بغـــــداد ، هـي حُـلم المنصور ورؤيته الثاقبة لعراق الحضارات !

   د. خيرالله سعيد.

  *     *     *

كــانت فـكرة ” إيجــاد مركزاً للخـلافة العباسية قائمة في أذهـان الخلفـاء العبّاسيّين، مركزاً يكون بعيداً عن العصبيات المناوئة لهُـم،، وبنفس الوقت، تكون لهم فيه سيطرة على كل الأقاليم الخاضعة لدولتهم، إضافة الى وجود عاملٍ طبيعي  يُـساعدهم في تسيّر أمورهم الزراعية والتجارية ، وقـد كانت هذه المهمّـة قائمة بفــكر أبي جعفرٍ المنصور، وكان يبحث عن مكانٍ تكون فيه الفكرة قابلة للتطبيق، وهـو الذي جـال الأرض، فبلغ طنجة، وأقام بالبصرة، ودخلها غير مرّة، ووصل الى أصبهان، وكان يحج ويجاور مكّـة، ويدخل الكوفة، ويقيم فيها، وجال في بلدان الجزيرة وديار بني ربيعة ومضر،وكان مع أبيه وعمومته بالشراة، ومع كلَّ هـذا كان طَـلاّبة للأداب والعلوم، مُحِـبّاً للسياسة، بعـيدُ الهمّـةِ، جيّد الرأي والتدبير، وقـد مـدحه إبن هـرمة فيما يخص أجلَّ الأمور التي يُقـدم عليها دون تردد ، فقال فيه : *1

 إذا مـا أراد الأمــــر نـاجى ضمــيرهُ ،،،،، فناجـى ضميراً غــير مختلـــف العَـقـلِ

ولم يَـشرك الأدنين في جـلَّ أمـــرهِ ،،،،، إذا انتَـفَـضَتْ بالأضعفين قـوى الحبلِ

ويشير ” مؤرّخ بغداد المشهـور – إبن الفقيه- الى عبارة دقيقة، يصف بها خِبرة وحـزم المنصور، وطـولَ أنـاتِـهِ وبُعــد نظره، إضافة الى توضيح جانب سياسي مهم في بناء مدينة بغـــــــداد، فيقول : *2

 ( فهـذا الحزم وهذه التجربة، وبعـد هذه الهمّـة، والأسفار الكثيرة، ومشاهدة البلدان البعيدة، رأى أن يختار هذا الموضع، مدينةً ومنزلاً ومُـستقرّاً، هـذا وخُـراسان تتمخّض، وفي أكناف الشام جماعة من بني أميّة يحاولون طلب المُلك، وبالحرمين طالبيون يرون أنّهم أحقّ الناس بالملك) .

وثمة ملاحظة أخرى، كانت قائمة في ذهن المنصور، ألا وهي، أن توسّـط الموقع الجغرافي في وسط العراق سيُساعد على الإشراف على بقية الأقاليم التابعة للدولة، ومن خلال هذا الموقع يمكن قمع أيَّ تحرّكٍ بتلك الأقاليم، قبل تفشّـي ناره. فقـد تمكّـن المنصور- من خلال هذا الموقع الجغرافي- من الإشراف على خُـراسان، عند خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن، حتى أخذه أسيراً، كما أمكنه الإشراف على مكّـة والبصرة، عند خلع عبدالله بن الحسن، حتى بلغ مراده، لتوسّط الموضع، وأمكنه أن يوجّـه ” إبنه المهـدي” الى طبرستان وجرجان . وأن يوجّـه المهـدي – فيما بعد- الهـادي ، الى جرجان، وأن يوجّـه المهـدي بالرشيد الى صائفة الروم، وأن يمضي الرشيد بنفسهِ يريد سمرقند،وأن يوجّـه المأمـون عبدالله بن طاهر الى مصر، ويشرف على بابك الخُـرّمي بالجبال،وأن يفتح طبرستان وعموريّـة، ولولا توسّـط المكان لكان الأمرُ أعسر، والطلبُ أبعـد، والأخبارُ أبطأ . *3

وقبل ذلك، كانت بغداد ، كما يعتقد بعض المؤرخين *4 ( لم تكن مدينة في الأيام المتقدمة الى أيّـام الأكاسرة والأعاجم سوى قرية من قُـرى طسوج بادوريّـا، لم يكن فيها إلاّ دير للنصارى النسطورية، عُـرف في العهد الإسلامي بالدير العتيق) .

