“عن حلف الأردن الاستراتيجي مع أميركا”!
لميس أندوني.
لعل أهم ما يشغل بال العاهل الأردني، عبدالله الثاني، في زيارته حاليا إلى أميركا، تأمين الدور الاستراتيجي لبلده في المنطقة، وفق منظور الولايات المتحدة، بحيث لا تتخلّى الأخيرة عن النظام، بغض النظر عن تغيرات الإدارات في البيت الأبيض وخيارات واشنطن الاستراتيجية… على الرغم من تصنيف الكونغرس الأردن “حليفا موثوقا به”، فإن عدائية إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، نتيجة عدم موافقة الملك على “أجزاء هامة من صفقة القرن”، تركت الملك والدولة الأردنية تحت رحمة ضغوط اليمين الصهيوني في البيت الأبيض، والحليفين المفضلين لترامب، ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، اللذين حاولا فرض إملاءاتٍ تمنع الأردن من محاولات فتح آفاق اقتصادية في المنطقة إلا بموافقتهما.
صحيحٌ أن عهد ترامب انتهى، لكن تداعياته باقية، فالرئيس جو بايدن لم يغيّر شيئا في قرار الاعتراف بالقدس عاصمة موحّدة لإسرائيل. وبالتالي ظل تشريع الاحتلال التهجير القسري لأهل القدس، والتأييد العلني لمصادرة الأراضي وتشريد سكانها وبناء المستوطنات غير المشروعة دوليا وتوسيعها، بغرض تصفية القضية الفلسطينية وتوريط الأردن بدور أمني في ما يتبقى من جيوب سكّانية، بعد ضم أجزاء من الضفة الغربية وإنهاء الحقوق الفلسطينية.
قبل مغادرته إلى واشنطن، حاول الملك “ترتيب الوضع الداخلي” بتشكيله لجنة تحديثٍ هدفها إصلاح قانوني الانتخابات والأحزاب، لإثبات توجه الأردن إلى “التعدّدية” وعدالة التمثيل في مجلس النواب. وصدرت على المتهميْن في ما سميت “قضية الفتنة” أحكام قاسية تشمل 15 عاماً مع الأشغال الشاقة لرئيس الديوان الملكي السابق، باسم عوض الله، ومثلها للشريف حسن بن زيد، بتهمة التحريض على تقويض النظام.
ما تزال اللجنة في مراحلها الأولى، وسط شكوك شعبية بأن مخرجاتها سوف تضع أسس التعدّدية الحزبية والتنوع السياسي وقانون انتخاب عادل، وذلك بناء على تجارب سابقة مع لجان إصلاحية لم يُنفذ أيٌّ من قراراتها، إضافة إلى انعدام الثقة في صدقية الدولة في أجواء استمرار التدخل الأمني في الحريات والتضييق على النقابات والأحزاب، وجديدها عدم السماح للنقابات المهنية لدخول أعضاء في مجلس نقابة المعلمين (المنحلة) إلى مبنى مجمع النقابات، لعقد اجتماع خاص بهم. كما تزداد الشكوك بعد تسرّب معلوماتٍ بأن أعضاء في لجنة تحديث المنظومة السياسية، من ممثلي الأحزاب أو يؤيدون حرية العمل الحزبي، يجدون أنفسهم تحت ضغوط تيار مدعوم من أجنحة في الدولة لوضع قوانين تضعف الأحزاب، وتردع الشباب عن إنشاء أحزاب جديدة، إلا التي تختارها الدولة أو تنظمها بشكل غير مباشر، وذلك على الرغم من تصريحاتٍ علنية عن تشجيع الشباب على دخول الأحزاب، فيما تستدعي الجهات الأمنية أي شخص تشك في أن لديه انتماء حزبيا لا يروقها إلى التحقيق، حتى تخيف الناس من الأحزاب والحراكات السياسية.
أما إسدال الستار على “القضية”، وإنهاء المحاكمة بسرعة غير مسبوقة، وإبقاء الجلسات مغلقة، ورفض الاستماع إلى شهود طلب محامي الدفاع شهاداتهم، فهي رسالة إلى الخارج والداخل، تفيد بأن القصر لن يسمح بأي نوع من التدخل، ولو من باب المناكفة السياسية، بشؤون القصر. ومن ناحية ثانية، فرض صمت وولاء كامل، خصوصا بين رجال الدولة الذين يعبرون عن نقدهم أو استيائهم من سياسات الملك، عن حق أو عن انتهازية، بأن لا يحاولوا تقويض عرشه أو مستقبل نجله الحسين وليا للعهد.
