إلى متى الصبر على إثيوبيا!
د. محمد سيد أحمد.
تحدّثنا كثيراً وكتبنا وحللنا عن أزمة سدّ النهضة عبر السنوات العشر الماضية، وخلال الشهور الأخيرة ومنذ إعلان إثيوبيا عن الملء الثاني للسد بشكل منفرد دون توقيع اتفاقية دولية ملزمة تحفظ حق دولتي المصب مصر والسودان. ونحن نتحدّث ونكتب ونحلل ونرسم السيناريوات المتوقعة، ومع مرور الوقت واقتراب الموعد المحدد للملء الثاني دون الوصول لاتفاق مع إثيوبيا كانت تتقلص السيناريوات، ومن بين السيناريوات التي طرحناها سابقاً أربعة سيناريوات محتملة…

الأول كنا نعتقد أنه سيأتي عبر الضغط المصري خاصة بعد تأكيد الرئيس السيسي بأنّ «مياه النيل خط أحمر، وأن كل الخيارات مفتوحة»، حيث اعتقدنا أن ذلك سيؤدي إلى تحرّك المجتمع الدولي للتأثير على إثيوبيا لوقف عملية الملء الثاني للسد والجلوس على طاولة المفاوضات مجدّداً لإنجاز اتفاق ملزم للحفاظ على حصة مصر والسودان التاريخيّة في مياه النيل، والآن ومع بدء عملية الملء الثاني يكون قد تبدّد هذا السيناريو خاصة بعد إعلان مجلس الأمن عدم اختصاصه في نظر مثل تلك النزاعات.

السيناريو الثاني الذي رسمناه هو التعنّت الإثيوبي والإصرار على الملء الثاني في موعده من طرف واحد، ورفض الجلوس على طاولة المفاوضات وفرض أمر واقع، وهو ما سيدفع مصر والسودان إلى توجيه ضربة مؤثّرة لتعطيل العمل في استكمال السدّ مؤقتاً حتى يتم إنجاز الاتفاق الملزم، والآن وبعد البدء في عملية الملء الثاني دون توقيع اتفاق ودون تحرّك مصري سوداني بتوجيه ضربة مؤثرة لتعطيل العمل في استكمال بناء السد ولو مؤقتاً، يكون هذا السيناريو قد تبدّد أيضاً خاصة مع تصريحات المسؤولين الإثيوبيين بأنهم جاهزون للدفاع عن السد ضد أية محاولة لتخريبه.

السيناريو الثالث الذي رسمناه هو التعنت الإثيوبي وتوجيه ضربة عسكرية ناسفة للسد من قبل مصر والسودان، وهذا السيناريو ما زال قائماً حتى اللحظة بل يكتسب مع الوقت مشروعيّة خاصة مع العجز الواضح للمجتمع الدولي عن إقناع إثيوبيا بتوقيع اتفاق دولي ملزم للحفاظ على حصة دولتي المصب كما تنصّ على ذلك القوانين الدولية المنظمة للأنهار المشتركة، وبالطبع تطبيق هذا السيناريو غير مضمون العواقب، فهذا المجتمع الدولي العاجز قد يتحرّك ضد مصر والسودان في حال توجيه ضربة عسكرية ناسفة للسد وقد تنشأ حرب واسعة وفوضى عارمة في الإقليم.

والسيناريو الرابع الذي رسمناه هو تعنت إثيوبيا والضغط الدولي على مصر والسودان لقبول الأمر الواقع وعدم توجيه أي ضربات عسكرية أو تعطيل لاستكمال السد، وهو ما يعني موت شعب البلدين جوعاً وعطشاً، وبالطبع لا تسعى مصر والسودان لأي حلول خارج الشرعية الدولية لكنهما يبحثان عن حل يحفظ لهما حياة شعبهما المهددة. لذلك فالسيناريو الرابع لا يمكن أن تقبله جموع المواطنين في مصر والسودان، وهذا السيناريو قائم أيضاً لكنه سيحدث فوضى عارمة في مصر والسودان لأن شعبي البلدين لن يقبلا بالانصياع للضغوط الدولية إذا قبلها القادة السياسيون في البلدين، هنا ستكون الهبات الجماهيرية متوقعة دفاعاً عن حق هذه الجماهير في الحياة.

لقد أصبحت قضية سد النهضة في اللحظة الراهنة على صفيح ساخن وواحدة من القضايا التي تشغل الرأي العام ليس في مصر والسودان وإثيوبيا فقط بل الرأي العام العالمي، فبعد إعلان فشل المفاوضات وتصميم إثيوبيا على الذهاب لحافة الهاوية بإعلانها البدء في الملء الثاني للسد دون توقيع اتفاقية ملزمة مع دولتي المصب مصر والسودان، ضاربة بحقوقهما التاريخية في مياه النيل عرض الحائط، حيث ترفض الاعتراف بالاتفاقيات المبرمة بين دول حوض النيل المختلفة سواء الثنائية أو المتعددة الأطراف بحجة أن هذه الاتفاقيات وقعت خلال مراحل الاحتلال، تكون بذلك تدق طبول الحرب، وتكون السيناريوات الصعبة هي الأقرب للحدوث.

لقد صبرنا على إثيوبيا كثيراً والوقت أصبح يداهمنا وفي غير صالحنا، ولنتذكر الصرخة المدوية التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في أعقاب فشل الجولة الأخيرة للمفاوضات بأن «مياه مصر خط أحمر لا مساس بها، ولا يتخيّل أحد أنه خارج نطاق قدراتنا»، وهي رسالة واضحة موجهة ليس فقط لإثيوبيا بل للعالم أجمع، ولكلّ من تسوّل له نفسه بالعبث بشريان حياة المصريين، لذلك فمصر تضع المجتمع الدولي بمنظماته المختلفة أمام مسؤوليتها في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، والتدخل بحسم لوقف العبث الإثيوبي بالبدء في الملء الثاني للسد بشكل منفرد وقبل توقيع اتفاقية نهائية ملزمة تحفظ لمصر والسودان دولتي المصب حقوقهما التاريخية في مياه النيل، وإن تقاعس المجتمع الدوليّ عن القيام بالدور المنوط به في حفظ الأمن والسلم حول العالم يعني أنه يدفعنا دفعاً لخيار لم نكن نتمنّاه، وليتذكّروا المقولة الفرعونيّة المسجّلة على جدران المعابد «فليهرع الجنود لإنقاذ النيل، وترعى وصوله إلى معشوقته مصر» وهي المقولة التي لا يمكن أن يتنازل عنها الشعب المصري، وسيقف خلف جيشه وقيادته لتحرير النهر ومنع أي محاولة لوقف جريانه، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
‎2021-‎07-‎20