ثقافة للبيع!
خولة مطر.
لم تمانع كثير من إدارات المتاحف والمراكز الثقافية فى أوروبا وأمريكا افتتاح «فروع» لها فى بعض المدن الثرية، فهناك كثير من الربح فى الوقت الذى تقلصت النفقات على الثقافة فى بعض هذه الدول أو حتى شحت وطالبت الحكومات الهيئات المشرفة على هذه المراكز أن تقوم بتوفير الدعم المالى الذى تحتاجه بنفسها، أى العودة لرفع يد الدولة عن مسئوليتها تجاه الثقافة، كما هى مسئوليتها تجاه صحة وتعليم مواطنيها ومواطناتها.
•••
جاءوا فرحين من مدن بقيت لسنين طويلة تنشر النور، وحتى عندما ضعف نورها استمرت تلك المراكز من متاحف ومعارض فنية ومراكز بحثية وجامعات تنشر بعض من إشعاعات الفكر والثقافة المختلفتين الخارجتين عن المنظومة العامة أو المعتاد.. هم فتحوا آفاقا وفضاءات واسعة لكل البشر ليجد أى فرد، عاشق للفن والإبداع والفكر والتجديد فى كل ذلك، مساحات واسعة مفتوحة على فضاءات الكون.
•••
بقيت هذه المراكز رغم ما أصاب حال الثقافة عالميا من وهن أو ضعف، مع توجه متوحش عالمى لكل ما هو مادى محسوس بعيدا عن حقبة كان الفكر هو ما يميز الفرد فيها. واستطاعت رغم كل ذلك أن تحافظ على بعض من إرثها وتراثها، ولم تتهاون فى ذلك بل بقيت فخورة بصمودها حتى حصل ما حصل وجاءت الإغراءات المالية فى زمن شح المال، والكل يعرف أن إدارة مراكز ثقافية مكلف هو الآخر.. فكان أن رضخت تحت حجج مختلفة، إن فى افتتاح فرع لهذا المتحف أو ذاك المركز أو تلك الجامعة نشرا للثقافة والعلم وهى «عولمة» للثقافة وليس لرأس المال! وهناك منفعة على الجهتين «الشارى» و«البائع» أو القابل لثقافة الفروع فى بقاع الكون كما مطاعم الوجبات السريعة!
•••
كانت هناك عدة تبريرات لتواجه انتقادات لاذعة من صحافة هى الأخرى بقيت محافظة على بعض من استقلاليتها فى ظل هيمنة كاملة لرأس المال على كل شيء.. كل شيء وكل أمر.. شن كثير من الكتاب هجوما لاذعا وأطلقوا على القائمين على هذه المؤسسات الكثير من النعات ولكنها بقيت على مسارها فى مشوار التوسع من أجل البقاء ربما؟!
•••
القائمون على كل هذه المؤسسات الثقافية يدركون أن الثقافة لا تشترى ولا تباع وإنها ليست مبنى بموظفين متخصصين فى مجالهم، ولكنها منظومة متكاملة أوسع بكثير من قاعات بلوحات لفنانين عريقين أو بحوث وكتب لباحثين متعمقين أو صفوف دراسية تدار من قبل أساتذة مهتمين بموادهم.. هى أوسع من ذلك بكثير وإلا فهى تفقد إشعاعها وتنطفئ سريعا جدا.. باستطاعتك أن تبنى أجمل المبانى وأكثرها تناسقا مع الإطار المعمارى لتلك المدينة التى فقدت كثيرا من هويتها فى جريها السريع نحو أخذ المركز الأول فى موسوعة جنيس عبر أعلى بناية وأكبر منتجع.. ووو. كلها الأكبر والأعلى والأول بمقاييس بعيدة جدا عن الثقافة والتنوير والإشعاع، فقط بريق الذهب على قطعة من النحاس!
•••
هم نسوا أو تناسوا وهم يوقعون الصفقات المليونية أن المركز الثقافى بحاجة لمساحات واسعة محيطة به تشكل إطارا أوسع، حتى القهوة المحاذية بها تفاصيل مختلفة تماما عن مقاهى العولمة بفروعها المتعددة ونفس مذاقاتها توزعها على الكون.. فالمراكز والمتاحف جاذبة للكثير من البشر المحبين والعاشقين لما تحمله لهم أو حتى فقط للمساحات التى تسمح بوجودها، فيجد كل باحث عن النور مكانا مهما كان صغيرا خاصا به أو بها.. هكذا تتحول تلك المؤسسات إلى مراكز عابرة للفكر والقارات والمحيطات والحدود كلها.. عندها لا أسوار على الفكر ولا مقاييس، لا تستطيع أن تبعد بتفكيرك عنها، ولا خطوط حمُر لأى حديث سواء كان حول رجال أو نساء أو حول الدين والطائفة والعرق والمجتمع ككل.. مساحات وفضاءات لا حدود لها فكيف تستطيع أن تنقل كل ذلك إلى مدن واسعة بمقاييس محددة وحدود وخطوط حمراء ورفض لكل من لا يشبهنى أو يتحدث مثلى. كل شيء ممكن أن يباع ويشترى من الهمبورجر حتى الحقائب النسائية الثمينة، وكلها ممكن أن تعبر الحدود إلا الفكر، فهو الوحيد الذى لم تشمله عولمتهم بعد، وأصبح لنا مقاييسنا لحقوق الإنسان والحريات وحق التعبير وحق التفكير، فهو الآخر مرفوض مرفوض يا ولدى.
‎2021-‎07-‎20