هناك إشكاليتان في المحاكمة والقضية: أن محكمة أمن الدولة غير معترف بقراراتها دوليا. وفي هذه الحال، كانت محاكمة سياسية، لا دخل لقوة البيّنات أو القضاء فيها. وبذلك تضرب الكيفية التي جرت فيها المحاكمة صدقية الادعاء بالإصلاح السياسي والقانوني. إن القصر استغلّ سمعة باسم عوض الله بأنه “عرّاب” الخصخصة التي تلاقي معارضة شديدة، لتنفيس غضب الشارع والتنفيس من ردة الفعل على محكمةٍ لا تلتزم بأدنى معايير العدالة. ولكن عوض الله كان طُعما سهلا، فعلى الرغم من أن اللبرلة الاقتصادية بدأت في عام 1989، وأن المصادقة على بيع منشآت ومؤسسات وطنية جرت في عام 1991، أي قبل أن يتبوأ عوض الله أي موقع رسمي، بل بيع عدد غير قليل من المؤسسات قبل استلامه مناصب عليا. ومعلوم أن قربه من الملك، وهو القادم من الولايات المتحدة، جعله محط اهتمامٍ وهدف تعبئة على أنه “باع مقدّرات الوطن”، مع أن الرجل ليس إلا أحد منفذي سياسات الدولة. وذلك لا يعني أنه بريء من أي شبهة فساد تحوم حوله، ولكنه كان من المنفذّين، حتى لو كانت له صلاحيات أوسع، لكنه كان يتحرّك بعلم الملك. إضافة إلى أن لجانا للخصخصة تم تعيينها لعقد مفاوضات البيع منذ عام 1992، وبذلك لا يتحمل عوض الله المسؤولية وحده. وعليه يجب فتح تحقيق في كل الصفقات منذ عام 1991، وتقديم المدانين إلى محكمة مدنية.
ولكن الحكم على عوض الله بالسجن 15 عاما أفاد القصر، فلم يأبه كثيرون بإهانة المحاكمة نزاهة القضاء، بل احتفل كثيرون بسقوط “شيطان اللبرلة”، واختار أغلبية المثقفين الصمت، ولم يعترضوا على محاكمةٍ تنسف مقومات الإصلاح. وقد يستطيع عوض الله الذي يحمل الجنسيتين، السعودية والأميركية، رفع دعوى في الولايات المتحدة، وربما يفوز بها. الأهم أن آلافا من الشباب الأردنيين يظلمون في محكمةٍ يجب إلغاؤها احتراما لاستقلالية القضاء وحقوق الإنسان في الأردن، لكن الملك حقق الهدف الأهم بتدمير صدقية الأمير حمزة وإنهاء طموحاته بتولي الحكم، متجاهلا أن جزءا كبيرا من شعبية أخيه ليس لشخصه، بل تعبيرا عن عدم رضى عن إدارة العرش البلاد وشؤون الشعب.
ليس واضحا كيف سيكون رضى الرئيس بايدن عن تعديل قانونَي الانتخابات والأحزاب، وما إذا كان سيعتبر هذا كافياً كخطوة إصلاحية في الأردن. وليس واضحا كيف سينظر إلى محاكمة مواطن أميركي الجنسية في محكمة لا يؤخذ دوليا بقراراتها، وما إذا كان سيطالب بإطلاق سراحه، أو نقله إلى أميركا. لكن هذه قرارات سياسية تعتمد على ما تريده إدارة الرئيس بايدن من الملك عبدالله الثاني، وما إذا كانت مستعدة أن تمنحه دورا في حل نهائي للقضية الفلسطينية، يضمن استقرار الأردن والنظام.
انصباب اهتمام النظام في الأردن على تأمين دور استراتيجي في سياق الاستراتيجية الأميركية دفعه إلى قبول اتفاقية الدفاع الأميركية، أو الترحيب بها، وبخطط نقل قوات أميركية من قطر إلى الأردن، لكن ذلك أيضا هو توريط للنظام في دخول أحلاف رسمية مع إسرائيل بصورة عملية ضد إيران، فالقوات الأميركية هذه لن تحمي الأردن من إسرائيل، بل سيجعل وجودها الحكومة اليمينية في إسرائيل أكثر استقواء في فرض شروطها، وفرض دور وظيفي على الأردن ليخدم أهدافها.
للمرّة الألف، تتّجه أنظار الملك عبدالله الثاني إلى واشنطن، لتأمين استقرار النظام، ولا يرى الخطر الحقيقي الكامن داخل الأردن، ومن دون مراجعة سياسة اقتصادية تزيد من وجع الأغلبية وتفقدهم الأمل في مستقبل أولادهم. مصدر الشرعية ليس في واشنطن، بل في الأردن، بمصالحة وطنية حقيقية، علما أن واشنطن تتخلّى عن حلفائها بسهولة لحظة انهيار حكمهم داخليا.

2021-07-22