جرائم لم يحاسَب عليها أحد !
د. صلاح حزام.
في التسعينيات جمعني لقاء في بيت أحد الاصدقاء بفنانة عراقية معروفة، وكان الفنان الراحل رياض احمد قد توفي منذ فترة وجيزة. تذكّر الحضور وفاته وناقشوا أسبابها وشعروا بالحزن لتلك الوفاة المبكرة.
وقد حدثتني تلك الفنانة عن شكوى الفنان رياض احمد المستمرة لها ، كونهما زميلين وصديقين، مما يعانيه من تعذيب وإذلال ومهانة ..
قال لها ، ان ابناء رجال السلطة واقاربهم من الصبية والغلمان الفاسدين ، كانوا يطلبونه للحضور في مزارعهم وقصورهم لأجل الغناء وإحياء حفلاتهم .
كانوا يتصلون بنقيب الفنانين ويأمرونه بارسال رياض احمد الى عنوان معين في وقت معين.
كان على نقيب الفنانين عمل المستحيل للبحث عنه وتبليغه بالأمر لانه إن فشل في تبليغه فسوف يُعاقب!
لاسيما وان هؤلاء الصبية كانوا يمثلون جيل القَتَلَة الشباب الذي سوف يتسلّم الراية في المستقبل .
كانوا يعاملون النقيب باعتباره متعهد حفلات او سمسار !!
يقول رياض لتلك الفنانة : انهم يريدون قتلي لانهم يجبروني على الغناء كما يشاؤون ولأي فترة يريدون بغض النظر عن تعبي والاجهاد الذي يلحق بي،ويجبروني على احتساء كميات كبيرة من الخمور القوية .
وبعد الحفلة يقومون بضربي بشدّة والقائي في ماء المسبح بكامل ملابسي وسط الضحك والسخرية.
وهذا يتكرر احياناً بشكل يومي.
قال لها لها انه يريد الموت وانه يُفرط في الشرب كنوع من الانتحار لانني لم أعد احتمل الضرب والأهانة.
اضافة لتلك المعاملة السيئة والوحشية، فأنهم لم يكونوا يدفعوا له شيئاً من المال ، ويحرمونه من المشاركة في الحفلات الخاصة للحصول على ايرادات لانه فنان محترف ويعيش من فنه.
لكنها السادية والعدوانية وسوء التربية التي تلقاها اولئك الفاسدون.
الآن وبعد التغييرعام ٢٠٠٣ ، هل خطر في بال أحد فتح ملف تعذيب الفنانين؟
ليس فقط رياض أحمد الذي تسببوا في موته ، بل معظم الفنانين في تلك الفترة ، وحكايات التنكيل بهم وتحطيم معنوياتهم وتعذيبهم معروفة.
هل يمكن ان يرتقي السياسيون والقضاء ومنظمات المجتمع المدني ، الى مستوى فتح ملف هؤلاء حتى وان كان القتلة والمجرمون والجلادون قد ماتوا او فرّوا الى الخارج؟
انها محاكمات ثقافية واخلاقية وفلسفية ليس الهدف منها المعاقبة بل الاعلان عن كونها جرائم يجب ان لاتتكرر ابداً..
كتبت ونشرت قبل سنوات مقالة طويلة حول موضوع مشابه، عنوانها : محاكمات فلسفية متى يحين اوانها؟
من يمكن أن يكترث بهذه الجرائم؟
الجهاز القضائي؟ سيقولون ليست هناك دعوى مرفوعة من أهل الضحية!
لماذا لاتتناولها المؤسسات الثقافية مثل اتحاد الأدباء باعتبارها ظاهرة خطيرة ويجب ان تُحاسب اخلاقياً حتى لو كان الجلاد ميتاً؟
ولو حدث ان تناولها ذلك الاتحاد وعقد ندوة لذلك الغرض ، من سوف يحضر ؟
ربما قلة من الناس سوف تحضر ، وسوف يقال: ان الاتحاد ترك مشكلة الكهرباء والبطالة وغياب الخدمات وذهب للدفاع عن رياض احمد الذي كان فناناً زنديقاً !!
سوف يكتب صحفيو الفكاهة والكوميديا السياسية البائسة، مقالات مطولة للسخرية من الاتحاد الذي ترك قضايا مصيرية مثل مقاومة الاحتلال وأدب وشعر مابعد الحداثة، وذهب الى محاكمة الماضي البائد!!
هؤلاء يجب ان يَعلَموا ان المشاكل التي يعانون منها الآن، على كل الاصعدة، هي نتاج تلك الممارسات التي خلقت اجيالاً لاتعرف القانون ولا الحق ولا الضمير المجتمعي وشجعت على الفساد وانتهاك القانون .
المفروض البحث عن جذور المشاكل التي تكمن في غياب او اختلال الثقافة المجتمعية وغياب منظومة القيم العامة المُتّفق عليها.
صار التعذيب والسخرية والاستهزاء وتبخيس حقوق الناس، بمثابة مادة مسلّية وشكل من البطولة والرجولة التي زرعتها سنوات البطش والاستبداد.
‎2021-‎08-‎03