المقاومة.. أيضا..
كتب يحيا حرب.

في ضوء ردود الفعل على طرح حزب الله لمواجهة حرب المشتقات النفطية، اسأل نفسي والاصدقاء المتابعين الاسئلة التالية: ما الفرق بين محاربة الاحتكار ومحاربة الفساد؟ لماذا انخرط جميع الفرقاء تقريبا بالتنديد بالفساد، واستنفر اغلبهم دفاعا عن المحتكرين؟ لماذا اعتبر البعض ضرب الاحتكار تغييرا للهوية؟
الاجابة على هذه الاسئلة تحتمل المواقف التالية: ردة الفعل لم تأت دفاعا عن الاحتكارات بل هي جزء من المناكفة مع صاحب الدعوة! او لان الدعوة اتت من جهة ان قالت فعلت فاستشعر المعنيون الخطر! فالشارع يمكن السيطرة عليه لكن المقاومة خارج منظومة سيطرة الدولة العميقة ومشغليها. وهذا كله جائز.
لكن احتمالا آخر يبدو مرجحا: ان نظام الاحتكارات هو جوهر الهيمنة المركبة (فئويا وطبقيا) للنظام اللبناني. والاساس الذي يضمن علاقة التبعية بالامبريالية ونظام الاستغلال العالمي (المجتمع الدولي). اما الفساد فأشبه بالرشى لاذلال الطبقة الحاكمة وضمان مطواعيتها وخداعها بالحصول على جزء من المغانم.
وبالفعل فان محاربة الفساد قد تصيب الادوات وتضرب فئاتٍ واشخاصا. اما تفكيك نظام الاحتكار فيمس جوهر النظام، ويهدد الهوية والوجود، كما قالت مرجعيات سياسية ودينية، باعتبار ان هوية البلد بالنسبة لهم تقوم على الحماية الاجنبية والتبعية للخارج التي يتباهى البعض بها ويعتبرها قرين السطوة والتميز.
الوقائع ثابتة ولا تحتاج الى دليل. اذ لم يبق مسؤول الا ونظم الشعر المقفى والمرسل، مطالبا بفضح الفاسدين، ومحاكمتهم، واعتبارهم سببا للأزمة. ولم تبق جهة الا ووجهت اصبع الاتهام للجهة المنافسة او المعادية، بالمسؤولية عن الفساد. وسمعنا مناحات وردحا من الخطب المطولة في ذم الفساد والدعوة لكشفه.
لقد زايد اهل السلطة على الشعب في الدعوة لمحاربة الفساد. حتى خشي الناس ان يكونوا هم سبب الازمة والانهيار الاخلاقي! بل ان البعض اتهم فعلا الناس وحملهم المسؤولية، عبر السكوت عن الفاسدين او المشاركة في انتخابهم، او.. او.. حالة من الميوعة السياسية والضبابية الفكرية، ساهمت في تجهيل الفاعل.
وتوسعت دائرة الحرب الفولكلورية، لتخلط الحابل بالنابل، الاقتصاد بالسياسة، التربية بالوعظ الديني، شؤون الاسرة بالقضايا القومية، وبات الجميع متهمين، وعلى قدم المساواة: لا فرق بين موظف في اصغر دائرة والوزير او ما فوق الوزير. حتى بات العشاق يعتبرون الخيانة العاطفية فسادا.. وهكذا!!
ولما جاء ذكر حاكم مصرف لبنان، اطلت رؤوس وعمائم وجلابيب، وانتفضت سفارات وشاشات ومرجعيات، دفاعا عن قداسة الفاسد.. والتهويل بالويل والثبور وعظائم الامور. وبلغ الامر حد الحرب الاهلية المصغرة عندما تصدت قاضية لشركة صيرفة، فكيف لو وصل الامر الى المصارف، ورب اربابها الحاكم؟!
