم 2021فلقد كان عُنفاً أعمى ضد الإسلام ذاته،ولم يكن صحوة إسلامية كما يروجون ، لقد أضحى هذا العُنف الذي تمارسه تلك الجماعات (من الاخوان والقاعدة إلى داعش والنصرة)، إفرازاً لفلسفة معيّنة وثمرة لفُقه خاص له وجهته ومفاهيمه وهو بالأساس الفكر المتطرف  الذي نبت وترعرع في بيئات التشدد والغلو وهو في تقديرنا أصل البلاء ومصدره الذي يستوجب من كل عُقلاء الأمّة أن يدعوا إلى اجتثاثه  لأنه امتداد لفكر وفُقه الخوارج قديماً الذين كانوا يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم.

 

وهو فكر لا يفهم لغة العقل ومن ثم لا يفهم صحيح الإسلام، ذلك الدين الذي يدعو إلى إعمال العقل في كل أمور الحياة مع استبعاد لغة العنف والقمع، وإنما بمنطق الحجّة والبرهان: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾. ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة﴾. ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.                                                                     ******************

 

تلك هي المبادئ الناظِمة للمواجهة الفكرية، لإثبات حقّانية الدين وبُطلان ما عداه.

 

ولا يقبل الإسلام الإساءة إلى المُخالِف في الدين والرأي لمُجرّد مُخالفته، ما لم يمارس عدواناً يستلزم الردّ والردع.

 

كما لا ينصح الإسلام بالقطيعة مع المُخالفين، بفصل وشائج العلاقات الإنسانية والاجتماعية معهم. بل على العكس من ذلك يوصي بالبرّ بهم والإحسان إليهم ما داموا مُسالمين غيرمُعتدين.

 

يقول تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، ذلك هو طريق الأنبياء في فَهمهم للدين، وفي ما أخذوه من الله سبحانه وتعالى، التسامُح والعدل والإخاء وعدم إكراه الناس على الدخول في الدين، وتلك مفاهيم وقِيَم تُخاصمها  جماعات الاخوان والقاعدة وداعش وأخواتهم الداعشية لأنهم أبناء الفكر المتطرف الذي قام على التكفير وإقصاء المُخالف بل وذبحه، ولنا في تاريخ تلك الفرق المتطرفة  عِبَر ودروس، إن الإرهاب بإسم الدين هو أخطر أنواع الإرهاب، هكذا قالت لنا السنوات الماضية في ذلك الربيع المُزيّف ..الربيع (العبري) وليس العربي ..والله أعلم

2021-08-04