محاولة للهروب!
كريم عبد السلام *

قبل الجريمة بساعات..
الخيال يتداعى مع حبات العرق على الأرض الممتدة،
وأنت تجذّف
وتضرب الهواء بذراعيك،
تتقدم إلى المخبأ
والطريق تتمدد تحت قدميك
والهواء قبل الشروق ثقيلٌ وراكد .
………
الأيام ، تحملها على كتفيكَ
وتنقلها من كتفٍ إلى أخرى
فتتساقط الساعات والدقائق على قدميكَ
شظايا شظايا
والصمت كل ما يتبقى من تلك الأيام التى تنوء بحملها
صامتاً بالحمّى
صامتاً بالصداع النصفى
صامتاً بالغربة
صامتاً بالأسى
صامتاً بقسوة المعرفة
صامتاً أمام الحشرات والقوارض
ملتزماً بآداب التعامل مع القردة العليا والقردة الدنيا
مع أشد المجانين خطراً
ومع الضِّباع التى تتباهى بظهورها المحدودبة وروائحها الكريهة.
……….

قبل الجريمة بساعات ..
متى ينتهى الليل
كيف ينتهى الليل
الذين يستنزفون الأعمار فى غمضة عين
الذين يقتلون الحرية بطلقة واحدة
ماذا يفعلون؟
الزمن مصنوع من المطاط
والترامادول يفشل فى قهر الصداع
مزيدا من المسكنات
خذوا يا شياطين الألم
إليكم كل ما تريدون من وقود
خذوا
التهموا
فقط ابتعدوا عن رأسى قليلا.
……..

ها أنا أيها الزمن الراكد
لابد من حجر يحرك أمواج السبخة
لابد من مغامر تسيل الأحلام من عينيه
يحذر جيفارا من الراعى
ويفتح الطريق إلى “فالى جراندى”**
…………

قبل الجريمة بساعات..
أمامى حروب فى ألف مكان على الأرض
مجاعات فى ألف مكان على الأرض
ضحايا يتساقطون فى ألف مكان على الأرض
قهرٌ فى ألف مكان على الأرض،

أمامى أبرياء يفقدون إيمانهم بالحياة
أكاذيب فى ألف مكان على الأرض،
وأحلام تدهسها السيارات فى السباقات المجنونة
دموع فى ألف مكان على الأرض،
وآمال تتحطم تحت المجنزرات

أمامى حالمون ينتحرون فى ألف مكان على الأرض،
لأن التماسيح تحاصرهم ،
لأن الخراتيت تسطو على خيالهم
واليأس يفرض سطوته فى ألف مكان على الأرض،
لأن الجوع غالب
والمرض يضرب بقسوة

أمامى إعلاناتٌ تصبغ الأرواح بالقار
واستسلامُ يرفع رايته فى ألف مكان على الأرض
وقلوبٌ تمتلئ بالسّناج
…………

قبل الجريمة بساعات..
أيها الزمن الراكد
أية رسائل يحملها الهواء
أية جرائم محتملة وغير محتملة
أية أحلام مجهضة
خطواتٌ سريعة وذراعاى تضربان الهواء
مركبى الشراعى يتقدم بإصرار فى عين العاصفة

أيها الزمن الراكد
أين نهرب
الحرائقُ فى كل بقعة
واليأسُ فى القلوب
والجدبُ فى الحدائق

مجانين خرجوا بالسكاكين ليصلبوا مسيحهم
وطغاة يدوسون بأحذيتهم على الخيال
ومهانون يتعلمون أن الانتحار هو طريق الثورة

قبل الجريمة بساعات..
ذراعاى تضربان الهواء
والطريقُ تتمدد مثل لسان الغول
والبنادقُ تقترب
وكلابُ الصيد
البيوتُ تعدو على الجانبين
والعشاقُ فى الحدائق الكالحة
يجلسون متباعدين ويلفهم الحزن والصمت
والطيورُ خرساءُ خرساء

أيها الزمن الراكد
الخونةُ يلوحون بالسكاكين الكبيرة
وأنا أضرب الهواء بذراعى
وأذكّر نفسى ،
لا تنظرْ وراءك
حتى لا تمنحَ الأشباح فرصة الوجود
حتى لا تصلَ سكاكينُ الخونة إلى صدرك
والحرائقُ إلى قدميك
وطلقاتُ القناصين إلى رأسك

لا تنظر خلفك وجذّف بمركبك فى عين العاصفة
ربما تحملك موجة بعيدا عن الدوامة
وتكسر غضب المياه السوداء
ردّدْ كل التعاويذ التى تحفظها
ردّدْ القصائد التى انتهيت منها بالأمس
جذّف
جذّف
جذّف
تقدّمْ فى الشارع المسحور الذى يتمدد مثل لسان الغول
وفى لحظة ما سيبطل السحر
فى لحظة ما سيتوقف الزمنُ المطاطى
ويطلع النهار
جذّف
جذّف
جذّف
إلى حلمٍ بدون يهوذا
إلى خيالٍ بدون انكسارات
إلى شوارعَ خالية من التماسيح
إلى أيامٍ بدون تعذيب
إلى ليلٍ بدون صداع نصفى
إلى عملٍ بدون أدوية الاكتئاب
إلى نومٍ بدون كوابيس
إلى شرابٍ بدون بكاء.

ألا ترى السحب الفاتحة تشق ظلمة الفجر
ألا تشم رائحة الندى الصباحى
لم يتبق الكثير على نهاية الليل
أو على انفجار رئتيك
أو على حافة الأرض.

* شاعر من مصر ، والقصيدة من ديوان قيد الطبع بعنوان ” محاولة لإنقاذ جيفارا”
**”فالى جراندى” بلدة بجنوب بوليفيا حيث تعرض جيفارا للخيانة والقتل
‎2021-‎07-‎13