لقد سبق لحزب الله ان تصدى لمسألة الفساد، بالطرق القانونية، من موقعه في البرلمان والحكومة. وقدم عشرات الملفات للقضاء، كما انه تجرأ وشارك الرأي العام ببعض المحطات. فاستقبل المعنيون الامر بهدوء. كانوا مطمئنين الى ان ذلك لا يحدث فرقا كبيرا. فاللعبة تجري في الملعب الذي صمموه لحماية فسادهم.
حزب الله كان يعلم ذلك. ولكنها منهجيته في القاء الحجة على الاخرين، واسقاط الذرائع امام خطوات التحول النوعي، والتدرج في المواجهة حتى تتوازن حركة النخبة مع الحركة الشعبية الواسعة.. فالشارع ايضا له حساباته وكلفته. لذا فقد اكتفى الحزب من معركته القانونية بفضح الفساد وتثبيت التهمة على النظام.
ولكن خطاب السيد اخيرا أحدث الفرق! لم يتحدث عن السرقة، بل قال ان هناك لصوصا مجرمين يسرقون قوت الناس، معروفة هوياتهم واسماء ابائهم وامهاتهم ومحلات اقامتهم!! قال اذا لم تتوقفوا عن هذه الخيانة سنقطع ايديكم: سنستورد البنزين، فنقطع يد الاحتكار اللئيم الذي يغذي الفساد، وهوية الدولة العميقة.
ولهذا كان الشبه كبيرا بين ردة الفعل على المقاومة لطرد الاحتلال، ومحاربة الاحتكار: تشكيك في القدرة على ذلك. تشكيك في الاهداف من وراء ذلك. التخويف من النصر في الحالتين على هوية الوطن وتركيبته. التحريض المذهبي وربط الهدف بمشاريع اقليمية وصراعات دولية لتثبيط همة الناس والمقاومة.
بل ان احدى الدمى المتحركة دفاعا عن النظام، اخذته الحماسة الى حد الدعوة لتحرير لبنان من الهيمنة الايرانية!! لماذا؟ لان حزب الله دعا الى تحرير الاقتصاد اللبناني من الاحتكارات السرطانية. الهيمنة الايرانية يراها البعض في ضرب اسس نظام التبعية، تماما كما كان تحرير الارض، تمددا لنفوذ ايران.
لكن بهلوانيات هذا وبهورات ذاك، مجرد قنابل صوتية، وغثاء تعرف الدوائر المشغلة لهما انه لا يخيف صاحب القرار في المقاومة، وان عجلة كسر الاحتكار قد تحركت. ولهذا سارعت الى علاجات موضعية بدلا من عملية الاستئصال. نفط من العراق، وتمويل لصفقات النفط المستورد لتنفيس احتقان السوق.
حسنا لقد فعلت دعوة السيد فعلها الاولي. لكنها لا تزال قائمة، بل هي تعلمنا خلاصتين مهمتين: ان الاصلاح لا يكون بالدعوات الاخلاقية وحسب بل بالقوة المحسوبة في مكانها وزمانها. ان العدو تراجع خطوة الى الوراء، وهي حركة تكتيكية مخادعة، سيتراجع عنها في اللحظة التي نرفع بها يدنا عن الزناد.. فهو يخاف ولا يتعض.
لكن الخلاصة التي تهمنا في معركة نحسبها طويلة ومعقدة، اننا نملك قوة يجب الا نفرط بها. وهذه المقاومة التي حررت الارض هي وحدها درعنا لمواجهة النظام المتوحش والعميل. معها يمكن لنا ان نصل الى بر الامان، ولهذا فان العدو يصوب عليها باستمرار وفي كل الظروف، لانه يدرك دورها في اسقاط الهيمنة.
ان هذه المقاومة التي اسقطت اسطورة الجيش الذي لا يقهر، كفيلة بإسقاط نظام الاحتكارات والتبعية. والمسألة تتعلق بالمنهجية اولا واخيرا. فالمقاومة لم تصبح اقوى من الاحتلال بالمقاييس العسكرية، بل كانت عبقريتها اكتشاف سر ضعفه، ومكمن عجزه، فحولته الى بيت عنكبوت.. ودخلت وأدخلتنا زمن الانتصارات.

2021-06-13