وحينما أراد المنصور أن يختار مدينته ” مدينة السلام” فاختار موضعها هذا ، بعـد اختيار شخصي من قبله للمكان ذاته، حَـدّد فيه بعض المعالم التي تصلح لإقامته، وإقامة جُـنده والناس من حوله، فقد قال لبعض أصحابه : ” أريدُ موضعاً ترتفق بهِ الرعية ويوافقها، ولا تغلو عليها فيه الأسعار، ولا تشتد فيه المؤنة، فأني إن أقمت في موضعٍ لا يُجلب إليه في البرِّ والبحر، غلت الأسعار، وقلّت المادة، واشتدّت المؤنة، وشقَّ ذلك على الناس / لاحظ كيف يفكر بأمور الناس قبل نفسه/ وقـد مررت في طريقي بموضعٍ قد اجتمعت فيه هذه الخصال، فأنا راجعٌ إليه، وبايِتٌ فيه، فإن اجتمع لي ما أُريد من طيب اللّـيل، فهو موافقٌ لما أُريده لي وللناس، قال : فأتى موضع بغــداد، وبعد ان تمّ تحديد الموقع ، وأحضر الصُـنّاع والفعلة من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط والبصرة، وأمر باختيار قوم من أهل الفضل والعـدالة والفقه ، والأمانة والمعرفة بالهـندسة ، وقبل الشروع بالعمل ، أمر المهـندسين أن يخـطّـوا له المدينة على الأرض ويرسموا مداخلها ومخارجها وأسوارها، فرُسمت له ، ووضعوا على هذا الرسم الخطوط بالجص الأبيض وأضافوا إليه القطن المبلل بالنفط الأسود، وعند الغروب، أشعلوا تلك الخطوط بالنار، فأشتعلت وكأنها مدينة قائمة بذلك اللّـيل، فسُـرّ خاطره، وأمر العمال والفعلة بمباشرة العمل وحفر الأساسات، وكان يشرف على البناء الحجّـاج بن ارطـأة وأبو حنيفة النعمان، فخطّت المدينة وحفرت الأساسات، وضُرِبَ اللِّـبن، وطُبخَ الآجـر، فبُدئ بذلك، وكان أوّل ابتدائه في عمله سنة  خمسة وأربعين ومائة للهجرة، وقد بلغ من اجتمع عنده من الفِـعَـلة وأهـل المهَـن ( مائة ألف نفر)*6 وتم الفراغ من بناء ” مدينة السلام” سنة ست وأربعين ومائة، فيما أتم بناء السور والفراغ من الخندق، وإحكام جميع أمر المدينة سنة تسع واربعين ومائة *7 ، ثم تحوّل إليها المنصور من الهاشمية سنة ستة وأربعين ومائة، وقد أرّخ ذلك إبن الفقيه بالعربية – الهجرية ، وبالفارسة وبالشمسية قائلاً : *8

 ( وكان تحوّل المنصور من الهاشمية الى بغـداد، والإبتداء ببنائها سنة خمسة وأربعين ومائة، وذلك في اليوم الثامن عشر من مرداذماه سنة إحدى وثلاثين ومائة ليزدجرد، وآخر يوم من تموز سنة ألف وثلاثمائة وسبعين للإسكندر / 31-تموز- 1370م / والشمس في الأسد ثماني درجات وعشر دقائق ) *9

  * لم تكن فكرة إنشاء بغـداد فكرة عابرة خطرت ببال المنصور، بل كانت رؤيةً استراتيجيّةً، فقد كان يرمي الى أبعـادٍ سياسيةٍ مُحصِّلتها إقامة تحالفات جديدة بين قومياتٍ مختلفة، حيث كان المجتمع الإسلامي يخرج من التنظيم القبلي الى التنظيم السكني، باتجاه قيام مجتمع متماسك تتوفّـر فيه شروط الإستقرار السياسي والإجتماعي، فقد سكن بغـداد ، منذ ذلك التاريخ العباسي المزدهر،أجناساً من العرب والعجم، فيهم المروزية والخُراسانية والكرمانية وأهل فارياب، والأفارقة والديلم والبغـويين، وقد كان للموالي حظٌ كبير في أيّام العباسيّن. *10

  إن هـذا التمازج الإثني بين الأقوام، وتلاقح الحضارات ومختلف الثقافات، أمـرٌ له مردوده الحضاري على أهل بغـداد ، بشكلٍ خاص، ومدن العراق بشكلٍ عام، ومن شأنٍ هذا الإختلاط اكتساب عادات وتقاليد جديدة ومتطورة بعض الشئ، ونازعة أغلبها نحو التمـدّن، ومن اللاّفت للنظر، عند من درس تاريخ بغداد العباسي، يلاحظ ماهو جديد على الصعيد الإداري والسياسي، حيث تَـمَّ للمرة الأولى بتاريخ الحضارة العربية – الإسلامية وهـو “ قـيام الجيش النظامي العباسي” بـدل الإعتماد على مقاتلي القبائل، وهـو الأمر الذي فتح الآفاق الحضارية لتطور بُـنية المجتمع العباسي، بعكس ما نشهدهُ اليوم ، من تخلخلٌ اجتماعي، تحاول السلطات الطائفية فرضهُ على بنية المجتمع، كي تزرع فيه الفِـتن والحروب، وجعل أهل العراق يتقاتلون فيما بينهم، وما تلك الصرخة الطائفية المقيتة، الداعية الى إزالة “ رأس تمثال أبي جعفرٍ المنصور” من منطقة الأعظمية، بغية خلق فتنة لاتذر ولا تُـبقي ، خدمة لأجنداتٍ مشبوهـة، فارسية وصهيونية وأمريكية، كي يبقى العراق ضعيفاً ومكسوراً، ولذلك تتوجّـه هذه الدعوات الطائفية المقيتة الى ( كسر رموز العراق التاريخية) ، وهذا الأمر لن يمُـرَّ على أبناء العراق عامة، وأبناء بغداد خاصة، فعاصمة المنصور، لن تُـفرّط برأس بانيها التاريخي أبي جعفر المنصور .

     *    *    *   

الإحـالات والهـوامش :    

1- إبن الفقيه الهـمداني : بغـداد مدينة السلام – ص88 ، تحقيق د. صالح أحمد العلي، ط1 منشورات وزارة الإعلام العراقية .

2- المصدر السابق / نفس المكان .

3- نفس المصدر السابق .

4- اليعـقوبي ( كتاب البلدان ) ص3 – 20 منشورات المطبعة الحيديرية – النجف ، ط3 1377هـ / 1957م .

5- إبن الفقيه / المصدر السابق ص30-31

6- نفس المصدر/ ص32

7- اليعقوبي – البلدان – ص7

8- إبن الفقيه / ص41 .

9- نفس المصدر السابق .

10- اليعقوبي / ص18- 20

       ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،